22 - 03 - 2026

الموارد البشرية في مصر: ثروة مهدَرة أم عبء أُسيء فهمه؟

الموارد البشرية في مصر: ثروة مهدَرة أم عبء أُسيء فهمه؟

على مدار عقود، استقر في الخطاب الاقتصادي المصري تفسيرٌ شبه جاهز لكل أزمة: الزيادة السكانية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه العبارة من تشخيص جزئي إلى تفسير شامل، بل إلى مبرر ضمني للعجز عن الإصلاح، وكأن المشكلة تكمن في عدد البشر لا في طريقة إدارة هذا العدد.

في البداية، نستعرض واقع السكان والقوة العاملة في مصريُقدر عدد سكان مصر في عام 2025 بنحو 118 - 119 مليون نسمة، ما يجعلها من بين أعلى الدول العربية من حيث عدد السكان عالميًا بتركيبة عمرية بلغت نسبة الفئات العاملة (15- 64 سنة) حوالي 63.2 % من السكان، أي ما يقرب من 74.8 مليون شخص في سن العمل، بينما يشكّل الشباب (0- 14 سنة) نحو 31.6 % من السكان، مما يمنح مصر قُوة ديموغرافية شرط استثمارها استثمارا صحيحًا. فقد بلغ إجمالي قوة العمل نحو 34.7 مليون فرد في أواخر 2025، وسجّلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج سنة 2025 رقماً قياسياً بنحو 36.5 مليار دولار، لتأتي في صدارة مصادر العملة الأجنبية في الاقتصاد المصري في المقابل، حقق قطاع السياحة أداء قوياً متعافياً، حيث ارتفعت إيراداته إلى ما يقارب 16.7 مليار دولار خلال عام 2025، مدفوعاً بزيادة أعداد الزائرين إلى نحو 19 مليون سائح واستمرار الطلب على المقاصد التاريخية والشاطئية. 

على صعيد الإيرادات من قناة السويس، شهدت انتعاشاً نسبياً في أواخر 2025، ومن المتوقع أن تصل إلي 4.2 مليار دولار، ومع تحسن الظروف الأمنية في البحر الأحمر يتوقع ان تستعيد ما تحقق من ايرادات تجاوز 10 مليار دولار عام 2023، أما الصادرات السلعية غير النفطية، فقد بلغت قرابة 48.5 مليار دولار في 2025 مع نمو بنحو 17 ٪ عن العام السابق، مما يعكس أداءً متقدماً لمنتجات مصرية مثل الذهب والمواد الغذائية والملابس الجاهزة. وبنظرة اكثر دقة يجب الاخذ في الاعتبار قيمة مستلزمات الانتاج المستوردة والداخلة في الصادرات السلعية، فلا توجد إحصائية رسمية حديثة لعام 2025 تُفصِّل الجزء من الصادرات السلعية المصرية الذي يمثل قيمة مستلزمات الإنتاج المستوردة الداخلة في هذه الصادرات ومع ذلك يمكن الاستناد إلى بعض المؤشرات العامة حول هيكل الواردات المصرية لتقريب الفكرة: قبل 2025، صرّح وزير التجارة والصناعة المصري أن نحو 54 ٪ من واردات مصر عبارة عن مستلزمات إنتاج (مواد خام ووسائط إنتاج تدخل في العملية الصناعية) وهو مؤشر على حجم الواردات الوسيطة التي تُستخدم في الصناعة بشكل عام، ومن ثم جزء كبير منها يمكن أن يكون مرتبطاً بإنتاج السلع المصدَّرة. في حالة الصادرات المصرية السلعية، يمكن الاستنتاج أن جزءاً كبيراً من تكلفة الإنتاج (مثل المكونات والمواد الخام والأجزاء غير المنتجة محلياً أو ذات تكلفة أعلى محلياً) يأتي من خارج البلاد، وبالتالي يشكل قيمة معتبرة من إجمالي قيمة الصادرات السلعية. بذلك يتضح أن تحويلات المصريين بالخارج تصدرت مصادر العملة الأجنبية في 2025 مقارنة بإيرادات قناة السويس والسياحة والصادرات.

