10 - 03 - 2026

لم يصل أحد: قراءة في رواية «ليلة صنع الله» لفؤاد مرسي

لم يصل أحد: قراءة في رواية «ليلة صنع الله» لفؤاد مرسي

 تبدو رواية "ليلة صنع الله" للمبدع فؤاد مرسي، منذ صفحاتها الأولى، وكأنها تعرف جيدًا ما تحكيه، لكنها تتعمد ألا تقوله صراحة، فالحدث حاضر بوضوح، ومع ذلك يظل بلا اسم. الأشخاص يتحركون بلا هويات كاملة، والأماكن دون لافتات، والزمن محدد بالإحالة وليس بالتصريح. ليست هذه مراوغة لغوية، بقدر ما هي اختيار جمالي واعٍ، فالرواية تعمدت ألا تحكي ما حدث، بقدر ما ترصد أثره في وعي الذين وصلوا متأخرين أو الذين لم يصلوا أصلًا.

هكذا، تضعنا الرواية منذ البداية، أمام السؤال: ماذا يعني أن تكون شاهدًا لا مشاركًا؟ وماذا يعني أن يتشكل وعيك باللحظة التاريخية من خلاله؟ هذا السؤال هو الذي يحكم بنية النص، ويمنحه نبرته القلقة والمترددة.

 رحلة لا تكتمل

تقوم الرواية القصيرة على حركة واحدة أساسية، الذهاب دون الوصول. منذ السطر الأول، يبدأ السارد رحلةً إلى «هناك»، رحلة جسدية في سيارة أجرة جماعية، ورحلة نفسية في الذاكرة والوعي والخوف والرغبة، هذه الرحلة، على امتداد النص، لا تكتمل أبدًا. السيارة تتعطل، تنقلب، يتفرق الركاب، يُنقل السارد إلى المستشفى، ويظل الوصول مؤجلًا حتى النهاية. هذه البنية ليست تقنية سردية فقط، بل هي جوهر المعنى الذي تبنيه الرواية.

منذ بداية الرحلة نلاحظ أن جميع الركاب ينصاعون لأوامر السائق، وحده السارد يبدي ترددًا، يسأل، يعترض في داخله على المسارات الجانبية، على الابتزاز، على الانحراف عن الطريق. لكن اعتراضه لا يتحول إلى فعل. وحين تتعطل السيارة، يتفرق الركاب واحدًا تلو الآخر، يختفون، ولا يبقى سوى السارد. هذه الصورة البسيطة تلخص منطق الرواية كله، الجماعة تمضي حين يكون الطريق واضحًا، لكنها تتبدد عند أول عطب، ولا يبقى إلا الفرد وحيرته. والسائق هنا ليس مجرد شخصية عابرة، بل صورة مكثفة للسلطة، للقيادة الغامضة، للمسار المفروض قسرا، بينما الركاب يمثلون الامتثال المؤقت، فحضورهم مشروط بالسلامة.

 الحركة بالصدفة 

في قلب "ليلة صنع الله" تقيم فكرة واحدة يمكن اعتبارها مفتاح القراءة، الحركة بالصدفة. لا تبدأ الرواية بنداء عام، ولا بمشهد احتشاد، بل بخروج ملهوف إلى الشارع بحثًا عن علبة سجائر من نوع «بلمونت». حركة عادية، يومية، تكاد تكون بلا معنى. لكن المفارقة أن هذه الحركة الصغيرة تفتح باب الرواية كله. لا يجد السجائر، ويجد الشوارع هادئة على غير المتوقع. هنا يتسلل الإحساس الأول بالخلل بوصفه فراغًا، في هذه اللحظة تحديدا، يستدعي السارد جسده، يتذكر أنه امتنع عن التدخين منذ أصيب بالجلطة. كأن الجسد كان قد اتخذ قراره بالانسحاب قبل أن يفهم العقل ما الذي يحدث. المرض هنا عنصرًا دلاليًا أساسيًا، وعي مريض، متردد، هش، يحاول اللحاق بإيقاع حدث أكبر منه.

