في عالم تتسارع فيه المعرفة العلمية بوتيرة غير مسبوقة، تبرز أحيانًا ابتكارات تقنية تغيّر قواعد اللعبة وتفتح آفاقًا جديدة أمام الإنسانية. من بين هذه الابتكارات ما يتعلق بفهمنا لأحد أعقد الألغاز في الحياة: طريقة انثناء البروتينات - المكونات الأساسية التي تُشغّل خلايانا وتحدّد وظائفها الحيوية.
لسنوات طويلة، حاول علماء الأحياء كشف شكل البروتينات في ثلاثِةِ أبعاد بفهمٍ دقيق، لكن الطرق التقليدية كانت بطيئة ومكلفة، مما أعاق التقدّم في مجالات مثل فهم الأمراض المعقّدة واكتشاف الأدوية. هنا ظهر ألفا فولد (AlphaFold) - نظام ذكاء اصطناعي غير تقليدي طورته شركة DeepMind التابعة لجوجل - ليقدّم حلاً ثوريًا لهذا التحدّي الذي ظل قائمًا أكثر من خمسين عامًا.
ما يجعل ألفا فولد أكثر من مجرد برنامج حاسوبي، هو أنه جسر بين عالم الحوسبة وعالم الأحياء الجزيئية؛ إذ يجمع بين القوة التحليلية للذكاء الاصطناعي وبيانات الأحياء الضخمة - مما يُمكّن العلماء من النظر إلى البروتينات بطريقة لم تكن ممكنة من قبل. لقد أحدث هذا النظام نقلة نوعية في فهم تركيب البروتينات، حدّت من حاجة التجارب المعملية الطويلة، وأطلقت بيانات ضخمة تُستخدم مجانًا في أبحاث حول العالم.
وبينما تتوسع قواعد بيانات العلماء وتتكاثف أبحاثهم، أصبحت هذه التقنية - التي كانت في وقتٍ قريب تبدو بعيدة المنال - من الأدوات العملية المستخدمة في مختبرات الطب الحيوي، والأبحاث الزراعية، والتكنولوجيا الحيوية. اليوم، هناك أكثر من 200 مليون هيكل بروتيني متاح عبر قاعدة بيانات ألفا فولد، يستخدمها ملايين الباحثين في أكثر من 190 دولة، وهو رقم يعكس ليس فقط حجم البيانات، بل التحوّل في طريقة العمل العلمي نفسه.
ما هو ألفا فولد؟
ألفا فولد هو نظام ذكاء اصطناعي طوّرته شركة DeepMind التابعة لجوجل، هدفه الأساسي حل واحدة من أعقد مشكلات علم الأحياء: كيف ينطوي البروتين؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكن الإجابة عنه حيّرت العلماء لأكثر من خمسين عامًا. فالبروتينات هي جزيئات الحياة العاملة داخل الخلايا، ووظيفتها تعتمد كليًا على شكلها ثلاثي الأبعاد. معرفة هذا الشكل تعني فهم الوظيفة، والخلل، والمرض، وإمكانية العلاج.
لمحة تاريخية: من لغز علمي إلى اختراق عالمي
منذ ستينيات القرن الماضي، كان العلماء يعرفون تسلسل الأحماض الأمينية في البروتين (أي حروفه)، لكنهم يعجزون عن التنبؤ بشكله النهائي بعد الانطواء.
في عام 2020 أحدث ألفا فولد صدمة علمية حقيقية عندما شارك في مسابقة عالمية تُعرف باسم CASP (تقييم التنبؤ ببنية البروتين)، وحقق دقة قريبة جدًا من الدقة التجريبية المعملية.
وصف كثير من العلماء هذا الإنجاز بأنه لحظة شبيهة باكتشاف المجهر في تاريخ علم الأحياء.
كيف “يفهم” ألفا فولد البروتين؟
يمكن تبسيط الفكرة كالتالي:
البروتين يشبه سلسلة خرز طويلة.
هذه السلسلة لا تبقى ممدودة، بل تلتف على نفسها لتأخذ شكلًا معقدًا ودقيقًا.
ألفا فولد يتعلم من ملايين البروتينات المعروفة سابقًا، ويستخدم الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق ليتنبأ كيف ستتفاعل الأحماض الأمينية مع بعضها، وأين ستقترب أو تبتعد، ليصل إلى الشكل النهائي.
