22 - 03 - 2026

الدولة تدجن معرض الكتاب: من أخطر ساحة ثقافية تثري النقاش الوطني إلى فعالية بلا معنى

الدولة تدجن معرض الكتاب: من أخطر ساحة ثقافية تثري النقاش الوطني إلى فعالية بلا معنى

من منصة هيكل إلى قوائم الأمن.. وهذه هي الأسباب
- نبيل عبد الفتاح: معرض القاهرة للكتاب حاليا نتاج حسابات السلطة والسوق والعصبُ الأدبية والرقمية
- عمار علي حسن: «الرقابة أصبحت معروفة… والمثقفون يستبعدون لأن السلطة لا تحتمل الأصوات المزعجة»
- مصطفى الفقي: من منارة للحوار الحر إلى مناسبة اجتماعية… المعرض يحتاج إلى استعادة دوره الثقافي والفكري

لم يمت معرض القاهرة الدولي للكتاب فجأة، ولم يغلق بقرار.. ولم تعلن الدولة نهاية دوره رسميا، مات أو شارف على الموت ببطء وبهدوء وبطريقة منظمة.. مات حين قررت السلطة أن الثقافة لم تعد مساحة يمكن المخاطرة بها، وأن الكتاب لم يعد أداة وعي.. بل احتمال فوضى، مات حين تحول من ساحة عامة مفتوحة للصدام الفكري.. إلى فعالية منضبطة تدار بمنطق “تقليل الخسائر”، لا توسيع الأسئلة..

السؤال بعد 57 عاما ليس: ماذا قدم المعرض؟ بل: هل خافت الدولة منه؟

لم يكن بريئا أبدا

منذ تأسيسه عام 1969.. لم يكن معرض القاهرة الدولي للكتاب مشروعا ثقافيا بريئا أو محايدا.. الدولة التي أنشأته، عبر ثروت عكاشة لم تفعل ذلك حبا في القراءة المجردة.. بل إيمانا بأن الثقافة سلاح.. في ذلك الوقت كانت الدولة ترى أن السيطرة على المجال العام لا تتم فقط بالقوانين والأجهزة بل بصناعة الوعي نفسه...

لكن الفارق الجوهري أن الدولة وقتها لم تكن تخشى الصدام الفكري.. كانت واثقة من سرديتها وقادرة أو هكذا ظنت  على احتواء الخلاف بدل دفنه.. لذلك ولد المعرض مرتبطا بالسلطة، لكنه لم يكن مؤمما أمنيا... كانت هناك مساحة ولو محسوبة للاختلاف الحقيقي..

المعرض أخطر من الشارع

في السبعينيات والثمانينيات.. تحول المعرض إلى ما يشبه البرلمان الموازي.. قاعات مكتظة ونقاشات حادة وجمهور لا يأتي للتفرج بل للمشاركة.. محمد حسنين هيكل لم يكن ضيف شرف بل صوتا سياسيا يشرح ويفكك ويغضب.. نزار قباني لم يكن شاعرا رومانسيا فقط.. بل رجلا يقول ما لا يقال عن السلطة والهزيمة والمرأة والدولة.. محمود درويش وسميح القاسم حملا القصيدة معنى المقاومة لا الزينة الثقافية....

الأهم أن هؤلاء لم يكونوا “مناسبين”.. كانوا خطرين...

والخطر هنا هو جوهر المسألة..

مناظرات لم تنته بكارثة

حين استضاف المعرض مناظرات الشيخ محمد الغزالي مع فرج فودة.. لم يكن ذلك مجرد حدث ثقافي.. كان اختبارا مباشرا لعلاقة الدولة بالدين.. وبالاختلاف وبحدود المسموح... مناظرات كهذه في سياقها كانت قنابل فكرية.. لكنها خرجت إلى العلن أمام جمهور واسع بلا رقابة مباشرة وبلا محاولة لقتل الفكرة في مهدها....

لم يكن المعرض محايدا.. لكنه كان مساحة صدام حقيقية.

وهذا تحديدا ما جعله حيا...