والخروج الثاني أيضا كذلك، يخرج الراوي للحصول على طبق لاقط وريسيفر، ويقضي الراوي النهار كله في مطاردة الصورة، وليس الفعل. فالشاشة هي الوسيط بينه وبين ما يحدث. وحين تبدأ الصور في التدفق «في ليونة»، لا تبدو كأخبار عاجلة، بل كقوة خفية تشق مجرى جديدًا في نهر كان يبدو ميتًا. المعرفة هنا لا تأتي عبر المشاركة، بل عبر المصادفة، ومن موقع المتفرج. وهنا بالضبط تتكون لحظة القرار، الذهاب إلى هناك. قرار من عرف بعد فوات أوانه بقليل ربما لذلك لم يصل إلى هناك.

يتأكد منطق الصدفة كذلك حين يجلس الراوي في السيارة إلى جوار كاتب شاب لا يعرفه، يكتب رواية تبدأ بسعار البحث  في القرية عن كنوز مطمورة. لقاء عابر، لكنه ليس بريئًا. المريض الذي خرج مدفوعًا بصورة متأخرة، يجلس إلى جوار من يرصد هوس الجماعة، أيضا بوصفه مشاركًا، بل بوصفه كاتبًا. 

وهنا نلاحظ أن السارد يذكر، بإيجاز لافت، سلسلة من حلقات مراوغته بالصدفة للموت: جلطة، حادث طفولة، انقلاب سيارة. يبدو وكأنه نجا أكثر مما ينبغي، أو تأخر موته أكثر مما يلزم. هذه النجاة المتكررة لا تمنحه طمأنينة، بل تزيد شعوره بالثقل. كأن الحياة منحته وقتًا إضافيًا، لكنه لا يعرف كيف يستخدمه.

أما استدعاء حكايات البحث عن الكنوز في قرية السارد فليس تفصيلًا عابرا. القرية التي ينشغل أهلها بالحفر بحثًا عن ذهب مطمور، ولا يجد معظمهم شيئًا، تعيد إنتاج المنطق نفسه: وهم الخلاص السريع، والرغبة في ضربة حظ تغيّر المصير. أغلبهم لا يجد شيئًا، وبعضهم يقترب من الهلاك.

هنا ترصد الرواية وعيين متجاورين، وعي هش يتحرك بتردد، ووعي آخر يحاول أن يفهم الجنون الجمعي من خلال السرد. كلاهما، في الحقيقة، في الموقع نفسه، موقع المراقب، وليس الفاعل، الصّدفة هنا لا تعمل كأداة سردية لتسيير الحدث، بل كمنطق شامل للحركة. فلا أحد يعرف إلى أين يمضي، والسيارة تتحرك، مثل الشخصيات، في طريق نهايته مجهولة.

الطاعة والاختفاء

في مشهد السيارة، ينصاع جميع الركاب لأوامر السائق، باستثناء الراوي. وعندما تتعطل السيارة، يتفرقون ويختفون، ولا يبقى سواه. الدلالة هنا مباشرة ومؤلمة: الجماعة التي تتحرك بالأوامر لا تصمد عند أول عطل. أما الفرد الذي لم ينسجم تمامًا، الذي ظل مترددًا، فهو الوحيد الذي يبقى، ليس لأنه الأقوى، بل لأنه أكثرهم عزلة.

يتسق كل ذلك مع اختيار لافت، السارد بلا اسم،  وكذلك الكاتب ومعظم الشخصيات بلا أسماء. الاسم لا يظهر إلا عبر وسيط آخر، الكاتب الشاب المنتحر، وصديقه طلبة الذي يتبادل معه الرسائل. وحدهما يذكران اسمَي صنع الله وعبد المجيد. الاسم هنا يُمنح لمن خرج من الحدث، كأن الرواية تقول إن الهوية لا تكتمل إلا بعد الانسحاب، أو بعد الموت. من بقي في اللحظة ظل بلا اسم، بلا تعريف نهائي، أما من غادر فامتلك السرد والاسم معًا.

