تتحول إطلالات " أحمد رجب شلتوت" على عالم "أسامة أنور عكاشة" إلى مؤشرات عميقة، ليس في فهم تجربته الإبداعية فحسب، بل في الدخول الواعي إلى تلك العوالم وفقا لارتكازاتها الأساسية؛ فما يمنح الدراما التليفزيونية لديه هذا الحضور القوي هي أنها نبتت من رحم هذا المجتمع الذي يعيش فيه، وما منحه هو شخصيا القدرة على التعبير عن هذا المجتمع هو اقترابه اليومي والحياتي من شخصياته التي تعج بها الأماكن الشعبية، وتصبح الناطق الرسمي بحياة وثابة تملأ الأماكن وتشكل أحداثها. والكتابة الأدبية هي الحافظ لتلك الذاكرة الشعبية، والباعث على قراءتها المتجددة في كل حين.
لذا، فإن عودة " أحمد رجب شلتوت" لقراءة إبداع " أسامة أنور عكاشة"، اعتمدت على تلك الجذور التي شكلت ملامح إبداعه، ومنحت قلمه هذه الرهافة في رصد التحولات المجتمعية إبداعيا، وتوثيقها بصريا بما يؤكد نبض الحياة فيها؛ فنجد كتابه " النهار والشجن.. إطلالات على عالم أسامة أنور عكاشة"، يخصص فصلا كاملا عن تلك الجذور التي نبتت منها موهبته في الكتابة، وفي التفاعل مع مجتمعه وحضوره بشكل واعٍ على ساحته، عنون له بعنوان يضع القارئ قريبا من تلك الحياة التي عاشها " أسامة أنور عكاشة" وتبدلاته الحياتية، التي تقترن لديه بتساؤلات كبرى طبعت إبداعه في مساراته المختلفة؛ فنجد فصل " أسامة أنور عكاشة..السيرة والمشروع"، لا يطرح تفاصيل تلك الحياة بشكل نمطي يحيل إلى عام الميلاد وطبيعة الدراسة التي التحق بها، والأماكن وما عايشه فيها، فضلا عن الوظائف التي التحق بها، وإنما يربط كل هذه التفاصيل إلى الملامح الأولى التي شكلت اهتماماته وأسئلته الكبرى، التي حاول من خلال إبداعاته، لا أن يجيب عليها بشكل واضح يقتفي ظاهرها دون الوصول إلى العمق، وإنما يفكك الواقع المرتبط بها، ليصل مع المتلقي إلى فهم واضح لأبعاد الصورة الراهنة، وما آلت إليه الأحداث وفق هذا الفهم للجذور التي ترتبط بها تلك الأحداث.
إن أبلغ ما يمنح قراءة "أحمد رجب شلتوت" لإبداع " أسامة أنور عكاشة" جدارة الاستحقاق في الوصول إلى هدفها، هو مفتاح البداية التي ينطلق منه في الدخول إلى عوالم "عكاشة" الإبداعية، وهو تلك الثنائية التي صاغها في عنوان كتابه الأصل "النهار والشجن"، والذي تعد الجسر الواصل بين إبداعات "أسامة أنور عكاشة" المكتوبة، التي جسدتها مجموعاته القصصية ورواياته ومسرحياته، وإبداع الشاشة لديه، الذي قدم من خلاله روائع الدراما التليفزيونية التي تحتفظ بها الذاكرة الجمعية، والأفلام السينمائية، التي - على قلتها - تتميز بعمق الأثر وثراء الرؤية الفكرية. وقد رأى " أحمد رجب شلتوت" أن هذه الثنائية، هي الأساس الذي تنتظم من خلاله رؤى "أسامة أنور عكاشة" الفكرية، بما تحيل إليه تلك الثنائية من رمزيات تتجلى بوضوح في جملة إبداعاته؛ إذ النهار "رمز للأمل، للحلم الذي عاشته أجيال الخمسينيات والستينيات"، والشجن "رمز للخذلان والانكسار الذي أعقب الهزائم والتحولات". و"شلتوت" يتعقب هذه الثنائية، وتنويعاتها الأخرى من الثنائيات التي تحل متناً في إبداع "أسامة أنور عكاشة"، ليبرز تجلياتها في هذا النتاج الإبداعي الضخم، الذي تتراوح حركته بين الماضي، الذي يحاول "عكاشة" قراءته وإعادة صياغته في أعماله الإبداعية، وحاضر، يقف المبدع على أعتابه، ويلقي عليه أسئلته التي تسعى لاستشراف المستقبل، والتنبؤ بملامح القادم من الأحداث وفقا لهذا التصور الإبداعي.