حين كانت الدولة تحضر… ولا تخنق

كان افتتاح المعرض بحضور رئيس الجمهورية رسالة واضحة الثقافة شأن سياسي.. لم تكن الدولة تختبئ خلف موظفين.. بل تواجه، كان النقاش يدور علنا وكانت الكتب تقرأ سياسيا لا كمنتج ثقافي معزول... في تلك اللحظة كان المعرض يؤدي وظيفة مزدوجة..

– يتيح للدولة عرض سرديتها

– ويتيح لخصومها اختبار تلك السردية علنا.. اليوم، اختفت هذه الثنائية.. لم تعد الدولة تواجه… بل تدير...

التحول لم يكن فجائيا.. لكنه كان منهجيا.. مع تقلص المجال العام.. ومع صعود منطق “الأمن قبل السياسة.. تغيرت نظرة الدولة إلى الثقافة.. لم تعد أداة وعي.. بل احتمال إرباك.. لم يعد المثقف شريكا مزعجا، بل خطرا يجب تحييده... وهنا تغير كل شيء...

من الصدام إلى الإدارة

لم يلغ الجدل بقرار... بل قتل عبر الإدارة، اختيار موضوعات “آمنة”.. اختيار متحدثين “مضمونين”.. و تقديم ندوات بلا أسئلة حقيقية.. وتحويل الثقافة إلى نشاط بروتوكولي...

هذه ليست مصادفة بل سياسة ثقافية غير معلنة...

الضيف المناسب.. المثقف الذي لا يحرج أحدا

في معرض اليوم.. لا يستبعد المثقف لأنه ضعيف بل لأنه قوي أكثر من اللازم.. لأن لديه ما يقوله خارج النص ولأن حضوره قد يجذب جمهورا، والجمهور خطر.. فتحول المثقف من فاعل عام إلى ديكور.. من صوت إلى اسم في برنامج.. من شخص ينتظر كلامه إلى شخص لا فرق بينه وبين غيره.. وهكذا، ماتت الندوة قبل أن تبدأ....

الخطاب السهل يقول إن الناس لم تعد تقرأ... لكن الواقع أكثر قسوة، الناس لم تعد تدعى للنقاش...

الجمهور الذي كان يتدافع لحضور مناظرة أو ندوة سياسية أو فكرية، لم يختف فجأة.. هو ببساطة أدرك أن ما يقدم له الآن بلا مخاطر وبلا أسئلة وبلا معنى... الجمهور لا يهرب من الثقافة… بل يهرب من التفاهة المقنعة باسم الثقافة...

المنع

منع الكتب ودور النشر ليس جديدا على تاريخ المعرض، الجديد هو طبيعته.. في السابق كان المنع حدثا استثنائيا يثير جدلا ويناقش علنا ويكشف حدود السلطة.. اليوم يتم المنع بصمت وضمن منطق “الاختيار”.. لا الحظر...

لم يعد السؤال.. لماذا منع هذا الكتاب؟

بل: لماذا يسمح بهذا النوع فقط من الكتب؟

وهذا أخطر بكثير....

ما جرى لمعرض الكتاب ليس أزمة تنظيم ولا مشكلة ميزانية.. ولا تراجع اهتمام.. هو انعكاس دقيق لتحول الدولة نفسها.. من دولة تخوض صراع الأفكار إلى دولة تخشى الأسئلة..

الثقافة.. في هذا السياق لم تعد ساحة تفاوض بل ملف يجب تحييده.. والمعرض الذي كان أخطر ساحة ثقافية.. تحول إلى حدث لا يزعج أحدا… ولا يهم أحدا...

السؤال الحقيقي ليس إن كان المعرض “انحرف”.. بل إن كان مسموحا له أصلا أن يستمر كما كان... هل يمكن لمعرض كتاب أن يكون حيا في سياق سياسي يخاف من النقاش؟ هل يمكن للثقافة أن تلعب دورها إذا أديرت بمنطق أمني؟

الإجابة غير مريحة...

معرض القاهرة الدولي للكتاب لم يفقد جمهوره ولم يفقد كتبه، بل فقد وظيفته.. لم يعد مساحة عامة، بل واجهة.. لم يعد خطرا، بل مطمئنا. ولم تعد الثقافة فيه سؤالا.. بل عرضا..

