عقب اختتام اجتماع وُصف بـ«المثمر للغاية» لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، عقدت الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، مؤتمرًا صحفيًا استعرضت خلاله ملامح المشهد الدولي وتوقعات عام 2026، في ظل تحولات عميقة يشهدها النظام العالمي.
وأكدت كالاس أن الأسابيع الماضية أوضحت بشكل جلي أن النظام العالمي يشهد تحولًا جوهريًا، مشيرة إلى أن عدم القدرة على التنبؤ لم تعد استثناءً، بل أصبحت السمة الغالبة التي ميزت عام 2025، وستواصل التأثير بقوة خلال عام 2026.
وقالت إن روسيا تمثل تهديدًا كبيرًا للأمن الدولي، فيما تُعد الصين تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد، بينما لا يزال الشرق الأوسط يعاني من حالة عدم استقرار مستمرة. وأضافت أن المتغير الأبرز يتمثل في إعادة التوجه الجذري للعلاقات عبر المحيط الأطلسي.
وحدة أوروبا في مواجهة التحديات
وأوضحت الممثلة العليا أن الوزراء ناقشوا سبل الحفاظ على وحدة الاتحاد الأوروبي في مواجهة هذه التحديات، محذرة من أن الانقسام يُضعف أوروبا ويجعلها عرضة للضغوط.
وشددت على ضرورة أن تتمسك أوروبا بمواقفها، مؤكدة أن المرحلة الراهنة تتطلب اتحادًا أوروبيًا أكثر قوة وتعميق الشراكات الدولية.
واعتبرت أن الاتفاقيات التي جرى التوصل إليها مع الهند هذا الأسبوع تمثل نموذجًا عمليًا لكيفية تعزيز قوة أوروبا، مشيرة إلى أن استراتيجية أمنية أوروبية جديدة يمكن أن تسهم في رسم المسار المستقبلي، مع التأكيد على إشراك الدول الأعضاء في صياغتها.
أوكرانيا: الطاقة جبهة الصراع الجديدة
وحول الحرب في أوكرانيا، أكدت كالاس أن روسيا لا تبذل حتى جهدًا شكليًا لتحقيق السلام، مشيرة إلى أن استهداف قطار ركاب، إلى جانب قصف البنية التحتية المدنية، بما في ذلك منشآت الطاقة والمستشفيات والمدارس والمباني السكنية، يُعد جرائم حرب.
وأضافت أن فشل روسيا في تحقيق مكاسب حاسمة على ساحة المعركة دفعها إلى استخدام فصل الشتاء كسلاح، معتبرة أن قطاع الطاقة أصبح خط المواجهة الجديد.
وفي هذا السياق، أعلنت أن الاتحاد الأوروبي أطلق أكبر حزمة مساعدات شتوية في تاريخه، تشمل معدات الطوارئ والتمويل وإمدادات الطاقة.
وكشفت عن تقديم 500 مولد كهربائي إضافي و50 مليون يورو لدعم قطاع الطاقة، ليتجاوز إجمالي صندوق الطاقة الأوروبي 1.6 مليار يورو، مع الإقرار بأن هذه الجهود لا تزال غير كافية في ضوء حجم الأضرار التي تكشفها الصور الواردة من أوكرانيا يوميًا.
كما أعلنت عن اقتراح تشكيل فريق عمل مشترك بين بروكسل وكييف لتحسين تنسيق دعم الطاقة، داعية الدول الأعضاء إلى تعزيز مخزوناتها من أنظمة الدفاع الجوي.
تشديد الضغط والعقوبات على روسيا
وفي موازاة ذلك، أوضحت كالاس أن الاتحاد الأوروبي صعّد من ضغوطه على موسكو، عبر إدراج روسيا على القائمة السوداء لمخاطر غسل الأموال، وهو ما سيؤدي إلى إبطاء المعاملات المالية مع البنوك الروسية وزيادة تكلفتها.
وأشارت إلى تقدم العمل بشأن قرض بقيمة 90 مليار يورو، إلى جانب حزمة العقوبات العشرين، مؤكدة أن كل الإجراءات التي تحد من تمويل روسيا للحرب يجب أن تكون مطروحة للنقاش.