ولأن الإبداع جسدٌ متصل، فإن قراءة "أحمد رجب شلتوت" في هذا الكتاب، تتحرى جميع الأشكال الإبداعية التي كتبها "أسامة أنور عكاشة"، وتبحث بشكل دؤوب عن تلك المشتركات بينها؛ على صعيد اللغة، التي وإن تنوعت بين لغة مكتوبة، ولغة للصورة، فإن ملامحها وقسماتها واحدة؛ فهي تأخذ من اللغة المحكية، وتمزجها بقوالب أدبية تمنحها خصوصيتها، كما أن اللغة المكتوبة لدى "عكاشة" تمثل "مختبرا" للغة بتنويعاتها، والقصة لديه، مساحة لتجريب أدوات السرد والبحث عن لغة خاصة. والرواية عند "أسامة أنور عكاشة"، هي مساحة أكثر خصوصية للتعبير عن هموم الإنسان المصري والعربي، وهي والقصة أداة إبداعية لفهم المجتمع وتحولاته. الأمر الذي يمكن معه القول: إن الإبداع المكتوب لدى "أسامة أنور عكاشة"، هو نقطة الانطلاق القوية التي منحته تصورات واضحة عن: الشخصية وخصائصها وقدرتها على النمو، والمكان، وتأثيراته كشاهد حي على ما سجلته الأحداث من تحولات، وهذه العناصر جميعا هي الأدوات التي استطاع "أسامة أنور عكاشة" أن يحركها ببراعة على ساحة إبداعه، ليغدو كل شكل من الأشكال الإبداعية التي صاغها بمثابة ملحمة فكرية، استطاع من خلالها أن يوثق لملامح المجتمع المصري في حقب زمنية تنوعت وتيرة الأحداث فيها بين أحلام وانكسارات لا زالت تشكل الواقع، وبالرغم من ذلك، تأتي تلك الأعمال كوثيقة إبداعية تسجل رفضا ناعما للاستسلام والتخاذل أمام لحظات الضعف.
وإذا كان العنوان الرئيسي لكتاب "شلتوت"، يشكل مفتاحا أساسا في قراءة أعمال "أسامة أنور عكاشة" وفق مشتركات تؤسس بقوة للوقوف على المحطات المفصلية في مشروعه الفكري والإبداعي، فإن العناوين الفرعية، التي وضعها "شلتوت" مقترنة بكل عمل إبداعي – مكتوب أو مصور- تشكل هي الأخرى مفاتيحا للفهم الواعي لتلك الأعمال، وتجعل العنوان "أداة تعرفٍ" على طبيعة الأزمة التي يناقشها العمل الإبداعي؛ ففي القسم الأول من كتابه الذي جاء تحت عنوان "أسامة أنور عكاشة روائيا"، تأتي كل رواية من رواياته، لتؤشر بعنوانها، والعنوان الفرعي الذي اختاره "شلتوت" إلى تلك المراحل التي يعبر عنها الكاتب، وما تحمله في جوفها من تساؤلات؛ فرواية "منخفض الهند الموسمي"، التي تبحث عن الهوية في زمن التحول، اختار "شلتوت" أن يكون المدخل الفكري لبحث أزمتها، وما تعكسه من تحولات الواقع هو "احتراق الداخل وحرارة الخارج"، وكذلك فعل مع رواية "وهج الصيف" و"جنة مجنون" و"سوناتا لتشرين" و" شق النهار"، الذي جاءت مقولاته الفكرية المقترنة بتلك العناوين مؤشرات دالة على عمق فهمه وتجاوبه مع النص الإبداعي.
ولا تخلو الإبداعات التليفزيونية والسينمائية، وكذلك المسرحية لدى "أسامة أنور عكاشة"، من تلك المقولات الفكرية التي اختارها مؤلف الكتاب كي تكون مدخلا نافذا لقراءة الرسالة الإبداعية المتجددة التي تسكن في رحم النصوص الإبداعية بتنويعاتها المختلفة، وقد أخذ الكاتب على عاتقه أن يجعل من قراءة كل عمل على حدة تمييزا واضحا لمعالم فرادته وموقعه في عالم الإبداع المصري والعربي، وأيضا موقعه في المراحل التي تؤرخ لإبداع "أسامة أنور عكاشة" وترصد مراحل نضجه. غير أن هذه المحاولة لـ" أحمد رجب شلتوت" في إعادة قراءة إبداع "أسامة أنور عكاشة"، ارتباطا بتلك الضرورة الثقافية التي ترتبط بالواقع الراهن، استطاعت أن تفعل ذلك بشكل جاد، وأن تضيف بعدا توثيقيا مهما لأعماله وارتباطها بمراحل إبداعه الزمنية، وأن تكون ضوءا كاشفا لأبعاد إبداعه المترامية، وهي وإن كانت محاولة، فإنها تحتشد بالكثير من المنطلقات التي يمكن أن تؤسس لمحاولات أخرى، فضلا عن أن العتبة السردية التي حملها العنوان الفرعي واصفا إياها بأنها "إطلالات"، يتحول بنهاية هذا الكتاب إلى بانوراما فكرية مهمة تسعى إلى استعادة وجه مشرق من ابداعنا، يفتقده الواقع الراهن، وتتماهي مع صيحة أطلقها المبدع الدرامي بألا نرفع "الراية البيضاء" مهما بدا الواقع ملتبسا.
----------------------------------
قراءة: د. سميرة أبو طالب