والمشكلة ليست في المعرض وحده، بل في دولة قررت في لحظة ما أن الكتاب أخطر مما ينبغي…

عمار علي حسن: مساحة باردة

الأديب والمفكر د. عمار علي حسن يقدم قراءة قاسية لتحولات معرض القاهرة الدولي للكتاب، رافضا توصيفه كـ«مساحة آمنة»، ومعتبرا أن ما جرى أخطر من ذلك بكثير...

«هو لم يتحول إلى مساحة آمنة بل إلى مساحة باردة متكلسة مفلسة راكدة، لأن من قبل كانت الدولة وكان القائمون على المعرض لا يتعاملون معه باعتباره مجرد سوق للكتب، إنما هو مكان يصنع فرصا لمناقشة قضايا مهمة تشغل الجمهور وتشغل الرأي العام وتعرض رأي وموقف المثقفين من القضايا التي يمر بها مجتمعهم»..

ويرى عمار أن التراجع لم يكن صدفة، بل نتيجة مسار طويل بدأ مع القلق من دور المثقفين، وتهميشهم، ثم استقطاب بعضهم ليصبحوا مجرد أبواق للسلطة، وهو ما انعكس تدريجيا على المعرض نفسه...

«مع تراجع دور المثقفين والقلق منهم وتهميشهم واستقطاب بعضهم ليصبحوا مجرد أبواق للسلطة، كان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على المعرض، أن هذا الدور يتم خفضه تدريجيا إلى أن يموت، وأحد مظاهر هذا الموت هو خلو المعرض من مناقشة قضايا الناس»..

ويؤكد أن هذا التحول لم يكن نابعا من تغير طبيعي في دور المثقف، بل نتيجة تدبير سياسي وأمني واضح...

«هذا التحول بالقطع كان بتدبير من أعلى.. من الطبيعي أن المثقف يريد لدوره أن يستمر ويريد أن يكون فاعلا اجتماعيا ويشتبك مع قضايا مجتمعه، لكن السياق السياسي والأمني لا يسمح بذلك، لذلك حدث هذا التحول من معرض كان شعلة نشاط ثقافي إلى مجرد سوق للكتب»..

ويربط عمار بين هذا التحول وتراجع صورة المثقف في المجتمع، بعد أن فقد مكانته كصوت عام معبر عن هموم الناس...

«قطعا هذا أثر تأثيرا كبيرا جدا على دور المثقف وعلى مهمته وعلى صورته وإدراك المجتمع العام له. الآن.. المثقف في الغالب العام لا يحظى باحترام، تحول إلى مجرد رجل محترف الكتابة ومحترف الخطابة أو محترف التعبير، لكن ليس ذلك المثقف الذي إذا نطق نطق بهموم المجتمع»...

وفيما يتعلق بالرقابة، يرى عمار أن المنع لم يعد فقط قرارا مباشرا، بل منظومة كاملة تبدأ من النشر نفسه...

«الرقابة على الكتب أصبحت شيئا معروفا، وأصبحت ظاهرة تبدأ من سعي دور النشر إلى الحصول على رقم إيداع، وصولا إلى صدور الكتاب والنظر إليه من قبل السلطة العامة، حتى عرضه في معرض الكتاب لا يعني بالضرورة أنه قد بات محميا من المصادرة أو من الاستبعاد الصامت أحيانا»..

ويشير إلى أن الرقابة الأخطر لم تعد خارجية فقط، بل تسللت إلى وعي الكتاب أنفسهم...

«الرقابة هبطت أكثر من ذلك إلى أقلام الكتاب أنفسهم، يعني الأغلبية تراعي إذا جلست للكتابة كل هذه المشكلات التي يمكن أن يسببها لهم مقال أو قصة أو رواية أو كتاب نتيجة ضيق حرية التعبير إلى أدنى حد والنظر بارتياب إلى الثقافة»....

ويكشف عمار عن استبعاده الشخصي من المعرض منذ تسع سنوات، معتبرا أن ذلك جزء من سياسة أوسع لإخراج الأصوات المزعجة من المجال العام..

«أنا مستبعد من المعرض منذ تسع سنوات.. والسلطة السياسية حريصة على عدم وجود الأصوات التي قد تسبب لها نوعا من الإزعاج ولديها قبول جماهيري أو مشتبكة مع القضايا العامة.. ولذلك كل من يحمل هذه الصفات يستبعد إلى حد كبير من المعرض»...

