أقصى شمال الكرة الأرضية، حيث الجليد يكسو الأرض وقلوب بعض البشر، تتحرك القوات الأمريكية في جرينلاند، وأقصى جنوب الخريطة العربية، تتحدث واشنطن عن إحلال السلام في السودان، أما في قلب الشرق الأوسط، فكُشف عن سجون سرية في اليمن، تتبدل سبل التفاوض مع إيران، بينما تُعلن دمشق اقتراب نهاية تنظيم مسلح في شمال شرق سوريا، وعلى حدود العراق تسليحات ثقيلة للجيش الأمريكي بشكل كثيف، للوهلة الأولى تبدو هذه أخبارًا متفرقة، لكن بجمعها في إطار واحد نكتشف أن العالم يشهد مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ، تُدار بتحريك القطع على رقعة شطرنج تمتد من القطب الشمالي إلى الصحارى العربية، وكما يقول المثل المصري "اللي ما يعرفش يقول عدس"؛ فالصورة الكاملة تظهر لمن يربط النقاط ويرى ما وراء العناوين.
جرينلاند، الجزيرة التي ظلت لعقود بعيدة عن صخب السياسة، تعود اليوم إلى واجهة الصراع الدولي، التحركات العسكرية الأمريكية هناك ليست استعراضًا للقوة بقدر ما هي رسالة استراتيجية، فالطرق البحرية التي يفتحها ذوبان الجليد، والثروات الكامنة تحت الأرض القطبية، جعلت من الشمال ساحة تنافس بين واشنطن وبكين وموسكو، بداية فصل جيوسياسي يحول الجليد إلى مسرح للنفوذ، وفي المقابل، تنتقل الدبلوماسية الأمريكية جنوبًا نحو السودان، لتعلن الخارجية أن إدارة ترامب تعمل على إحلال السلام، نلاحظ تبدل الأسلوب؛ من القواعد العسكرية في الشمال المتجمد، إلى موائد التفاوض في إفريقيا الساخنة، لكن الرسالة واحدة؛ الولايات المتحدة لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تسعى إلى تثبيت مواقعها في مناطق الفراغ الاستراتيجي قبل أن تملأها قوى أخرى.
قلب اللعبة في الشرق الأوسط حيث في اليمن، يكشف الحديث عن سجون سرية، في إشارة إلى طبقات خفية من الصراع لا تظهر في البيانات الرسمية، وفي الملف الإيراني، قرارات جديدة حول المفاوضات تعني أن مرحلة المساومة الكبرى لم تُغلق بعد، وسوريا تأتي تصريحات وزير الإعلام عن انهيار تنظيم "قسد" كإعلان عن تحول ميداني قد يفتح باب إعادة ترتيب التوازنات شمال البلاد، أو هكذا نتمنى.
تتقاطع الأخبار الأربعة كما رأينا عند نقطة واحدة، النفوذ لا يُدار في منطقة واحدة، بل عبر مساحات بعيدة جغرافيًا ومتصلة استراتيجيًا، القطب الشمالي يمنح السيطرة على طرق التجارة المستقبلية، السودان يمنح حجر أساس في قلب إفريقيا، اليمن وسوريا وإيران يرسمون ميزان القوى في الشرق الأوسط، وكل ملف من هذه الملفات ليس معزولًا عن الآخر بل جزء من تفاوض غير معلن بين القوى الكبرى على شكل النظام الدولي القادم، تتنوع أدوات النفوذ والهدف واحد؛ جندي في جرينلاند، دبلوماسي في الخرطوم، استخبارات في صنعاء، مفاوض على طاولة الملف الإيراني، أقنعة متعددة لنظام واحد، وفي الخلفية، تراقب الصين وروسيا، وتختبران حدود الحركة الأمريكية، وسط كل هذا لا توجد براءة مصالح، فكما يقول المثل المصري "كلٌ يغنّي على ليلاه"، كل قوة ترسم خططها الخاصة في خريطة النفوذ الجديدة.
في زمن تتقلص فيه المسافات بفعل السياسة، لم تعد جرينلاند بعيدة عن الخرطوم، ولا صنعاء معزولة عن واشنطن، العالم صار غرفة واحدة وصالة، وكل خبر فيه باب يصل للآخر.
------------------------------
بقلم: إنچي مطاوع







