تكشف الوثائق الأحدث الصادرة عن وزارة العدل الأمريكية، والتي تمتد على قرابة ثلاثة ملايين صفحة، أن ما كان يقدم للجمهور خلال السنوات الماضية بوصفه علاقات سطحية أو عابرة بين جيفري إبستين والنخب العالمية كان في الواقع شبكة كثيفة من التفاعلات المستمرة والمتداخلة، تمتد عبر المال، والسفر، والهدايا، والمجاملات الشخصية، وأحيانا عبر إشارات ذات طابع جنسي صريح. هذه الوثائق لا تعيد تعريف إبستين نفسه بقدر ما تعيد تعريف البيئة التي تحرك داخلها، وتظهر أن كثيرا من الشخصيات التي سارعت بعد 2019 إلى تصوير نفسها كضحايا خداع أو كأشخاص شعروا بالنفور المبكر منه، كانت في الواقع تحافظ على قنوات تواصل مفتوحة معه حتى بعد إدانته الأولى كمجرم جنسي في 2008. هذا الاستمرار الزمني للعلاقات هو أحد أخطر ما تكشفه المستندات، لأنه ينقل القضية من إطار رجل منحرف خدع الجميع إلى إطار منظومة كاملة قبلت التعايش مع الخطر.
نقدم هنا تحليلا معمقا للشخصيات الأساسية الواردة في الوثائق مع تعريف واضح لكل شخصية، وسياقها المهني، وطبيعة علاقتها بإبستين كما تكشفها المستندات، ودلالات هذه العلاقة داخل شبكة النخب.
تُعد شخصية Jeffrey Epstein محور كل ما ورد في الوثائق، ليس فقط بوصفه مرتكبا لجرائم استغلال جنسي ممنهجة، بل بوصفه أيضا مهندسا لشبكة علاقات معقدة ربطت بين المال والنفوذ والمتعة والابتزاز الرمزي. إبستين قدم نفسه لعقود باعتباره ممولا ومستشارا ماليا غامضا يمتلك مفاتيح لعوالم الاستثمار الرفيع، لكنه في الواقع بنى نفوذه الحقيقي عبر قدرته على الوصول إلى شخصيات عليا ومنحها شعورا بالتميز والخصوصية. الوثائق تظهر أن قوته لم تكن في ذكائه المالي بقدر ما كانت في فهمه العميق لنقاط ضعف النخب: الرغبة في الانتماء إلى دوائر مغلقة، الفضول الجنسي، البحث عن الإثارة، والخوف من الفضيحة. بهذا المعنى، فإن إبستين لم يكن مجرد مجرم فردي، بل عقدة مركزية في منظومة سمحت له بالتحرك بحرية شبه كاملة.
تظهر الوثائق أن Elon Musk، أحد أبرز رموز الرأسمالية التكنولوجية المعاصرة ومؤسس شركات عملاقة مثل تسلا وسبيس إكس، لم يكن بعيدا عن دائرة إبستين كما حاول لاحقا الإيحاء. ماسك بنى صورته العامة على أنه رجل عبقري مستقل أخلاقيا، يتحدى المؤسسات التقليدية، لكن مراسلاته مع إبستين تكشف لغة ودية وفضولا واضحا تجاه عالمه. أهمية هذه العلاقة لا تكمن في إثبات تورط، بل في كشف الفجوة بين الخطاب الأخلاقي الذي يتبناه قادة التكنولوجيا علنا، وبين سلوكهم الاجتماعي داخل دوائر النخب المغلقة. وجود اسم ماسك في هذه الوثائق يوضح أن عالم الابتكار التكنولوجي لم يكن بمنأى عن ثقافة التطبيع مع شخص مدان بجرائم خطيرة طالما ظل مفيدا أو مثيرا للاهتمام.