ويؤكد أن هذا الإقصاء يتم بهدوء، دون صدام علني...

«الدولة تخرج هذه الأصوات من المشهد تدريجيا وتريد أن تخرسها، فلا تدعى لندوات ولا مؤتمرات ولا ورش عمل ولا تشارك في الأنشطة العامة، والمعرض أحد منابرها»...

ويرى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا في كسر هذه العزلة... «لولا وسائل التواصل الاجتماعي لصار الإبعاد قاسيا جدا… وسائل التواصل الاجتماعي وفرت إلى حد كبير نوافذ ليطل منها هؤلاء على الجمهور العام»...

ويعتبر أن أخطر أشكال الرقابة هي الرقابة الناعمة المتحايلة.. «الرقابة المتحايلة أكثر قسوة وأمضى أثرا من الرقابة الصريحة… لأنها تصل إلى أهدافها دون أن تصير قضية عامة أو تصنع تكتلا من قبل المثقفين ضدها»...

ويختتم عمار شهادته بوصف مؤلم لتحول المعرض من حدث يشتبك معه المجتمع كله إلى فعالية تدار في الظل.

«المعرض كان فرصة سانحة على مدار سنوات طويلة لتلاقي المثقفين… وكان يتحول في حقيقة الأمر إلى أيام يشتبك فيها المجتمع المصري كله حول الثقافة.. الآن المعرض يجرى في أجواء من التكتم والسرية وكأنه فضيحة… ازداد جمالا من ناحية الشكل لكنه فقد الكثير من روحه ومضمونه ومهمته ودوره»...

د. مصطفى الفقي: كان متنفسا

عن تحولات معرض القاهرة الدولي للكتاب قال المفكر السياسي د. مصطفى الفقي:

أرتبطت علاقتي بمعرض القاهرة الدولي للكتاب منذ كنت سكرتيرًا لرئيس الجمهورية للمعلومات في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وشعرت دائمًا أن المعرض كان يمثل متنفسًا لأصحاب الرؤى والأفكار في مواجهة ما يدور حولنا إقليميًا ودوليًا. وقد أسهمت ندوات مع الكتاب التي كنت أحد المشاركين فيها بقوة، من خلال لقاء فكري سنوي، على استحضار الرؤية الشاملة للمستقبل عبر الحوار الفكري بين المثقفين الكبار، مصريين وعربًا، والرغبة الدائمة في الحضور الحقيقي أمام زائر المعرض من كل مكان...

وعلق مصطفى الفقي قائلاً: «لكنني لاحظت في السنوات الأخيرة أن الأمر قد اختلف، وأصبح شراء الكتب أو اقتناؤها محدودًا، وأصبح المعرض مناسبة اجتماعية أكثر منها ثقافية، وتدور المشتريات حول بعض السلع التي لا علاقة لها بالثقافة والفكر. وأيقنت حينها أننا بحاجة إلى مراجعة حقيقية لدور المعرض حتى يعود إلى أصله ويقترب من الأسباب التي أدت إلى قيامه.. المثقفون لا يرتادون المعرض في الغالب، فالمعرض قاصر على السيدات والأطفال والأسر التي تخرج في نزهة يومية، والتجمع البشري اللطيف، لكن لا يوجد دافع حقيقي لإثراء المعرض وتأكيد قيمته من خلال الكتب الجديدة والأفكار المتعددة، رغم أن الدولة حاولت إيجاد بدائل من خلال الموقع الذي نقل عدة مرات. أنا أذهب الآن إلى موقع المعرض في ثالث موقع يشهده منذ بدايته، التي أعرفها شخصيًا، وبالتالي الدولة تحاول توفير المناخ الذي يؤدي لتحقيق هذا الهدف، لكنه لا يتحقق بالكامل».

وأضاف: «نأمل أن يكون معرض الكتاب مثل معارض كبرى في العالم، مثل معرض فرانكفورت، بندواته الكبيرة، وحواراته الحرة، وأفكاره الجديدة، حتى يصبح كما كان الهدف من إنشائه: منارة أو مركز إبداع.. إذا كانت الحاجة أم الاختراع، فإن الحرية هي أم الإبداع، وكان المعرض يوفر أحيانًا مساحة من الحرية لا بأس بها، نرجو لها أن تزدهر وتنتعش وتزداد».

