في إضافة جديدة ومميزة إلى مشروعه التنويري، يقدّم المركز القومي للترجمة برئاسة الدكتورة رشا صالح إصدارًا أدبيًا لافتًا ينهل من عمق التراث الإنساني، وذلك من خلال ترجمة الملحمة الفولكلورية الرومانية الخالدة "شباب بلا شيخوخة وحياة بلا موت"، ضمن مشاركته في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين.
الكتاب، الذي دوّن مادته الفولكلورية الكاتب الروماني بيتري إسبيريسكو، وقام بترجمته عن الرومانية المستشرق جورج غريغوري، يُعد واحدًا من أعمق وأجمل الحكايات الشعبية في الذاكرة الرومانية، إذ يبحر بالقارئ في سؤال الإنسان الأزلي عن الخلود، ورغبته المستحيلة في الانفلات من قبضة الزمن.
تبدأ الحكاية بملك وملكة يتوقان إلى إنجاب وريث، فيُرزقان بأميرٍ لا يرى النور إلا بعد أن يقطع أبوه عهدًا غريبًا/قدريًا بمنحه ما لا يُمنح: "شباب بلا شيخوخة وحياة بلا موت". وحين يبلغ الأمير الخامسة عشرة، يُصر على استيفاء الوعد، وينطلق في رحلة لا رجعة فيها، ممتطيًا حصانه السحري، ومتسلحًا بأسلحة أبيه القديمة، في مواجهة عالم لا يرحم.
وخلال رحلته، يعبر الأمير اختبارات خارقة للطبيعة، فيقاتل السعلاة، ويهزم الغولة ذات الرؤوس الثلاث، قبل أن يبلغ القصر الأسطوري الذي تعيش فيه ثلاث جنّيات في نعيم أبدي.
هناك، يتزوج الجنية الصغرى، ويغدو كائنًا لا يعرف التعب ولا الهرم ولا مرور السنين. غير أن اختراقه المحرَّم ودخوله "وادي المبكى" يوقظ في داخله حنينًا جارفًا إلى أبويه ووطنه الأول، فيقرر العودة، رغم التحذيرات.
وحين تطأ قدماه أرض مملكته القديمة، يكتشف أن مئات السنين قد انقضت، وأن كل ما عرفه صار أثرًا بعد عين، لتبلغ الحكاية ذروتها بمواجهة حتمية مع الموت، المختبئ في صندوق عتيق، مؤكدة رسالة إنسانية موجعة: أن الخلود قد يكون لعنة، وأن مصير البشر واحد مهما طال الطريق.
في "شباب بلا شيخوخة وحياة بلا موت" تواجه الأسطورة الزمن والموت، وتكشف أن الخلود مجرد حلم زائف، وأن قيمة الحياة لا تُقاس بالسنيين، بل باللحظات التي نعيشها بكل إحساسها وعمقها. رحلة الأمير ليست مجرد قصة، بل دعوة لكل قارئ ليقف أمام مصيره، ويعيش كل لحظة وكأنها أبدية لا تنتهي.