أما Howard Lutnick، فهو نموذج لرجل أعمال انتقل إلى قلب السلطة السياسية، إذ يقود مجموعة كانتور فيتزجيرالد المالية وتولى لاحقا منصب وزير التجارة. لوتنيك صرح علنا أنه اشمأز من إبستين منذ وقت مبكر، لكن الوثائق تظهر استمرار تواصله معه وترتيبه زيارات عائلية إلى جزيرته. هذا التناقض يسلط الضوء على نمط متكرر داخل النخب: استخدام لغة أخلاقية حادة في العلن، مع الحفاظ على العلاقات في الخفاء. دلالة وجود لوتنيك في هذه الشبكة تتجاوز شخصه، إذ تكشف كيف يمكن لرجال المال الانتقال بسلاسة إلى مواقع سياسية رفيعة دون أن تخضع شبكات علاقاتهم السابقة لتدقيق جاد.
تظهر Kathy Ruemmler بوصفها حالة خاصة لأنها تمثل الجسر بين السلطة السياسية والسلطة القانونية والسلطة المالية. فهي شغلت منصب المستشار القانوني للبيت الأبيض في عهد أوباما، ثم أصبحت المستشارة العامة لغولدمان ساكس. الوثائق تكشف أن علاقتها بإبستين لم تكن مجرد علاقة مهنية عابرة، بل تضمنت تواصلا شخصيا وهدايا ومجاملات. هذه التفاصيل تطرح أسئلة حساسة حول أخلاقيات المهنة القانونية في أعلى مستوياتها، وحول قدرة أصحاب النفوذ على بناء علاقات حميمة مع من يفترض أنهم حراس للقانون.
وفي حالة Richard Branson، مؤسس مجموعة فيرجن وأحد أشهر رموز ريادة الأعمال العالمية، تكشف الوثائق لغة ودية ومزاحا ذا إيحاءات جنسية في مراسلاته مع إبستين. برانسون يقدم نفسه منذ عقود باعتباره رجل أعمال إنساني النزعة، قريب من قضايا البيئة والتنمية، لكن وجود اسمه في هذه المراسلات يوضح كيف أن الصورة العامة لا تعكس دائما طبيعة السلوك داخل الدوائر الخاصة. دلالة ذلك أن العمل الخيري والخطاب الإنساني يمكن أن يتعايشا مع علاقات إشكالية دون أن يشعر أصحابها بتناقض داخلي.
أما Andrew Farkas، فهو مطور عقاري بارز ومتبرع سياسي كبير، ارتبط اسمه بنخب الحزبين الديمقراطي والجمهوري. الوثائق تظهر أنه لم يكن مجرد شريك تجاري لإبستين، بل صديق مقرب تبادل معه رسائل ودية وفجة، وأقام في جزيرته. حالة فاركاس تكشف كيف تمتزج السلطة الاقتصادية بالنفوذ السياسي داخل شبكة واحدة، وكيف يمكن لشخصيات تلعب أدوارا مؤثرة في التمويل السياسي أن تحافظ على علاقات حميمة مع مجرم جنسي مدان دون أن يؤثر ذلك فوريا على مكانتها.
ويبرز اسم Peter Thiel، أحد أهم منظري الرأسمالية التكنولوجية المحافظة ومؤسس مشارك لبايبال ومستثمر مبكر في فيسبوك. الوثائق تظهر أن شركة استثمارية شارك في تأسيسها قبلت عشرات الملايين من الدولارات من إبستين، وأن التواصل بين الرجلين استمر لسنوات. ثيل معروف بخطابه الفكري حول مستقبل الحضارة الغربية والنظام السياسي، لكن وجوده في هذه الشبكة يبرز مفارقة صارخة بين التنظير حول القيم والانخراط العملي في علاقات مع شخص يحمل سجلا إجراميا واضحا.