واستطرد الفقي موضحًا: «الرئيس مبارك كان يشجعني شخصيًا ويطلب مني الذهاب إلى ندواتي في المعرض سنويًا، ويلتقي شخصيًا بكبار الكتاب والمفكرين مثل أنيس منصور ومحمد سيد أحمد ولطفي الخولي وغيرهم، في حوار حر ومفتوح في موقع المعرض ومكانه. كانت هناك حتى طرائف ونوادر كثيرة أحتفظ بها من هذه اللقاءات المفتوحة. كان المعرض متنفسًا، ويعطي مساحة للحرية قد لا تكون مسموحا بها في باقي منتديات الدولة، لكنه كان يعتبر شيئًا له خصوصية في هذا النحو».

وقال أيضًا: «دور المثقف والجمهور مع الدولة مهم. الدولة تريد مثقفا واعيا يشارك في البناء، والرئيس يؤكد على مفهوم الوعي: فكرة الوعي، الوعي بالأشياء، الوعي بفهم التاريخ، الوعي بالدور الثقافي. لكن الأجيال الجديدة انصرفت عنها، وساهم في هذا التقدم التكنولوجي في السوشيال ميديا، التي اختطفت جزءا مهما من المساحة التي كانت متاحة للمعرض في عقل الشباب بالذات... المسألة اختلفت اختلافا كبيرا، ولا بد أن تعود الأمور إلى نصابها، بالتأكيد على الثقافة الفردية والاهتمام بقضايا النشر وتخفيض سعر الكتاب، فهناك عوامل كثيرة يجب مناقشتها»...

نبيل عبدالفتاح: رهاب خوف السلطة

عن الجدل الدائر حول ما إذا كان معرض القاهرة الدولي للكتاب قد شكل في مرحلة من تاريخه ساحة صدام فكري حقيقي، أم أن صورة الماضي يجري تضخيمها اليوم.. قال الباحث والكاتب الصحفي د. نبيل عبد الفتاح إن معرض القاهرة للكتاب منذ نشأته هو أحد الأشكال المستعارة من التقاليد الغربية، وجزء مناهتمام الدولة بالثقافة في مصر، ضمن ظاهرة تسليع الثقافة وفق المعنى السوسيولوجي في سياقات تطور الرأسمالية الغربية، وذلك احتفاءً بالإنتاج الفكري والإبداعي في عديد مجالات العلوم الاجتماعية مثل الفلسفة والاجتماع والقانون والأدب إلى آخره.. وهي ظاهرة باتت جزءا لا يتجزأ من منطق ، وقوانين السوق الرأسمالي، بما فيه السينما والصحافة، وتداخلهما مع شركات العلاقات العامة في الولايات المتحدة، ثم تمدد ذلك إلى أوروبا.. السوق الثقافي والسلع الثقافية - وفق السوسيولوجيا الفرنسية وغيرها - هي جزء من طبيعة النظام الرأسمالي لترويج الإنتاج الثقافي والفني وذلك كي تلقي ذيوعاً ورواجًا، مع بعض التراجع النسبي في ظل سياقات انفجار الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي، إلا أن ذلك لا يعني أنها معارض في مجتمعات  الثقافة فيها بالغة الأهمية من قطاعات واسعة من مواطنيها ،، وتشكل الجماعات القرائية قوة مؤثرة علي سوق النشر علي تعددها، واختلاف ميولها وذائقاتها القرائية وتفضيلاتها المتعددة.

وأضاف أن الثقافة جزء لا يتجزأ من تفاصيل أنماط الحياة في المجتمعات الأكثر تقدما، وأيضا في بلدان أخرى في آسيا ومنها اليابان والهند والصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة .. واستمدادنا فكرة معرض الكتاب من التقاليد الأوروبية والأمريكية إيجابي تماما، وتم تحقيق إنجازات كبيرة من خلال معارض الكتب في مصر منذ نشأتها وربما حتى نهاية عصر مبارك وما بعده إلا قليلا. يمكن القول إن نظام المعرض الكتابي الغربي كان ولا يزال في إطار نظم ليبرالية تمثيلية تكرست فيها حرية الفكر والعقل النقدي والرأي والبحث وحرية الضمير والتدين والاعتقاد والتعبير، وبالتالي أثر ذلك تأثيرا كبيرًا في حيوية معارض الكتب الكبرى بل وغيرها في هذه المجتمعات الأكثر تقدما..