هو لا “يحفظ” الأشكال، بل يتعلم القواعد الخفية للطبيعة.
دوره في فهم البروتين وحل المشكلات الصحية
أهمية ألفا فولد لا تكمن في الجمال العلمي فقط، بل في الأثر الصحي المباشر:
- يساعد في فهم أمراض ناتجة عن خلل في البروتينات مثل: الزهايمر، باركنسون، السرطان
- يسرّع اكتشاف الأدوية، لأن معرفة شكل البروتين تعني معرفة المكان الذي يمكن للدواء أن يرتبط به.
- يختصر سنوات من العمل المعملي إلى أيام أو ساعات من الحسابات.
بمعنى آخر: ألفا فولد لا يعالج المرض مباشرة، لكنه يضيء الطريق للعلاج.
علاقته بالمعلوماتية الحيوية
ألفا فولد هو ابنٌ شرعي لعلم المعلوماتية الحيوية (Bioinformatics)، ذلك العلم الذي يربط بين: الأحياء، الرياضيات، علوم الحاسب
فهو يعتمد على: قواعد بيانات ضخمة لتسلسلات البروتينات - خوارزميات معقدة - تحليل إحصائي وتعلم آلي
وبدونه، لم يكن ممكنًا لهذا المشروع أن يرى النور. يمكن القول إن ألفا فولد هو أحد أعظم تطبيقات المعلوماتية الحيوية في التاريخ الحديث.
دور الذكاء الاصطناعي: من أداة إلى شريك علمي
ما يميز ألفا فولد أنه نقل الذكاء الاصطناعي من:
“أداة حسابية” إلى “شريك في الاكتشاف العلمي”، فالذكاء الاصطناعي هنا لا ينفذ أوامر فقط، بل يستنتج، ويتوقع، ويقترح نماذج أقرب إلى الحقيقة البيولوجية.
ماذا يفعل ألفا فولد الآن؟
حاليًا، يستخدم ألفا فولد للتنبؤ ببنى: بروتينات الإنسان - بروتينات البكتيريا - بروتينات النباتات والطفيليات
وقد أُتيحت نتائجه مجانًا للمجتمع العلمي، مما مكّن الباحثين حول العالم من استخدامه في أبحاث: الزراعة، الطب، البيئة، التكنولوجيا الحيوية، التمويل ورأس المال
ألفا فولد ليس شركة مستقلة، بل مشروع بحثي ممول بالكامل من: DeepMind Google
أي أن رأس ماله هو استثمار معرفي طويل الأمد من جوجل في مستقبل العلوم والذكاء الاصطناعي، وليس مشروعًا تجاريًا تقليديًا يهدف للربح السريع.
موقعها الإلكتروني
يمكن للباحثين والمهتمين الاطلاع على نتائج ألفا فولد من خلال موقعها الرسمي:
وهو موقع مفتوح يتيح نماذج ثلاثية الأبعاد لعدد هائل من البروتينات.
كلمة أخيرة
ألفا فولد ليس مجرد برنامج، بل تحول فلسفي في طريقة فهمنا للحياة. هو مثال حي على أن تلاقي العلوم - الأحياء، والرياضيات، والحاسب، والذكاء الاصطناعي - قادر على حل أعقد ألغاز الطبيعة.
نحن لا نعيش فقط عصر الثورة الرقمية، بل نعيش عصر فهم الحياة بلغة الآلة.
نتائج ألفا فولد في الزراعة: كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي مستقبل غذائنا
منذ أن أتاح مشروع ألفا فولد التابع لDeepMind من جوجل التنبؤ بهياكل البروتينات الثلاثية الأبعاد على نطاق واسع، لم يعد هذا التقدم العلمي مقتصرًا على مختبرات الأحياء الدقيقة فقط، بل بدأ يؤثر تدريجيًا في مجالات عملية مثل الزراعة وتحسين المحاصيل.
