هذه محاولة لتقديم قراءة تاريخية في متلازمة الثورة والثورة المضادة، من لحظة الانفجار إلى معركة النفس الطويل.
وأبدأها بالتأكيد على أن الخامس والعشرين من يناير ليس حدثًا أُغلق، ولا لحظةً عابرة انتهت، بل مسارٌ تاريخيٌّ مفتوح لم يستكمل دورته بعد. فما جرى من انتكاسة لم يكن نفيًا للثورة، بقدر ما كان نتيجة ظروفٍ متشابكة وأوضاعٍ معقّدة، تضافرت لتأجيل تحقّق أهدافها، لا لإلغاء الأسئلة التي فجّرتها، ولا المعاني التي أطلقتها.
وكما في الثورات الكبرى في تاريخ البشرية، لم يكن متوقَّعًا أن تستوي يناير على عودها من محاولتها الأولى، ولا أن تنجو من جولاتٍ متكرّرة من الصعود والانكسار.
بهذا الفهم، لا تُقرأ يناير بوصفها تجربةً فاشلة، بل بوصفها تجربةً غير مكتملة، دخلت مبكرًا في صدامٍ مع بُنى أقدم منها وأطول نَفَسًا.
إذا شئت الحقيقة فهي ثورةٌ محكومٌ عليها بأن تعود، لا بالضرورة في الشكل ذاته، ولا بالشعارات نفسها، بل بروحٍ أعمق ووعيٍ أكثر صلابة، بعد أن دفعت ثمن التعلّم القاسي في مواجهة الدولة، والاقتصاد، والثقافة السياسية، وسلاح الزمن.
من هذا اليقين تنطلق هذه القراءة، لا لتبرير الانتكاسة، ولا لتجميل الهزيمة، بل لفهمها. فالتاريخ المصري الحديث يكشف عن نمطٍ متكرّر، تُنجز فيه الثورات لحظة الفتح، ثم تتعرّض لمسارٍ طويل من الالتفاف والتفريغ، فيما يمكن تسميته بمتلازمة الثورة والثورة المضادّة.
من الثورة العرابية إلى يناير 2011، تتكرّر الدائرة ذاتها، بأدواتٍ مختلفة وسياقاتٍ متغيّرة، لكن بمنطقٍ واحد: ثورةٌ تفتح الإمكان، وثورةٌ مضادّة تعمل، بهدوءٍ وصبر، على إغلاقه.
هذه ليست دعوةً إلى اليأس، بل على العكس، محاولةٌ لتحرير الأمل من السذاجة، وربط الإيمان بالثورة بوعيٍ تاريخيٍّ لا يكتفي بلحظة الانفجار، بل يستعدّ لمعركة النَّفَس الطويل. فالثورة، لكي تستمرّ، لا تحتاج فقط إلى شجاعة الغضب، بل إلى معرفة التاريخ، وفهم المجتمع، وإدراك أن أخطر خصومها ليس القمع المباشر، بل تكرار الأخطاء نفسها باسم النقاء الثوري.
في التاريخ المصري الحديث، نادرًا ما انتهت ثورةٌ إلى اكتمالها.
في كل مرة خاض فيها المجتمع لحظة كسرٍ كبرى، انتهى الأمر إلى نصف ثورة، أو إلى ثورةٍ منقوصة، سرعان ما تمكّنت قوى مضادّة للتغيير من الالتفاف على منجزاتها، أو تفريغها من مضمونها، أو دفع المسار في اتجاهٍ معاكس تمامًا لما خرج الناس من أجله.
من الثورة العرابية في أواخر القرن التاسع عشر، إلى ثورة يناير 2011، لا يبدو الأمر سلسلةَ إخفاقاتٍ منفصلة، بل نمطًا متكرّرًا يمكن وصفه بـ«متلازمة الثورة والثورة المضادّة» في التاريخ المصري.
الثورة، في هذا السياق، ليست حدثًا معزولًا، بل لحظةَ فتحٍ تاريخيٍّ تطرح أسئلة الشرعية والعدالة والسلطة دفعةً واحدة. غير أن الخطأ المتكرّر يكمن في التعامل مع هذه اللحظة بوصفها ذروة الصراع لا بدايته.
ما لم يدركه الثوار في كل مرة أن التاريخ لا يُحسَم في يوم الانفجار، بل في السنوات التي تليه، حيث تبدأ المعركة الحقيقية مع قوى أكثر صبرًا، وأكثر تنظيمًا، وأكثر التصاقًا ببنية الدولة والمجتمع.
بدأ هذا النمط مبكرًا مع الثورة العرابية، التي مثّلت أول محاولةٍ حديثة لإعادة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولإدخال فكرة الأمة إلى المجال السياسي. غير أن هشاشة البنية الاجتماعية، وانقسام النخبة، وغياب التنظيم طويل النَّفَس، سمحت بتحويل الهزيمة العسكرية إلى إدانةٍ سياسية وأخلاقية للثورة نفسها.
لم تُقرأ العرابية بوصفها تجربةً تأسيسية أُجهِضت، بل قُدِّمت باعتبارها مغامرةً غير محسوبة، لتصبح لاحقًا أداةً في خطاب تخويف المجتمع من أي محاولة تغيير. ربما لو استمع عرابي إلى رأي رفاقه الذين اقترحوا عليه عزل توفيق وإعلان الجمهورية لتغير وجه التاريخ، أقول ربما.