وأوضح أن الوضع في بلادنا مختلف لأن معارض الكتب هي جزء من سياقات تغيرات نظام يوليو  1952، خاصة في عهدي السادات ومبارك، التي كانت محاطة ببعض من رهابُ الخوف من جانب السلطة السياسية الحاكمة ولا تزال تجاه الفكر النقدي الحر، والاراء والكتب التي تحاول تجاوز التابوهات السائدة وذلك من حيث تحديد التنظيم موضوعات المعرض السنوية لاسيما السياسية وخطوطها الحمراء. لاشك أن ذلك له اثره علي تنظيم الندوات والموضوعات والشخصيات التي يتم دعوتها، وفي بعض الأحيان كان يتم منع بعض الأفكار أو حجبها على الأقل، ثم الشخصيات الفكرية البارزة المدعوة إلى مثل هذه الندوات في المراحل الأولى من المعرض.. وأيضا في ظل عصر مبارك، لاسيما في نهايته حيث طرحت قضايا بالغة الأهمية وتمت دعوة بعض الشخصيات المصرية والعربية البارزة.

وأشار إلى أنه من الملاحظ حتى في المجتمعات المتخلفة أن الرقابة على الأفكار والكتب تكسب مثل هذه الأفكار المحجوبة قوة وذيوعا، وهذا درس هام من تاريخ الأنظمة الرقابية في عالمنا، ويزداد العالم انكشافًا الآن مع الثورة الرقمية التي تؤدي سلبا إلى دفع بعض الأفراد الرقميين أو الجماعات إلى نشر الأخبار الكاذبة والأفكار السطحية.. وبالنسبة لنا في عصر مبارك، وفي ظل الركود والجمود السياسي، تم فتح المجال نسبيا أمام بعض من حرية الكلام والكتابة، وذلك لتخفيض الغليان والغضب السياسي، وكان ذلك منعكسا على قضايا الكتابة في الصحف القومية وفي الكتب، وتزايد نسبيا في الصحف المعارضة وفي بعض سياسات النشر في هيئات وزارة الثقافة، ومن ثم انعكس ذلك إيجابيا على ندوات معرض الكتاب، وخاصة نوعية القضايا التي تم طرحها في المقهى الثقافي على سبيل المثال أيام سمير سرحان رغم انتقادات المثقفين له، وفي الندوات العامة والشخصيات التي كان يتم دعوتها في هذا الإطار.

وقال نبيل عبدالفتاح: في تقديري لم يكن هناك صدام فكري، وإنما جدل من أطراف سياسية ودينية مختلفة تحت مفهوم الحوار الذي تحول إلي سجالات عارمة، وأيضا لأن الواقع كان يشهدها، ولا بأس في ذلك في ظل محاولات، أو سياسة تخفيض الغضب الاجتماعي والسياسي.

وأضاف أن ظاهرة تضخيم صورة الماضي هي جزء من مشاكل العقل العام مصريًا، بل وعقل من يطلق عليهم مجازًا المثقفين،- والاستثناءات محدودة - ، وهو إضفاء  بعض من النزعة الأيقونية على بعض المفكرين والمبدعين المصريين، وذلك استلهامًا للمرحلة شبه الليبرالية وغيرها في ظل الناصرية. بعض من هذه النزعة الأيقونية والتمجيدية للماضي تعود إلى تمجيد النزعة القومية المصرية، وهي جزء من تقاليد التمركز حول الذات القومية واستعلائها على بعض دول المنطقة قبل وبعد الاستقلال الوطني عن الاستعمار الغربي، وترجع أيضا إلى تصورات الأجيال الأكبر سنًا عن زمانهم ونمط حياتهم في مقارنة مع الأجيال الشابة بعدهم، وما كان يطلق عليه في اللغة الشائعة «حلاوة زمان» و«الزمان الجميل» من منظور هذه الأجيال، وهي دلالة على بعض من العقل النقلي العام وتواري العقل النقدي في المجال العام والحياة الثقافية.

