نجا من الغَرق طفلا ليُحيي أجيالا من الدارسين وطلاب العلم. هو واحدٌ من الرعيل الأول من مُتعلِّمي قريتنا، حمل مِشعل النور في عتمة السكك ودروب الجهل. تأخرتُ كثيرا في الحديث عنه لأمور منها جهلي بمآثره، رغم أنَّها جمة، وعدم إلمامي بسيرته؛ لأنَّه أستاذ أساتذتي، ولم أتلقَ عليه مباشرة، ولكنّي وقفتُ من سيرته على ما يكفي لكتابة هذا المقال.
تقولُ الرِّوايات إنَّه في طفولته، «نفد بجِلده»من الغرق بترعة الدوار، التي تجري أمام منزلهم، ونُفخت فيه الروحُ من جديد، بعدما كان قاب قوسين أو أدنى من الموت. نشأ في كنف أسرة تعمل بالفلاحة، فتبتلع الأرضُ أفرادها من طلعة الشمس لغطستها؛ ليمارسوا مهام الزرع والقلع، الحرث والري، رشِّ الدودة وجني المحاصيل، ومن لا يروق له هذا العمل الشاق، ينحني ظهرُه على خوص السعف، يصنع ضفائر (قُفف) البضائع، و(غلقان) الحقل، وكلتا الحرفتين أشغال شاقة، وأصحابهما في الهمِّ سواء!
الحاج السيد محمود عزام، ولد عام 1920م، عقب اندلاع ثورة 19 بسنة واحدة، ليُعلن اعتراضه على قسوة الحياة ومرارة العيش، ويسلك طريق العلم بمساعدة أبٍ، قطع من قوته ليطعمه، وتعرى ليستره، وكيف لا وهو قطعة منه؟!
دان الابنُ لأبيه بالفضل، وانطلق دون تباطؤ في طريق العلم، يجتازُ العام تلو الآخر، دون تعثر أو رسوب؛ ليخفف الحمل عن كاهل والده. تخرج في كلية أصول الدين، فانبلج فجر أيامه، وابتلعه حقل التربية والتعليم، وترقّى في درجاته الوظيفية بسرعة السهم، ليصل إلى درجة مدير عام، وهو حلمٌ لم يكن في الخيال، ولكن في تربة الألم، يُولد الأملُ، وفي شدّة الظلام، ينبلج النور، ومن جدَّ وجد، ومن زرع حصد.
رأيتُه في سِنيّه الأخيرة، قصيرَ القامة، لكنه كان أنيقا في ملبسه، حلوا في حديثه، حليما في أشدِّ لحظات الغضب، طيبا في عشرته، سهلا في عريكته.
من طرائفه أنَّه وقف بين تلاميذ المدرسة يوما، وهو المدير المهيب، يتوعَّد طلابه، ويُعدد لهم حروف القسم مُنذرا، فقال: «والله وبالله، وتالله، وأيم الله اللي مش هايذاكر ويعمل الواجب .. هنالك انتظر الطلابُ جواب القسم، يملؤهم الفضول، وتنتفض قلوبهم من شدة الخوف، فإذا به يقول: هاكون زعلان منه خالص»!
وحقا: تمخض الجمل فولد فأرا.
حكى الطبيبُ الأديب رأفت الخولي، أحدُ طلابه المشاكسين أنَّه قال له يوما: «يابا عزام .. الحمارة بتاعتك عالية عليك، مش كنت تجيب واحدة قصيرة»، فانفرط في الكركرة والضحك قائلا: «حابقى أنا والحمارة»! جاء ردُّ الأستاذ المهيب على تلميذه، يحمل معاني الطيبة والبراءة، فلم تحمرّ عينُه، أو تنتفخ أوداجه كحال كثيرٍ من مُدرّسي اليوم، الذين بينهم وبين أصول التربية أميالٌ وأميال !
ذكَّرني ردُّ أبونا عزام ـ رحمه الله ـ على تلميذه المشاكس بقول جميل:
وَأَوَّلُ ما قادَ المَوَدَّةَ بَينَنا / بوادي بَغيضٍ يا بُثَينَ سِبـابُ
وَقُلنا لَها قَولاً فَجاءَت بِمِثلِهِ / لكُلِّ كَلامٍ يا بُثَينَ جَـوابُ
الحاج السيد محمود عزام.. نموذجٌ فذّ في الطيبة والعفوية والبراءة والاحتواء، وهو ما جعله محبوبا من الجميع، خاصة أفرادَ عائلته، وفي هذا عجبٌ جم؛ لأنَّ زامر الحيّ لا يُطرب، أمًَا مع أبونا السيد عزام، فإنّه يُطرِب ويُسلطِن، وهذا ما رأيته بعيني رأسي ـ أي والله ـ .
حدث أن جلستُ مع ابنة ابن عمه يوما، الحاجة (أحلام)، رفيقة زوجتي، هي وابنتُها في رحلة الحج، فأخبرتُها أنني ـ عمّا قريب ـ سأكتبُ عن أبيها بوصفه أحد رواد القرية، فقالت قبل أن تكتب عن أبي لابد أن تكتب عن عمي الحاج السيد محمود عزام، فهو أبٌ لي وللعائلة كلِّها، ولم يكن هذا تفضيلا له على أبيها، ولكنه أدبٌ رباها عليه أبوها، وحقا:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا / على ما كان عوده أبوه
الحاج السيد محمود عزام .. سيرةٌ طيبة، وأثرٌ يُذكر، وأخلاقٌ في الحلم والأناة لا تُبارَى .. رحم الله الفقيد، وبرَّد مضجعه، وبارك في ذريته أجمعين.
------------------------------
بقلم: صبري الموجي
* مدير تحرير الأهرام







