02 - 02 - 2026

معرض الكتاب.. قراءة في مشهد غير عادي

معرض الكتاب.. قراءة في مشهد غير عادي

لو حاولنا توصيف ما جرى في التجمع الخامس يوم الجمعة 30 يناير 2026 بلغة الأرقام وحدها، سنفشل. لأن ما حدث يتجاوز كونه «ازدحامًا» أو «إقبالًا جماهيريًا» على فعالية ثقافية، حيث سجّلت بوابات معرض القاهرة الدولي للكتاب دخول أكثر من 807 آلاف زائر في يوم واحد. رقم كفيل بإرباك أي باحث اجتماعي، ليس لضخامته فقط، بل لما كشفه من حقائق صادمة عن المجتمع المصري، على عكس ما يُروّج له عادة.

اللافت هنا ليس الكم، بل السلوك الجمعي.

علم الاجتماع يخبرنا أن التجمعات البشرية الضخمة غالبًا ما تُنتج توترًا، احتكاكات، ومشكلات أمنية متفاوتة. لكن ما شهده المعرض كان استثناءً نادرًا: تنوع اجتماعي وجغرافي كامل، من مختلف الطبقات والبيئات، اجتمع دون أن يتحول المشهد إلى فوضى.

لا اشتباكات تُذكر، ولا مظاهر عنف، ولا تجاوزات صارخة.

كأن المكان نفسه فرض إيقاعًا مختلفًا على رواده. ويمكن تفسير ذلك بما يمكن تسميته «قدسية الفضاء الثقافي». فالمصري، حين يشعر أنه داخل مساحة تحترم العقل والوعي، يستدعي تلقائيًا سلوكًا أكثر اتزانًا، دون حاجة إلى رقابة أو توجيه مباشر.

المعرض، الذي تأسس عام 1969، لم يعد مجرد مناسبة سنوية لبيع الكتب. بل تحول إلى ظاهرة جماهيرية ضخمة، تُصنّف بين الأكبر عالميًا من حيث عدد الزوار. ومع تجاوز عدد الحضور الإجمالي أربعة ملايين ونصف المليون، يصبح من الصعب الاستمرار في ترديد مقولة «شعب لا يقرأ» دون مراجعة جادة.

ربما لا يخرج الجميع محمّلين بالكتب. وربما يأتي البعض بدافع التنزه أو التقاط الصور. لكن مجرد اختيار هذا المكان كوجهة، وسط زحام الحياة وضغوطها، هو فعل ثقافي بحد ذاته. فالثقافة لا تُقاس فقط بعدد المجلدات المباعة، بل بالرغبة في الاقتراب من عالمها.

السبب الحقيقي وراء هذا الزخم أن المعرض لم يعد مساحة نخبوية مغلقة.

هو صورة مصغّرة للمجتمع: ناشرون، كتّاب، موسيقيون، باعة طعام، أطفال، أسر كاملة. مزيج يعيد إحياء فكرة «الخروجة المصرية» التي كادت تختفي، ويمنح الناس فرصة نادرة للانفصال المؤقت عن إيقاع المدينة القاسي.

وكان مشهد صلاة الجمعة، بآلاف المصلين مصطفّين في هدوء مهيب، لحظة فارقة. صورة تختصر المعنى: اجتماع بلا صخب، واختلاف بلا صدام.

الخلاصة أن ما حدث في معرض الكتاب ليس إنجازًا تنظيميًا فقط، بل كشف اجتماعي عميق.

هذا البلد، رغم كل ما يُقال، لا يزال يحتفظ بعلاقة خاصة مع المعرفة، علاقة قد تخفت أحيانًا لكنها لا تموت.

في مصر، قد يضيق الحال، لكن الشغف لا ينفذ.

ومن يختار أن يرى المشهد بعين القارئ، سيكتشف أن في هذه البلاد جمالًا صامتًا.. لكنه حاضر بقوة.
-------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

معرض الكتاب.. قراءة في مشهد غير عادي