وأكد أن من الملاحظ أيضا تزايد نزعة تضخيم الماضي وتحولها إلى مرض اجتماعي وفكري، وتتفاقم في ظل أزمات ممتدة، ويصبح تضخيم الماضي أيًا كانت مراحله بمثابة ملجأ لخلق حالة من التوازن السوسيو نفسي في مواجهة أزمات الحاضر. بعضهم يلجأ إلى تضخيم الماضي كأداة للنقد السياسي في كل مرحلة لا يجدون فيها مجالا للنقد والتعبير عما يجري أمامهم وحولهم من سياسات. نعم، هناك بعض من التفكير الأيقوني والمؤسطر لماضي معرض الكتاب وقضاياه وأشخاصه، لكن ليس معنى ذلك أن هذا الماضي صالح، وأيقوناته المؤسطرة  صالحة لعالم جديد ومختلف وفي طور التحول، ونحن بعيدون عنه ، وآخرون أيضًا في هذه المنطقة من العالم.

وعن المناظرات مثل الغزالي وفرج فودة، قال إن المناظرات، والأحرى السجالات، جاءت من أعطاف تقديرات بعضُ دوائر السلطة السياسية ولم تكن خارجة عنها، ولأسباب سياسية محضة... المراقبة هي فعل الأجهزة المختصة في سياق تقديراتها للحدث ذاته، فهي رقابة بعدية، ومن ثم يتم في عديد الأحيان الخلط بين المراقبة والسيطرة على الفعل الثقافي، وذلك ناتج عن أحداث انتفاضة يناير الشعبية الكبرى في 25 يناير2011 ، وما بعدها، في ظل حكم جماعة الإخوان والسلفيين وما بعدهم، نظرًا لتقديرات ذات طبيعة سياسية.    

وأضاف أن بعض هذه التغيرات تعود إلى حلول عقل أيضا وزاري، ربما يكون مختلفًا عن الأجيال السابقة ذات الخبرات السياسية وقدرتها على التعامل مع القضايا السجالية الساخنة في الواقع المصري، وأيضا على احتواء أي آثار لها ذات طابع سياسي وأمني. مرجع ذلك أيضًا أن العقل الثقافي لبعض وزراء الثقافة يميل إلى الحذر الشديد وبعض من الخوف من انعكاسات الجدل والسجال الحر على مواقعهم الوزارية أو البيروقراطية، وهي سياسة رهابُ الخوف والحذر، تجعل أي انفتاح على الآراء الأخرى التي تسود المجتمع، سواء  على المستوى الفعلي أو على مستوى الحياة الرقمية يمثل خطرا علي مواقع بعضهم الوزارية..

وقال إن مسؤولية اختيار شخصيات المعرض والضيوف والموضوعات هي من اختيارات تشكيلات أعضاء الهيئة العليا للمعرض التي يشكلها الوزراء، ونظرًا لخلفيات تكوين وخبرات بعضهم واختياراتهم لرؤساء هيئة الكتاب، غالبًا ما يميلون إلى اختيارات آمنة سياسيًا لهم حتى لا تكون سببا في «رفدهم» في أول تعديل وزاري.. اختيارات الأسماء تميل إلى شخصيات بعضها مهم، وهم قلة قليلة بعد يناير، أو لعلاقات مع بيروقراطيات الأجهزة الثقافية في دول النفط العربية، أو لحدود معرفة الوزراء ورؤساء الهيئة المتعاقبين بأهم رموز الفكر والإبداع العربي، خاصة أن غالبهم جاء من بعض كليات، الآداب في الجامعات المصرية، وتفضيلاتهم للأدباء والأديبات وعلي  اختياراتهم لبعض من كبار المفكرين، وخاصة من المنطقة المغاربية ونسيان مفكري وأدباء السودان واليمن  .. الخ .

وأضاف أن تراجع حضور الجمهور للندوات يعود إلى أنه رغم أن أكثر من خمسة ملايين زاروا المعرض العام الماضي وفق هيئة الكتاب، إلا أنه لا توجد دراسات سوسيو ثقافية  حول جمهور المعرض عموما، ومستويات تعليمهم، ومن أي الفئات الاجتماعية، وما هي اختياراتهم من الكتب ومجالاتها، وتفضيلاتهم للموضوعات والمجالات، وأيضًا رأيهم في الموضوعات النقاشية وأشخاصها، وفي التنظيم، وهي مهمة يفترض أن تقوم بها أحد أجهزة الوزارة أو جهة بحثية مختصة تكلفها القيام بها.