تكرّر المشهد، بصيغةٍ أكثر تعقيدًا، في ثورة 1919. فقد حقّقت هذه الثورة تعبئةً وطنية غير مسبوقة، وفرضت حضور الشارع فاعلًا سياسيًا، لكنها انتهت إلى تسويةٍ منقوصة أبقت على جوهر التبعية، ورسّخت نظامًا سياسيًا عاجزًا عن استكمال مشروع الاستقلال الاجتماعي. هنا لم تنتصر الثورة المضادّة بالقمع، بل بالتفاوض، وبإطالة أمد الصراع، حتى فقدت اللحظة الثورية زخمها، وتحولت السياسة إلى صراعٍ نخبويٍّ منفصلٍ عن الشارع.
جاءت ثورة يوليو 1952 لتبدو، في ظاهرها، استثناءً على هذه القاعدة. فقد حسمت الصراع مع النظام القديم، وأنجزت تحوّلاتٍ اجتماعية كبرى، ووسّعت مفهوم العدالة، وحرّرت القرار الوطني. غير أن هذا الاكتمال الظاهري أخفى إشكالًا بنيويًا عميقًا: الثورة تحوّلت إلى دولة، لكن المجتمع لم يتحوّل إلى فاعلٍ سياسيٍّ مستقل.
أُغلِق المجال العام، وربط التغيير بقرارات السلطة لا بضغط المجتمع، فصار المشروع الثوري بلا حاضنةٍ اجتماعية قادرة على الدفاع عنه حين تتغيّر الاتجاهات.
هنا، لم تختفِ الثورة المضادّة، بل ظلّت كامنة داخل البنية نفسها. ومع التحوّلات التي بدأت في السبعينيات، لم يظهر الانقلاب على يوليو دفعةً واحدة، بل جرى تفكيكها ببطء، عبر الاقتصاد أولًا، ثم الثقافة السياسية، ثم إعادة تعريف معنى الدولة ودورها.
لم يكن «الانفتاح» مجرّد سياسةٍ اقتصادية، بل إعادة صياغةٍ للعقد الاجتماعي، وإعادة توزيعٍ للسلطة والثروة خارج منطق يوليو.
في هذا السياق، تمثّل أحداث 18 و19 يناير 1977 لحظةً كاشفة لا يجوز التعامل معها كحادثةٍ عرضية.
لم تكن انتفاضة الخبز كما سميت زورًا مجرّد احتجاجٍ على رفع الأسعار، بل تعبيرًا عن تصادم مشروعين: مشروعٍ يعيد هندسة المجتمع وفق منطق السوق، ومجتمعٍ ما زال يتصرّف بمنطق الحقوق الاجتماعية.
كانت تلك لحظة مواجهةٍ مبكّرة مع مسار الثورة المضادّة، لكنها انتهت، مرةً أخرى، بلا أدواتٍ سياسية تحميها، فتم احتواؤها وتشويهها وإفراغها من معناها، لا لأنها بلا مضمون، بل لأنها بلا تنظيمٍ طويل النَّفَس.
العامل المشترك في كل هذه المحطات ليس ضعف الرغبة في التغيير، بل اختلال ميزان الزمن. فالثورة تتحرّك بإيقاعٍ سريع، محكومة بضغط اللحظة وتوقّع النتائج، بينما تتحرّك الثورة المضادّة ببطء، تُراكم الأخطاء، وتراهن على التعب والانقسام وقِصر الذاكرة.
الدولة، بما تمتلكه من استمراريةٍ مؤسسية، والاقتصاد بما يملكه من قدرةٍ على ابتزاز الحاجات اليومية، والثقافة السياسية المشبعة بالخوف من الفوضى، كلها تصبّ في صالح الطرف الأكثر صبرًا.
حين اندلعت ثورة يناير 2011، كانت كل هذه العناصر قد نضجت. انفجارٌ شعبيٌّ واسع، بلا قيادةٍ موحّدة، ولا مشروعٍ متكامل لإدارة الصراع مع دولةٍ عميقة أعادت تشكيل نفسها عبر عقود.
لم تكن الثورة المضادّة وليدة اللحظة، بل كانت جاهزة، تعرف كيف تنتظر، وكيف تستثمر الانقسام وقِصر النَّفَس الثوري، لتعيد تقديم نفسها بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار.
ما يكشفه هذا المسار الطويل هو أن المعضلة ليست في الثورة ذاتها، بل في عجزها المتكرّر عن التحوّل إلى مسارٍ تاريخيٍّ طويل النَّفَس.
في كل مرة، يُنجز المجتمع مهمّة الهدم، ثم يُستبعَد أو يُستنزَف قبل الدخول في مرحلة البناء، فتنتقل السلطة داخل البنية نفسها، بينما يُترك المجتمع أمام خيارين: الاستسلام، أو انتظار ثورةٍ جديدة.
الخروج من متلازمة الثورة والثورة المضادّة لا يكون بإنكار الثورة، ولا بتمجيدها الرومانسي، بل بإعادة تعريفها: لا بوصفها حدثًا استثنائيًا، بل عمليةً تاريخيةً ممتدّة، تدرك أن معركتها الحقيقية تبدأ بعد لحظة الانفجار لا قبلها.
مرى أخرى نؤكد إن التاريخ لا يعاقب الشعوب لأنها تثور، بل لأنها لا تتعلّم كيف تحمي ثوراتها من الزمن.
----------------------------
بقلم: محمد حماد