أما Steve Tisch، المنتج السينمائي المعروف والشريك في ملكية فريق نيويورك جاينتس، فتظهر مراسلاته مع إبستين نمطا مختلفا يتمثل في دور إبستين كوسيط للترفيه الجنسي للنخب. الرسائل تتضمن نقاشات حول جلب نساء ولقاءات ليلية خاصة، ما يوضح أن إبستين لم يكن مجرد مستثمر أو مستشار، بل مزود خدمات اجتماعية غير رسمية لرجال نافذين. هذا الدور يفسر لماذا استمرت علاقاته رغم سمعته.
وتأتي حالة Leon Black بوصفها من أكثر الحالات دلالة على التشابك العميق بين المال والاستغلال. بلاك، مؤسس أبولو غلوبال مانجمنت وأحد كبار أثرياء العالم، دفع لإبستين مئات الملايين مقابل ما وصفه بأنه استشارات ضريبية وتخطيط ثروات. لكن الوثائق تكشف أيضا مدفوعات لنساء في محيط إبستين تحت مسمى هدايا، ومناقشات حول مراقبة صديقات سابقات لبلاك. هذا يطرح شكوكا جدية حول طبيعة الخدمات الحقيقية التي كان يقدمها إبستين.
وفي الخلفية تظل Ghislaine Maxwell، شريكة إبستين الأقرب ومساعدته الأساسية في إدارة الشبكة. ماكسويل لعبت دور الواجهة الاجتماعية، والمجندة، والمنسقة، وهي التي ربطت بين إبستين والعديد من النساء والفتيات. وجودها في قلب هذه الشبكة يوضح أن المنظومة لم تكن قائمة على رجل واحد، بل على فريق يعمل بتكامل.
كما تبرز Virginia Giuffre بوصفها واحدة من أهم الأصوات التي كسرت الصمت، وقدمت رواية متماسكة عن كيفية التجنيد والاستغلال داخل شبكة إبستين. أهمية جوفري لا تكمن فقط في كونها ضحية، بل في كونها شاهدة على البنية الداخلية للنظام الذي بناه إبستين.
تكشف هذه الشخصيات أن القضية ليست حكاية أفراد سقطوا أخلاقيا، بل صورة لمنظومة نخب عالمية تسمح بتعايش السلطة مع الانتهاك طالما ظل ذلك بعيدا عن الأضواء. إنها شبكة مصالح، ومجاملات، وصمت متبادل، جعلت من إبستين جزءا عضويا من عالم يفترض أنه يقود البشرية، بينما كان في الواقع يعكس أسوأ تناقضاته.
الوثائق تطرح كذلك سؤالا أعمق حول معنى المسؤولية في عالم النخب. فغياب الدليل على تورط مباشر في الجرائم لا يعني غياب المسؤولية الأخلاقية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأشخاص استمروا في التعامل مع إبستين رغم معرفتهم بسجله الجنائي أو بالحد الأدنى بسمعته المريبة. هذا النوع من المسؤولية الرمادية لا يعاقب عليه القانون غالبا، لكنه يشكل أساسا لثقافة الإفلات من العقاب، حيث يصبح الحد الأدنى من المعايير الأخلاقية قابلا للتفاوض طالما أن المصالح محفوظة.
تقول الصحافة الغربية أن ما تكشف عنه هذه الوثائق لا يخص الماضي وحده، بل يطرح تحديا مستقبليا يتعلق بكيفية إعادة بناء الثقة بين المجتمعات ومراكز القوة. فالثقة لا تستعاد عبر بيانات نفي أو عبر تحميل المسؤولية لشخص واحد مات أو سجن، بل عبر تفكيك البنية التي سمحت بتكرار هذا النموذج، ووضع قواعد أكثر صرامة للشفافية والمساءلة داخل عوالم المال والسياسة والثقافة. بدون ذلك، ستظل قصة إبستين قابلة للتكرار بأسماء مختلفة وظروف متشابهة، وتظل الوثائق مجرد شهادات مؤجلة على فشل جماعي في مواجهة الحقيقة.
----------------------------
عزت إبراهيم البنا
(نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك)