هذا الامتناع عن التسمية يمثل استراتيجية واضحة، الرواية لا تريد شخصيات محددة، بل حالات، والسارد هو «أي شخص»، والشاب هو صورته الأخرى، والمدينة هي أي مدينة، والميدان هو أي حلم جماعي، وكما تُنزع الأسماء عن الأشخاص، تُنزع أيضا عن الأماكن، نعرف أنه يتحدث عن ثورة يناير، وعن الميدان، لكن الرواية ترفض التسمية. هذا الامتناع يمثل امتدادا لفكرة الوصول الناقص، فالميدان الذي لم يطأه السارد لا يملك حق الظهور باسمه.

والمستشفى هنا ليس مكانا لعلاج الجسد، بل لعلاج الوعي. هناك يسمع السارد ويعرف كل شيء، لكنه لا يستطيع المشاركة. هذه المفارقة هي قلب المأساة. الثورة تحدث في الخارج، بينما الجسد هنا معطل. الإرادة حاضرة، لكن القدرة غائبة. لذلك تبلغ الرواية ذروتها هنا، لا في الشارع. الصراع ليس بين السلطة والجماهير، بل بين الرغبة والعجز.

الحبيبة والرمز

وسط هذا الفراغ الاسمي، يبرز اسم واحد كامل وواضح، صنع الله رضا الهادي. تظهر متأخرة، عبر رسائل، عبر استدعاءات حلمية، عبر صوت حميمي لا ينتمي إلى زمن الفعل الجماعي، تقول: «حزينة أنا لأنك تأخرت ثلاثين عامًا»، وتقول: «لا أريد شيئًا يجعلني أتراجع عن قرار انسلاخي عن هذا الوطن». هذه اللغة لا تنتمي إلى خطاب الثورة، ولكن إلى ما بعدها. 

يتأخر ذكر «صنع الله رضا الهادي» حتى الثلث الأخير من الرواية، لكنها منذ البداية كانت العنوان. رسائلها مشبعة برغبة في الانسلاخ، في الهروب من وطن لم يعد يحتمل. لغتها ليست رومانسية بقدر ما هي وجودية، وحين تتقاطع كلماتها مع مشهد المستشفى، تتحول من امرأة إلى رمز، الأمل، الثورة، المعنى الذي يُستدعى ولا يتحقق، في خطاب طلبة، تظهر قبيل الفجر، تمسك بيد الكاتب، وتدله على صلاة جماعية. المشهد يتجاوز الواقعي، ويؤكد التحول الرمزي: «صنع الله» ليست شخصًا، بل وعدًا.

وحين تصبح عنوانًا للرواية، يتضح المعنى أكثر: «ليلة صنع الله» ليست ليلة الثورة، بل ليلة الإدراك. الليلة التي تبلغ فيها الأحداث ذروتها، بينما السارد عاجز عن المغادرة. الجسد يمنعه، والقدر يسجنه في موقع المتفرج، هنا تتجسد المأساة، أن تكون في قلب الحدث شعوريًا، لكن على هامشه فعليًا. أصوات الإسعاف، نداءات التبرع بالدم، في هذه الليلة، يتحول الأمل من فعل جماعي إلى نداء داخلي، من ميدان إلى غرفة، من هتاف إلى همس.

شهادة ثم انسحاب

ويبقى السؤال الأكثر إيلامًا: هل كان انتحار الكاتب ضروريًا؟ داخل منطق الرواية، يبدو الجواب نعم. المخطوط الذي تركه هو شهادة، على ما جرى وليس مشروع حياة قادمة. الكاتب قال ما لديه، ثم انسحب. كأن الرواية تبلغنا أن الكتابة هنا ليست فعل بقاء، بل فعل وداع.

وتستعيد الرواية معناها الكامل بالعودة إلى عبارتها الافتتاحية المستعارة من الصوفي إدريس شاه: "أرونا السفن التي عادت، أو السباحين الذين رجعوا". فرواية ليلة صنع الله عن الذين لم يعودوا، وعن الذين لم يعبروا، وعن الذين ظلوا في المنتصف، وعن الوعي الذي وصل متأخرًا، وعن الصدفة بوصفها قدرًا جمعيًا، وأخيرا فالرواية لا تنعي ثورة يناير، بل تقول إن الوصول لم يكن متاحًا للجميع، وإن بعضهم ظل عالقًا في الطريق.
----------------------------
قراءة: أحمد رجب شلتوت