10 - 03 - 2026

ادعاءات أحمد موسى الواهية: محاكمة يناير بأثر رجعي

ادعاءات أحمد موسى الواهية: محاكمة يناير بأثر رجعي

هل تنبأ أحمد موسى بثورة يناير؟

الإجابة تبدأ من تفكيك رواية "المؤامرة المسبقة" بين ما نُشر في صحيفة الأهرام يوم 18 إبريل 2009، وبين وقائع ما جرى في 25 يناير 2011.

في كل مرة يُعاد فتح ملف يناير 2011، تعود معه محاولة قديمة في مضمونها، متجددة في أدواتها: تحويل "يناير" من سؤال اجتماعي وسياسي إلى لغز أمني، ومن انفجار داخلي إلى مؤامرة خارجية، ومن لحظة غضب شعبي عارمة إلى "مؤامرة كبرى" كُتبت فصولها مسبقًا.

أحدث هذه المحاولات ما يُروَّج له أحمد موسى ومن معه من أن ما نشره في الأهرام عام 2009 كان كشفًا مبكرًا للمخطط ذاته الذي نُفّذ في يناير 2011.

وقد اطلعت على ما نُشر في الأهرام عام 2009 وقد جاء في سياق محدد لا لبس فيه: قضية "خلية حزب الله"، في ذروة حرب غزة، وفي مناخ إقليمي محتقن. 

النص قُدِّم بوصفه تقريرًا أمنيًا قائمًا على تحقيقات رسمية، ويتحدث عن مخطط تخريبي يستهدف إثارة قلاقل، وتنفيذ عمليات إرهابية، واستغلال الغضب الشعبي المرتبط بغزة للضغط على الدولة المصرية سياسيًا وأمنيًا. 

لم يكن النص بأي صورة من الصورة دراسة استشرافية للمستقبل، ولا رؤية ولا تحليلًا لمسار اجتماعي، بل رواية أمنية تقول صراحة إن الدولة كشفت المخطط وأحبطته.

هنا تظهر المفارقة الكبرى التي تُسقط الادعاء من أساسهكيف يتحول مخطط تؤكد الدولة نفسها إنها وضعت يدها على تفاصيله وأمسكت بعناصره في 2009، إلى انتفاضة شاملة عارمة بعد عامين، دون أن يكون لأي من أجهزة الدولة أثر في منعها، أو حتى توقع توقيتها؟

ما نُشر في 2009 بوصفه مؤامرة كبرى ضد مصر، لا يصلح بأي شكل من الأشكال ليكون دليلًا أو حتى مقدمة لما يُوصف بأنه "مؤامرة يناير"؟

والأمر واضح وضوح الشمس من طبيعة النص نفسه: تقرير 2009 نص أمني خالص، ينتمي إلى منطق الاتهام لا نطاق التحليل، وإلى لغة المواجهة لا تعبيرًا عن الفهم. يتحدث عن خلايا، وتمويلات، وتكليفات، ومحاور تحرك، وأدوار موزعة على دول وتنظيمات. 

هذا توصيف كلاسيكي مكرر لعمل تخريبي محدود، حتى لو بالغ في تصويره، لكنه يظل حبيس منطق "الفاعل المركزي" الذي يدير الأحداث من أعلى.

يناير 2011، في المقابل، كانت حدثًا من طبيعة مغايرة جذريًا. لم تكن عملية سرية، بل انفجارًا علنيًا. لم يكن لها مركز قيادة، ولا غرفة عمليات، ولا تمويل، ولا خطاب أيديولوجي موحد.

خرجت من قلب المجتمع، لا من هامشه، وسبقتها سنوات من الغضب الاجتماعي، وزيادة منسوب الظلم والفهر إلى حدود غير مسبوقة، وانتشرت الاحتجاجات المطلبية، في ظل انسداد الأفق السياسي، وتآكل شرعية الدولة في عيون مواطنيها.

الخلط بين حوادث أمنية، وبين انفجار اجتماعي، ليس خطأ في التقدير، بل مغالطة منهجية.  فالتقارير الأمنية بطبيعتها ترى كل تحرك تهديدًا محتملًا، لكنها لا تفسر لماذا يتحول الصمت الطويل فجأة إلى فعل جماعي، ولا تستطيع أن تتنبأ بموعد يكسر الناس فيه حاجز الخوف في لحظة واحدة.