الرسم البياني التالي يوضح اهمية استثمار الثروة البشرية باستخدام تحويلات المصريين بالخارج كمؤشر اقتصادي يبرز أهميتها رغم سوء استثمارها.

غير أن السؤال الأجدر بالطرح فيما يخص الموارد البشرية في مصر ليس: كم يبلغ عدد السكان؟ بل: كيف يُدار هذا العدد؟ وكيف يُستثمر؟ ولماذا لم يتحول إلى قوة إنتاجية قادرة على دفع الاقتصاد إلى الأمام؟

متى تصبح الكثافة السكانية مشكلة؟

التجارب الدولية تؤكد أن الكثافة السكانية ليست عبئًا في حد ذاتها. دول مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية وفيتنام انطلقت في مسارات تنميتها وهي تعاني من محدودية الموارد وضخامة السكان، لكنها تعاملت مع الإنسان باعتباره أداة إنتاج، ومصدر ابتكار، وقاعدة سوق واسعة. المشكلة الحقيقية لا تكمن في العدد، بل في ضعف الإنتاجية، وسوء توزيع السكان، وانفصال التعليم عن الاقتصاد، وغياب التخطيط طويل الأجل للموارد البشرية. وهنا تحديدًا تتجلى المعضلة المصرية.

من الثروة إلى العبء… كيف تشكلت النظرة السلبية؟

تحولت الموارد البشرية في مصر، تدريجيًا، من ميزة نسبية إلى عبء في الخطاب العام. ويرجع ذلك إلى عجز الاقتصاد عن خلق فرص عمل منتجة، واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، وانتشار البطالة المقنّعة داخل الجهاز الإداري، وضعف الأجور الحقيقية مقارنة بتكلفة المعيشة، إلى جانب هيمنة الاقتصاد غير الرسمي. وبدلًا من معالجة هذه الأسباب الهيكلية، جرى اختزال الأزمة في عدد السكان ذاته، لا في طريقة إدارتهم وتوظيف قدراتهم.

التعليم خارج معادلة الإنتاج

أحد أخطر مظاهر إهدار الموارد البشرية يتمثل في تعليم لا يُكسب مهارات، وشهادات لا تقود إلى عمل، وجامعات منفصلة عن الصناعة، وتدريب مهني محدود التأثير. هكذا نشأت مفارقة صارخة: ملايين الخريجين سنويًا، يقابلهم نقص حاد في العمالة الماهرة، واعتماد متزايد على الاستيراد حتى في صناعات بسيطة. هذا الخلل لا ينعكس فقط في معدلات البطالة، بل يضعف الإنتاج، ويقلل الصادرات، ويضغط على العملة الأجنبية، ويدفع الدولة نحو مزيد من الاقتراض.

البطالة المقنّعة… دين صامت

تاريخيًا، لجأت الدولة إلى التوسع في التوظيف الحكومي بوصفه حلًا اجتماعيًا لا اقتصاديًا. فكانت النتيجة جهازًا إداريًا متضخمًا، وإنتاجية منخفضة، وفاتورة أجور مرتفعة دون عائد إنتاجي حقيقي. في هذا السياق، يتحول الإنسان من عنصر إنتاج إلى بند إنفاق، ومن طاقة اقتصادية إلى عبء على الموازنة، ليصبح الدين العام نتاجًا لسوء توظيف الموارد البشرية بقدر ما هو نتاج لسياسات مالية أو مشروعات كبرى.