وأشار إلى وجود تغيرات مختلفة في الحوافز المحركة للجمهور وانتمائه الاجتماعي في الذهاب للمعرض، خاصة بعد نقله من موقعه القديم بأرض المعارض، وارتفاع أسعار الكتب، وأيضًا أسعار الخدمات التي يقدمها القطاع الخاص.. جزء من الجمهور يذهب مع أولاده كنمط من التنزه، وبعضهم من أثرياء وأبناء الطبقة الوسطى العليا والوسطى الوسطى ومن سكان الكومباوندات، ويذهبون بالعربات الخاصة أو عربات الأجرة وشركاتها، ولديهم القدرة الشرائية على الاستهلاك أو شراء بعض الكتب والروايات والمجموعات القصصية.

وأوضح أن جمهور الندوات تضاءل كثيرا جدا في المعارض الماضية، لأن الموضوعات ليست حيوية، أو لأن جزءًا من الجمهور يستغل قاعات الندوات للراحة، أو لأن الندوات وموضوعاتها لا تناسب اهتماماته.. ومن هنا بات حضور الندوات، لا سيما حول الروايات والقصص، مقتصرًا على الكتاب والكاتبات وبعض ذويهم وأصدقائهم ومن بعض متابعيهم، وبات مع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي صورة الكاتبة والكاتب مع أصدقائه وأسرته، والمناقشين أهم من النقاش النقدي حول كتبهم.

وأضاف أن الموضوعات باتت نمطية ومتراجعة إذا ما قورنت بندوات معارض تونس والمغرب، أو لبنان، أو أربيل وبغداد.

واختتم بالقول إن الأثر الحقيقي لأي معرض كتاب هو تفاعل قطاعات من الجمهور حول قضاياه وكتبه وشراء بعضها، وفق اهتماماته ومجاله، مشيرًا إلى أنه يلاحظ جليا كيف أثرت الثورة الرقمية والكتاب الرقمي على الورقي، والندوات على الساحة الرقمية، والبودكاست على عيون جموع المهتمين بالثقافة على وسائل التواصل الاجتماعي من بعض جيل واي وزد، وستتراجع من ثم بعض الاهتمامات بالمعارض والندوات على الواقع الفعلي مع جيل ألفا ثم بيتا في المستقبل القريب والمتوسط، في ظل التمدد فائق السرعة للذكاء الاصطناعي التوليدي...

خاتمة

في النهاية، ما جرى لمعرض القاهرة الدولي للكتاب ليس مجرد تراجع تنظيمي أو تغيير في موقع أو جمهور، بل هو انعكاس دقيق لتحول الدولة نفسها وللعلاقة بين السلطة والثقافة والمثقف.. ما كان يوما مساحة حية للنقاش والصراع الفكري، صار فعالية منظمة، بلا مخاطرة، بلا سؤال، وبلا جمهور حقيقي يشارك... المعرض الذي شهد مناظرات جريئة وأصواتا قوية، أصبح اليوم واجهة مطمئنة، تعرض الكتب وتباع بلا روح، وتغيب فيها وظيفة الثقافة الحقيقية: إثارة الفكر، طرح الأسئلة، وصناعة وعي...

ولذلك، قراءة التاريخ والنقد الذي يقدمه المثقفون مثل عمار علي حسن، مصطفى الفقي، ونبيل عبد الفتاح، لا تكشف فقط عن ماضي مضى، بل تدعونا للتفكير فيما إذا كان ممكن إعادة الحياة لهذا المعرض، واستعادة دوره كمكان للنقاش الحر، ومساحة للمثقف والجمهور على حد سواء، حيث تطرح الأفكار وتختبر وتناقش، بعيدا عن أي قيود تمنعها من أن تكون ثقافة حقيقية، لا مجرد عرض بلا معنى
--------------------------------
تحقيق: مادونا شوقي

من المشهد الأسبوعية

معرض الكتاب يفقد بريقه