ثم يأتي عامل الزمن ليزيد الفجوة وضوحًا: ما نشر في سنة 2009 مرتبط مباشرة بحرب غزة 2008–2009، وبمعركة سياسية حول معبر رفح ودور مصر الإقليمي. أما يناير 2011 فجاءت بلا حدث إقليمي مفجّر، وفي توقيت لا يخدم أيًا من الأطراف الخارجية التي جرى اتهامها. لو كان ما جرى تنفيذًا لمخطط خارجي جاهز، لكان منطقيًا أن يحدث في ذروة حرب غزة، لا بعدها بعامين.

وهناك فرق كبير بين لغة التقرير وبين أحاديث يناير: يكفي أن نقارن بين لغة تقرير أحمد موسى في الأهرام عام 2009 ولغة يناير 2011 لندرك أن الحديث عن "مخطط واحد" لا يصمد أمام الفحص والتمحيص. 

تقرير 2009 كُتب بلغة أمنية مغلقة، تقوم على مفردات مثل: خلية، تمويل، توجيه، تكليفات، عناصر، عمليات، محاور، اختراق.  كما يبدو هي لغة ترى المجتمع كتفاصيل هامشية، وتفترض فاعلًا مركزيًا يتحكم في كل حركة، وتتعامل مع الشارع بوصفه مادة قابلة للتوجيه لا قوة مستقلة.

في المقابل، جاءت لهجة يناير من خارج هذا القاموس تمامًا. لم تتحدث الجماهير عن محاور أو أدوار أو تكليفات، بل عن الكرامة، والحرية، والعدالة. لم يكن الخطاب تعبويًا مؤدلجًا، ولا أمنيًا تحريضيًا، بل أخلاقيًا وجوديًا، يعبّر عن إحساس جمعي بالمهانة والاختناق. لم تُرفع شعارات عن الإقليم، بل عن الداخل الخالص.

اللغة هنا ليست تفصيلًا شكليًا، بل مفتاح الفهم. فالثورات تُعرَف بلغتها قبل أن تُعرَف بنتائجها. وحين تختلف اللغة، يختلف الحدث جذريًا. وتكشف شعارات يناير استحالة الادعاءات الواهية، وتزداد هذه الفجوة وضوحًا حين ننصت إلى الشعارات التي ملأت الشوارع. 

تقرير 2009 يتحدث عن تحريك الشارع، أما يناير فقد تحرك الشارع بنفسه. الهتاف المركزي لم يكن عن المقاومة ولا عن فتح معابر ولا عن إسقاط اتفاقيات، بل كان عن " العيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية". لم تكن شعارات سياسية جاهزة، بل تبدت كخلاصة حياة يومية مأزومة ومختنقة.

وحين ارتفع شعار " الشعب يريد اسقاط النظام" لم يكن تعبيرًا عن برنامج خارجي، بل عن قطيعة نفسية كاملة مع نظام فقد شرعيته في وجدان الناس. 

رُفعت لافتات عن التعذيب في الأقسام، وعن الفساد، وعن البطالة، وعن التوريث، وعن الإهانة: هتف الناس: ارفع راسك فوق انت مصري"، ونادت الجموع الحاشدة في الميادين في صيحة موجوعة: يا حرية فينك فينك، أمن الدولة بينا وبينك "، لم يهتف المواطنون ضد الوطن، بل باسم الوطن. لم يطالبوا بحرب، بل بحياة كريمة. 

هذا وحده كافٍ لنفي فكرة المؤامرة، لأن المؤامرات لا تنتج خطابًا أخلاقيًا عامًا، ولا شعارات جامعة، ولا لغة تستدعي الوطن بوصفه بيتًا مشتركًا لا غنيمة.

الفارق بين النصين ليس في التفاصيل، بل في الجوهر:

تقرير 2009 ينتمي إلى عالم الدولة في مواجهة المؤامرة، أما يناير 2011 فانتمت إلى المجتمع في مواجهة الدولة. وبين العالمين مسافة لا يمكن ردمها بالاستدعاء الانتقائي للنصوص، ولا بإعادة كتابة التاريخ بعد وقوعه.

يناير لم تكن تنفيذًا لخطة، بل نتيجة تجاهل طويل.ولم تكن مؤامرة على مصر، بل لحظة قالت فيها مصر، للمرة الأولى منذ عقود، كلمتها بصوت مسموع، ودوت صرختها إلى عنان السماء.
-------------------------
بقلم: محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب

انتباه | القواعد العسكرية في الخليج: من مظلة حماية إلى مصدر خطر