02 - 02 - 2026

ثروات فلسطين | قراءة في الحجم، والتوزيع، والمكانة الإقليمية والدولية

ثروات فلسطين | قراءة في الحجم، والتوزيع، والمكانة الإقليمية والدولية

غزة نموذجًا مكثفًا لثروة مُعطَّلة.

حين تُذكَر فلسطين في الخطاب العام، تُستحضَر السياسة قبل الاقتصاد، والمعاناة قبل الإمكان.  

لكن خلف هذا المشهد، تقف فلسطين كإقليم غني بالموارد قياسًا بمساحته، شديد الأهمية قياسًا بموقعه، ومكبوت اقتصاديًا بفعل واقع استعماري طويل.  وغزة، على وجه الخصوص، تمثل حالة مكثفة ؛ مساحة صغيرة تختزن نسبة غير متناسبة من الثروة مقارنة بحجمها الجغرافي.

أولًا - ثروات فلسطين إجمالًا

فلسطين تمتلك مزيجًا نادرًا من الثروات الطبيعية والبشرية

غاز طبيعي قبالة ساحل غزة ضمن حوض شرق المتوسط.

واحد من أهم الأحواض المائية الجوفية في المشرق (الحوض الجبلي).

معادن استراتيجية في البحر الميت (بوتاس، بروم، مغنيسيوم).

أراضٍ زراعية خصبة، خصوصًا في الأغوار والسهل الساحلي.

ثروة حجرية تُعد من الأفضل عالميًا في قطاع البناء.

رأس مال بشري عالي التعليم مقارنة بالمحيط الإقليمي.

موقع جغرافي يربط آسيا بإفريقيا ويطل على المتوسط.

رغم أن مساحة فلسطين التاريخية لا تتجاوز نحو 27 ألف كم²، فإن تنوع مواردها يضعها فوق المتوسط الإقليمي إذا ما قيس العائد المحتمل لكل كيلومتر مربع.

ثانيًا - غزة داخل المعادلة الفلسطينية

غزة تمثل نحو 1.3% فقط من مساحة فلسطين التاريخية لكنها تضم نحو 40% من الشعب الفلسطيني

اقتصاديًا، تمتلك غزة نسبة أكبر من وزنها الجغرافي في بعض القطاعات

100% من الغاز الفلسطيني المؤكد (حقل غزة مارين).

نحو 20–25% من القدرة الزراعية الفلسطينية التاريخية الساحلية قبل الحصار.

الواجهة البحرية الفلسطينية الوحيدة المتصلة مباشرة بالمتوسط.

كثافة بشرية شابة تمثل مخزونًا ضخمًا من رأس المال البشري.

بتقدير محافظ، يمكن القول إن غزة تختزن ما بين 20% إلى 30% من الثروة الاقتصادية الفلسطينية المحتملة، رغم صِغَر مساحتها، وهو اختلال نادر في الجغرافيا الاقتصادية.

ثالثًا - فلسطين مقارنة بالمنطقة العربية

على مستوى العالم العربي، لا تُعد فلسطين من كبار منتجي الطاقة أو المعادن من حيث الحجم المطلق، لكنها تختلف في معيار آخر الكثافة والقيمة النوعية.

احتياطي الغاز الفلسطيني صغير مقارنة بدول الخليج، لكنه كبير قياسًا بالمساحة وعدد السكان.

الموارد المائية الفلسطينية، لو استُخدمت بسيادة كاملة، لكانت من الأعلى كفاءة في المشرق.

العائد الزراعي المحتمل لكل كيلومتر مربع يفوق متوسط عدة دول عربية واسعة المساحة.

يمكن تقدير مساهمة فلسطين المحتملة — في حال التحرر الاقتصادي — بنحو

0.5% إلى 1% من الثروة العربية المنتجة

وهي نسبة مرتفعة نسبيًا لدولة صغيرة المساحة ومحرومة من الاستثمار.

رابعًا - فلسطين في سياق الشرق الأوسط

في الشرق الأوسط، تُقاس الثروة غالبًا بالطاقة.  هنا تظهر المفارقة

فلسطين تقع في قلب أحد أغنى أحواض الغاز في العالم (شرق المتوسط).

تُجاور أسواقًا كبرى (مصر، أوروبا، آسيا).

تمتلك موقع عبور استراتيجي لا تملكه دول نفطية مغلقة جغرافيًا.

لو قيس العائد الجغرافي لا الاحتياطي الخام، لكانت فلسطين ضمن الشريحة العليا من دول الشرق الأوسط من حيث القيمة الاستراتيجية للموارد، حتى إن كان حجمها الكلي أقل من عمالقة النفط.

خامسًا - فلسطين على الخريطة العالمية

عالميًا، لا تنافس فلسطين دول القارات في حجم الموارد، لكنها تنافس في ثلاثة معايير حساسة

الموقع - أحد أهم المواقع الجيو اقتصادية في العالم.

الكثافة السكانية المتعلمة: مورد نادر في الجنوب العالمي.

العائد المحتمل لكل وحدة مساحة مرتفع مقارنة بالمتوسط العالمي.

بهذا المعنى، فلسطين ليست دولة “فقيرة الموارد”، بل دولة عالية الكلفة السياسية على من يسيطر عليها.

غزة ليست عبئًا على فلسطين، بل مفتاحًا اقتصاديًا مُعطَّلًا.

وفلسطين ليست هامشًا اقتصاديًا في المنطقة، بل ثروة مُصادَرة.

نِسَب الثروة هنا لا تُقاس فقط بالأرقام، بل بما يُمنَع من أن يتحول إلى اقتصاد حي.

وفي الحالة الفلسطينية، فإن الفقر ليس قدرًا، بل سياسة ممنهجة لإدارة الغنى بالقوة.
---------------------------
بقلم: حاتم نظمي

مقالات اخرى للكاتب

ثروات فلسطين | قراءة في الحجم، والتوزيع، والمكانة الإقليمية والدولية