كما كشفت عن مقترح لمنع المقاتلين الروس السابقين من دخول منطقة شنغن، نظرًا للمخاطر الأمنية.
وأكدت استمرار التخطيط لمساهمات الاتحاد الأوروبي في الضمانات الأمنية لأوكرانيا، بدءًا من توسيع برامج التدريب داخل الأراضي الأوكرانية، وصولًا إلى دعم الانضمام الأوروبي والصناعات الدفاعية، مشددة على أن الاتحاد الأوروبي سيظل حاضرًا.
وفي هذا الإطار، شددت كالاس على أن المساءلة تظل عنصرًا أساسيًا، مشيرة إلى تخصيص أول 10 ملايين يورو للمساعدة في إنشاء محكمة خاصة بجريمة العدوان، مؤكدة أن روسيا هي من بدأت الحرب ويجب محاسبتها عليها.
حقوق الإنسان وإيران
وتطرقت كالاس إلى المناقشات التي جرت مع مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، مؤكدة أن المساءلة شرط لا غنى عنه لتحقيق أي سلام دائم.
وفيما يخص إيران، قالت إن القمع الوحشي للاحتجاجات أسفر عن خسائر بشرية فادحة، مشيرة إلى أن الوزراء وافقوا على تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، ليُدرج في نفس فئة تنظيمات مثل داعش وحماس وحزب الله والقاعدة.
وأضافت أن الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على المسؤولين عن القمع، بمن فيهم وزير الداخلية الإيراني، مؤكدًة أن القمع لا يمكن أن يمر دون رد.
كما اعتمد الوزراء عقوبات جديدة بحق المتورطين في الدعم العسكري الإيراني لروسيا، ووسعوا نطاق ضوابط التصدير.
وشددت على ضرورة الإفراج عن جميع المحتجزين ظلمًا في إيران، بمن فيهم مواطنو الاتحاد الأوروبي، مؤكدة استعداد الاتحاد لزيادة الضغوط ومواصلة دعم المجتمع المدني الإيراني.
سوريا وغزة والسودان
وفيما يتعلق بسوريا، أكدت كالاس أن الأوضاع لا تزال هشة للغاية، مشيرة إلى أن وقف إطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية تطورات إيجابية، لكنها غير كافية لتحقيق الاستقرار. وأوضحت أن الانتقال السياسي الشامل والمصالحة الوطنية يمثلان السبيل الأفضل لمنع عودة البلاد إلى الفوضى، في ظل استمرار تهديد تنظيم داعش.
أما بشأن غزة، فأكدت أن تركيز الاتحاد الأوروبي ينصب على دعم خطة السلام، معتبرة أن إعادة فتح معبر رفح بين غزة ومصر ستكون المؤشر الأوضح على إحراز تقدم.
وأعلنت جاهزية كوادر الاتحاد الأوروبي لإعادة الانتشار، مشيرة إلى الدور المحوري الذي يمكن أن تضطلع به بعثة الشرطة الأوروبية (EUPOL COPPS) في تدريب الشرطة والمؤسسات القضائية الفلسطينية، مع التوسع في برامج التدريب لتشمل الأردن.
وشددت على أن أمن غزة يجب أن يكون بيد الفلسطينيين، مع بحث سبل دعم هياكل الحكم الجديدة، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في إعادة الإعمار ونزع السلاح.
وبشأن السودان، أكدت أن البلاد لا تزال تشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم، معلنة اعتماد عقوبات جديدة ضد عناصر من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، مشيرة إلى أن هذه الإجراءات لن تنهي الحرب وحدها، لكنها سترفع تكلفة استمرارها على المسؤولين عنها.
منطقة البحيرات العظمى
وفي ختام كلمتها، أوضحت كالاس أن الوزراء ناقشوا سبل تكثيف الانخراط الدبلوماسي الأوروبي في منطقة البحيرات العظمى، وزيادة المساعدات الإنسانية، ودعم جهود الاستقرار الإقليمي، مع الاستعداد لاتخاذ مزيد من الإجراءات وفقًا لتطورات الأوضاع على الأرض