الاقتصاد غير الرسمي… طاقة خارج الحسابات

تشير التقديرات إلى أن نسبة معتبرة من النشاط الاقتصادي في مصر تعمل خارج الإطار الرسمي، بما يعني عمالة بلا حماية، وإنتاجًا بلا إحصاء، ودخلًا بلا ضرائب، وموارد بشرية بلا تطوير. هذا الواقع يضعف قدرة الدولة على التخطيط، ويقلل الإيرادات العامة، ويزيد الضغط على الاقتراض، ويُكرّس حلقة التخلف الإنتاجي. إدماج هذه الكتلة ليس مجرد مسألة مالية، بل خيار تنموي شامل.

الموارد البشرية وأزمة الديون: علاقة مباشرة

كل خلل في إدارة الموارد البشرية ينعكس مباشرة على الدين العام: ضعف الإنتاجية يؤدي إلى نمو حقيقي محدود، وضعف الصادرات يخلق نقصًا في العملة الأجنبية، والبطالة ترفع الإنفاق الاجتماعي، والتعليم غير المنتج يفرض استيراد التكنولوجيا والمهارات، والجهاز الإداري المتضخم يكرّس عجزًا مزمنًا في الموازنة. في ظل هذه المعادلة، يصبح الاقتراض وسيلة لتعويض ضعف الإنتاج، لا أداة لدعمه.

الإنسان: نقطة البداية… أو نقطة النهاية

تكشف التجربة المصرية، بوضوح لا يقبل الالتباس، أن أزمة الديون ليست ظاهرة مالية معزولة، ولا نتيجة ظرف خارجي عابر، بل هي انعكاس مباشر لاختلال أعمق في بنية إدارة الموارد البشرية. فحين تعجز الدولة عن الاستثمار الحقيقي في إنسانها تعليمًا وتأهيلاً وتمكينًا وإشراكًا في الإنتاج تصبح الديون نتيجة منطقية لا استثناءً مؤقتًا، وتتحول السياسات المالية إلى محاولات دائمة لإدارة العجز لا لمعالجة أسبابه.

الدولة التي تهمّش رأس مالها البشري، أو تنظر إلى السكان بوصفهم عبئًا ديموغرافيًا لا طاقة كامنة، تحاصر نفسها داخل حلقة مفرغة: ضعف إنتاجية، تباطؤ نمو، اتساع فجوة تمويل، ثم استدانة، يعقبها تقشف يفاقم بدوره تآكل قدرات الإنسان ويعيد إنتاج الأزمة في صورة أكثر حدة. في هذا السياق، لا يصبح الدين أداة للتنمية، بل مسكنًا مؤقتًا يؤجل الانفجار ولا يمنعه.

على النقيض، فإن الدولة التي تضع الإنسان في قلب نموذجها التنموي لا في هوامشه الخطابية تمتلك قدرة حقيقية على قلب المعادلة. فالكثافة السكانية، حين تُدار بعقل استثماري لا أمني أو إغاثي، تتحول من عبء ضاغط إلى قوة إنتاجية، ومن رقم في الإحصاءات إلى فائض اقتصادي. التعليم الجيد، وسوق العمل المرن، وسياسات الإدماج والعدالة في الفرص، كلها أدوات تجعل من النمو نتيجة طبيعية لا قرارًا فوقيًا.

في هذه الحالة فقط، يصبح الدين خيارًا مؤقتًا له وظيفة محددة وجدول زمني واضح، لا قدرًا دائمًا يُفرض على الأجيال القادمة. وهنا يتضح أن السؤال الحقيقي ليس: كيف نُموّل التنمية؟ بل: أي إنسان نصنع؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كان الإنسان نقطة البداية لمسار صعود، أم نقطة النهاية لدولة تُراكم الديون لأنها أخفقت في استثمار أثمن ما تملك. 
-----------------------------
بقلم:
 د. محمد فاروق مهنى 

مقالات اخرى للكاتب

بعد تراجع العمل العربي المشترك: هل آن أوان مراجعة الدوائر التقليدية للسياسة الخارجية المصرية؟