لا يكون الضحك دائمًا بريئًا، ولا الكوميديا مجرد لهوٍ على خشبة المسرح.
في بعض اللحظات، يضحك المسرح ليكشف ما يُخفى، ويسخر ليقوّض ما يبدو راسخًا.
من هذا المدخل المراوغ، يأتي كتاب "ثلاث مسرحيات" للكاتبة الإنجليزية أفرا بِن وترجمة وتقديم إيزابيل كمال، أحد أكثر الأصوات جرأة في تاريخ المسرح الغربي، في إصدار جديد يقدّمه المركز القومي للترجمة برئاسة الدكتورة رشا صالح، ضمن مشاركته المتميزة في الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، التي تنطلق فعالياتها اليوم الموافق ٢١ يناير وتستمر حتى ٣ فبراير ٢٠٢٦.
يضم الكتاب ثلاث مسرحيات تُعد من أبرز الأعمال الكوميدية التي حققت شهرة واسعة في عصر الاسترداد، وتكشف بذكاء لافت قدرة أفرا بِن على نقد المجتمع الأرستقراطي عبر كوميديا اجتماعية نابضة بالحيوية والمرح.
في مسرحية "الغندور (سير تيموثي تودري)" تتجسد مأساة الزواج القسري في قالب ساخر، حيث تُجبر سيلندا على الزواج من سير تيموثي رغم حبها لبيلمور، قبل أن تنتهي الأحداث بعودة الحبيبين لبعضهما بعد حصول بيلمور على الطلاق.
أما مسرحية "الكونت المزيف" فهي عمل هزلي قائم على خدعة ماكرة، يتنكر فيها منظف مداخن يُدعى جيليام في هيئة كونت غريب الأطوار، ليتيح للعاشق دون كارلوس التسلل إلى بيت حبيبته جوليا متنكرًا في زي خادمه، في لعبة أقنعة تكشف زيف العلاقات الاجتماعية والرغبة في الانتقام ممن خدعوه.
وتأتي مسرحية "فرصة سعيدة (صفقة عضو البلدية)" لتتناول قصة الليدي فولبانك التي اضطرت للزواج من رجل ثري مُسن، في إطار كوميدي جريء يتضمن تفاصيل ساخرة حول نقل عشيقها جايمان إلى غرفة نومها متنكرًا في ملابس الشيطان، وهي المسرحية التي حققت نجاحًا جماهيريًا كبيرًا واستقبلها الجمهور بحفاوة لافتة.
تمثل هذه النصوص مدخلًا مهمًا إلى عالم أفرا بِن (1640–1689)، إحدى رائدات الكتابة المهنية في الأدب الإنجليزي، وصوتًا مبكرًا في نقد الأرستقراطية والسلطة الاجتماعية، واسمًا استعاد حضوره المعاصر بوصفه من البدايات المؤسسة للكتابة النسوية في المسرح والأدب.
في "ثلاث مسرحيات"، لا تتخفّى الشخصيات لتخدع الآخرين فقط،
بل لتكشف العالم وهو يعيد إنتاج أوهامه.
هنا، يصبح الضحك معرفة، وتغدو الكوميديا شكلًا رفيعًا من أشكال التفكير، ويُعيد إلى المسرح وظيفته الأولى:
أن يقول ما لا يُقال،
وأن يضع الإنسان، بهدوءٍ وعمق،
أمام صورته الأكثر صدقًا.






