22 - 03 - 2026

رضوى عاشور.. حين تتحول الكتابة إلى ذاكرة مقاومة

رضوى عاشور.. حين تتحول الكتابة إلى ذاكرة مقاومة

لم يكن الاحتفاء بالكاتبة والروائية الكبيرة رضوى عاشور داخل الصالون الثقافي بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، مجرد وقفة استذكارية، بل جاء بوصفه محاولة واعية لإعادة فتح مشروع إبداعي لم تُغلق أبوابه يومًا، مشروع ظل حيًا في النص والوعي، وفي تلاميذها الذين صاروا بدورهم شهودًا على أثرها الإنساني والمعرفي العميق.

أدار الندوة الدكتور مصطفى رياض، الذي استهل اللقاء بكلمة اتسمت بالبلاغة والعمق الإنساني، تحدث خلالها عن مكانة رضوى عاشور في الأدب العربي، مؤكدًا أن الندوة لا تستهدف استعراض سيرتها أو أعمالها بقدر ما تهدف إلى «الغوص في بحر إبداع رضوى»، واستعادة كلماتها التي لم تكن يومًا عابرة.

واستشهد بقولها: «هناك ذاكرة للكلمات»، معتبرًا أن استدعاء هذه الذاكرة اليوم تأكيد على أن رضوى عاشور كانت صوتًا متجذرًا في الوعي لا يخفت بمرور الزمن.

أجنحة للمقهورين.. والكتابة كفعل إنساني

من جانبها، عبّرت الدكتورة كرمة سامي، أستاذة الدراما بكلية الألسن – جامعة عين شمس، عن سعادتها البالغة بهذا الاحتفاء، واعتبرته لفتة إنسانية وثقافية مهمة من إدارة المعرض، مؤكدة أن صوت رضوى عاشور الأدبي لم يخفت أبدًا.

وأشارت إلى أن ارتباطها الإنساني والنفسي بنصوص رضوى يتجسد في عبارتها الشهيرة «لكل المقهورين أجنحة»، حيث امتلكت القدرة على منح المقهورين أفقًا إنسانيًا مفتوحًا دون انحياز أو تضييق.

وأوضحت أن مشروع رضوى عاشور قام على «أنسنة الثقافة»، وأن قوتها لم تكن نابعة من الصدام، بل من قلب سليم يؤمن بالوعي والمعرفة.

وتوقفت عند رواية «سراج»، حيث يتحول مشروب القهوة إلى رمز لليقظة، وكأن الوعي ينبثق من تفاصيل الحياة اليومية، مؤكدة أن رضوى كانت معلمة في كل لحظات حياتها، حتى في أبسط الرسائل، وأن من اقترب منها تعلّم منها دون أن تشعره بذلك.

كما تحدثت عن مفهوم «الأمومة الإبداعية» الذي ميّز تجربة رضوى عاشور، وعن تبنيها لمشروع غسان كنفاني نقديًا وإنسانيًا وفكريًا، مشيرة إلى أن رضوى حضرت هذا العام من خلال إصدارين: كتاب عنها، ورسالة علمية أشرفت عليها وصدرت هذا العام، اختير موضوعها بعناية ليتناول تجربة غسان كنفاني، بما يعكس وعيها العميق في توجيه مشروعات طلابها البحثية.

حكاية الملوخية.. درس في القراءة والحياة

بدوره، تحدث الدكتور شكري مجاهد، أستاذ الأدب الإنجليزي بكلية التربية – جامعة عين شمس، والحاصل على جائزة رفاعة الطهطاوي للترجمة، بصدق مؤثر عن كونه أحد تلاميذ رضوى عاشور، معبرًا عن فخره بالانتماء إلى مدرستها الفكرية والإنسانية.

وسرد موقفه الشهير مع رواية «خديجة وسوسن»، حين استوقفه وصف إعداد «الملوخية» في ثلاث صفحات، فكتب ساخرًا على هامش الرواية: «دي رواية ولا صفحات من كتاب أبلة نظيرة؟»، وعندما واجهها برأيه، كان ردها سؤالًا بسيطًا عميق الدلالة: «كم من الوقت قضت والدتك طوال عمرها وهي تصنع الملوخية؟ أليست ثلاث صفحات قليلة على هذا العمر؟».

وأكد أن هذا السؤال أعاد تشكيل وعيه بالقراءة، وغيّر نظرته للتفاصيل ودلالتها الإنسانية، مشيرًا إلى أن رضوى عاشور كانت تكتب كما يرسم الفنان، تجعل القارئ يرى المشهد ويتحاور معه، وأن شخصياتها ليست مجرد كلمات على الورق، بل كائنات نابضة بالحياة.

بين الخيال والواقع.. كتابة تترك للقارئ حق الاكتشاف

من جانبها، تحدثت الدكتورة ندى حجازي، مدرسة بقسم اللغة الإنجليزية بكلية التربية – جامعة عين شمس، عن قدرة رضوى عاشور الفريدة على المزج بين الخيال والواقع، مؤكدة أنها لم تلجأ إلى لغة متعالية أو متكلفة، بل حرصت دائمًا على القرب من القارئ، مع ترك مساحة للاكتشاف والاستنتاج.

وضربت مثالًا بـ«ثلاثية غرناطة»، حيث جمعت رضوى بين شخصيات متخيلة ذات حيوات خاصة، وتفاصيل تاريخية دقيقة، ما منح النص صدقه وقوته، وهو ما أكده الدكتور مصطفى رياض، مشيرًا إلى أن رضوى كانت حريصة أثناء كتابتها لأي عمل على البحث في التفاصيل الواقعية وتسجيلها بعناية قبل توظيفها إبداعيًا.

مشروع متكامل.. النقد والرواية وجهان لوعي واحد

وتوقف المتحدثون عند مشروعها النقدي، لا سيما كتاب «التابع ينهض»، واهتمامها بأحمد فارس الشدياق، ومحاضرتها الشهيرة «الحداثة الممكنة»، التي بدت – كما وصفها الحضور – بمثابة وصية فكرية تدعو للبحث عن جذور الحداثة العربية، لا باعتبارها تقليدًا، بل فعل وعي ومقاومة.

وأكد الدكتور شكري مجاهد أن ما تعلمه من رضوى عاشور هو البحث الدائم عن الأصل، والنظر إلى الأدب بوصفه امتدادًا للحياة، مشيرًا إلى أن تجربتها تشبه الهرم بثلاثة أوجه: التدريس، والنقد، والرواية، وأنها تجربة تحتاج إلى من يجمعها وينقلها للأجيال الجديدة، باعتبارها خبرة إنسانية ومعرفية لا ينبغي أن تضيع.

هكذا بدت رضوى عاشور في تلك الندوة: حاضرة رغم الغياب، نابضة في الحكايات، وممتدة في الوعي. لم تكن مجرد كاتبة أو ناقدة أو أستاذة جامعية، بل مشروعًا أخلاقيًا ومعرفيًا متسقًا، لم تخن يومًا أفكارها، ولا طلابها، ولا إنسانيتها.

ولعل أجمل ما قيل عنها، أن من عرفها لم يفقدها، ومن يقرأها اليوم يكتشف أنها ما زالت تمنح المقهورين أجنحة، وتمنح القارئ سببًا جديدًا للدهشة.