التنبؤ بهياكل البروتينات النباتية: فهم ما كان غامضًا
في النباتات، تعمل البروتينات كآلات صغيرة تُسيّر وظائف الحياة: النمو، واستجابة الإجهاد، واستغلال العناصر الغذائية. فهم شكل هذه البروتينات يساعد العلماء في معرفة كيف تؤدي وظيفتها. قبل ألفا فولد، كان علماء النبات يفتقدون معلومات هيكلية دقيقة لمعظم بروتينات النباتات المهمة، لكن مع قواعد البيانات الضخمة التي أنشأها ألفا فولد - التي تضم اليوم أكثر من 200 مليون بنية بروتينية من عشرات آلاف الأنواع من الكائنات الحية - أصبح بإمكان الباحثين الوصول إلى هذه المعلومات بسرعة.
تحسين تحمل الإجهادات البيئية (الحرارة والجفاف)
أحد أهم التحديات في الزراعة اليوم هو ارتفاع درجات الحرارة والجفاف الناتج عن تغير المناخ.
باستخدام ألفا فولد، يستطيع العلماء نمذجة هياكل إنزيمات رئيسية في عملية التمثيل الضوئي مثل GLYK، لفهم كيف يمكن تعديلها أو تعزيزها لتظل فعّالة في ظروف الحرارة العالية. هذه التعديلات قد تؤدي إلى محاصيل قادرة على إنتاج غذاء جيد رغم تغير المناخ - وهو أمر حاسم في مناطق كثيرة تواجه موجات حر شديدة.
تعزيز إنتاج الزيوت والمحاصيل عالية القيمة
في بعض النباتات مثل فول الصويا، يستخدم العلماء ألفا فولد لدراسة البروتينات التي تتحكم في نقل السكر داخل الخلايا - وهذا بدوره يؤثر على كمية الزيت التي ينتجها النبات. بعد فهم الشكل والبنية الخاصة ببعض هذه البروتينات، يمكن توجيه عمليات التعديل الوراثي أو اختيار الأصناف التي تنتج كميات أكبر من الزيت، ما يعزز من قيمة المحصول الاقتصادي.
دعم صحة النحل والمحافظة على التوازن البيئي
النحل ليس “محصولًا” بحد ذاته، لكنه عنصر حيوي في تلقيح النباتات التي نعتمد عليها في الغذاء.
باستخدام ألفا فولد، درس العلماء البروتينات المتعلقة بالجهاز المناعي لنحل العسل مثل Vitellogenin - بروتين مهم في مقاومة الأمراض والضغط البيئي. فهم كيفية تأثير التغيرات الصغيرة في هياكل هذه البروتينات يساعد في تربية سلالات نحل أكثر صحة وقدرة على مقاومة الأمراض- وهذا أمر بالغ الأهمية في ظل خسارة ما يقرب من 60% من مستعمرات النحل في الولايات المتحدة خلال الأعوام الأخيرة بسبب الإجهادات البيئية والأمراض.
دمج ألفا فولد مع أدوات أخرى للتصميم الموجّه
إلى جانب الاستخدام المباشر في فهم البروتينات، فإن ألفا فولد يستفيد منه أيضًا في البحث التطبيقي مثل الدمج مع أدوات تصميم البروتينات الأخرى (مثل Rosetta). هذا يسمح للعِلماء بتصميم بروتينات مُحسّنة يمكن أن تعمل كـ عامل مساعد حيوي يزيد من كفاءة العمليات الزراعية—مثلاً بروتينات إنزيمية تحسّن امتصاص النباتات للعناصر الغذائية أو مقاومتها للأمراض.
ما معنى كل هذا لنا؟
باختصار:
ألفا فولد يتيح للعلماء رؤية شكل البروتينات النباتية للمرة الأولى بالدقة، وهذا مفتاح لفهم كيف تعمل المحاصيل داخل الخلايا.
يساعد في تحسين تحمل الإجهادات البيئية مثل الحرارة والجفاف—وهو أمر حاسم لضمان إنتاج غذاء مستدام في عالم يتغيّر مناخيًا.
يمكن أن يؤدي إلى محاصيل أكثر إنتاجية وقيمة، مثل محاصيل زيتية أفضل وزراعة أكثر كفاءة.
يدعم الحياة البيئية مثل صحة النحل، الذي يعتمد عليه تلقيح 75% من المحاصيل الغذائية في العالم.
-----------------------------
تقرير: إيهاب محمد زايد






