12 - 03 - 2026

مؤشرات | ترامب وسد النهضة ونقاط مرفوضة

مؤشرات | ترامب وسد النهضة ونقاط مرفوضة

بقراءة دقيقة لموقف مصر من دعوة الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) لاستئناف واسطته في ملف سد النهضة بين القاهرة والخرطوم من جانب وأديس أبابا من جانب آخر، والتي استخدم فيها تعبير "تقاسم مياه نهر النيل"، مع المهم أن نتوقف على الفهم المصري الدقيق لأهمية الملف وملابساته، والموفف الإثيوبي المتعنت على مدى سنوات طويلة، لنرى أن موقفنا الدولة ارتكز على الترحيب بالفكرة دون الدخول أو اتخاذ رد فعل يتم حسابه على مصر الدولة والرئاسة.

الرئيس عبد الفتاح السيسي، قال بدقة في رده على رسالة ترامب، على منصة "إكس"، "أثمن اهتمام الرئيس ترامب بمحورية قضية نهر النيل لمصر، الذي يمثل شريان الحياة للشعب المصري، وأن مصر أكدت حرصها على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، والقائم على مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة دون إضرار بأي طرف، وهي الثوابت التي يتأسس عليها الموقف المصري".

وكلمات الرئيس السيسي كانت واضحة، حيث قال "وجّهت خطابا للرئيس ترامب تضمن الشكر والتقدير، وتأكيد الموقف المصري، وشواغلنا ذات الصلة بالأمن المائي المصري، والتأكيد على الدعم المصري لجهوده، والتطلع لمواصلة العمل عن كثب معه خلال المرحلة المقبلة"، مؤكداً حرص مصر على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، استنادا إلى مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة دون الإضرار بأي طرف.

من الواضح من كلمات الرئيس تمثل ادراك مصر لكل المخاطر المحيطة بملف مياه نهر النيل، وما جرى على مدار ما يقرب من 15 عاماً شهدت مراوغات إثيوبية عديدة والتملص من أي التزامات، أو عهود، واستمرارها في سياسة فرض الأمر الواقع، والانفراد في أي مشروعات دون حوار فاعل مع طرفي الأزمة في القاهرة والخرطوم، بخلاف مستجدات في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي وتوغل إسرائيلي واضح في هذه المنطقة.

مصر اتخذت سياسة الترحيب بالدعوة الأمريكية، إلى أن تقف على كل تفاصيل ونهج وشكل مبادرة ترامب، وكل ما يتعلق بآلية إعادة الوساطة الأمريكية ومكونات ومسار التفاوض، وهذا الموقف يؤكد أن مصر لها رؤية محددة في القبول بالوساطة، وتقديم أي نوع من الالتزام، حتى يُتاح أمام المفاوض المصري ما تعتزم واشنطن طرحه من أفكار، وجهات التفاوض من كل الأطراف، ولحين التحاور مع الطرف السوداني الشريك في ملف مياه نهر النيل.

ومصر تضع في الحسبان المحاولة الفاشلة الأولى للولايات المتحدة لحل أزمة سد النهضة، في نهاية الولاية الأولى للرئيس الأمريكي ترامب بين عامي 2019 و2020، والتي كادت أن تصل إلى اتفاق، عندما سعى ترامب إلى تقريب وجهات النظر بين مصر والسودان وإثيوبيا، وقتها تم التوصل إلى مسودة اتفاق، وجرى تحديد موعد لتوقيع اتفاق ثلاثي "مصري – سوداني – اثيوبي" بضمان أمريكي عبر وزارة الخزنة الأمريكية، وحضر وفدا مصر والسودان، وللأسف تغيب الوفد الإثيوبي بشكل مُتعمد ومهين للوسيط الأمريكي، بتقديم اعتذار قبل ساعات من موعد ابرام الاتفاق، لتنهي المفاوضات بالفشل.

والسؤال الذي من المهم أن يطرحه المفاوض المصري مع محاولة إعادة احياء الوساطة الأمريكية، من أن أين ستبدأ المفاوضات مع إثيوبيا؟، ومما لاشك أن تبدأ وساطة واشنطن من حيث انتهت في الجولة السابقة، مع تعديلات تتناسب وفق المستجدات التي جرت على ملف سد النهضة، وليس من المقبول اطلاقاً أن تتبع أديس أبابا "سياسة الرأي الأحادي، ونقطة ومن أول السطر"، فمياه النيل ليست حكراً على دول المنبع.

وحتماً فإن مصر متمسكة بمواقفها الثابتة في هذا الملف، خصوصاُ عدم الإضرار بحقوق المصريين والسودانيين في مياه النيل وكمصدر رئيسي لهم في المياه، وهي مع الدول الأخرى في أي مشروعات تنموية، دون أية أضرار على دول المصب.

واستخدام لفظ "تشارك أو تقاسم مياه نهر النيل"، هو تعبير يحمل الكثير من اللغط، والفهم الدقيق له، وماذا يعني؟ خصوصاً ما يتعلق بمن هم شركاء في هذه المياه؟!، فهذه العبارة تحمل الكثير من علامات الاستفهام، وتصل إلى مفاهيم تحمل "الشر" تجاه مصالح دول المصب.. فما يضر مصر وحقوق شعب مصر والسودان حتماً مرفوض وخط أحمر من مصر شعباً ودولة ورئاسة وحكومة.

ومن المؤكد أن ملف مياه النيل متمثلاً في قضية سد النهضة، هو ملف دول حوص النيل، بعيداً عن أية أطراف أخرى هدفها زعزعة أمن دول حوض النيل، مثل إسرائيل، ويقيناً أن موقف مصر واضح في هذا الشأن، وترفض أي خلط في الأوراق، فأي ربط في هذا الملف بإسرائيل التي لها علاقات قوية بإثيوبيا، مرفوض شكلاً وموضوعاً.
-------------------------------
بقلم: محمود الحضري


مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات | غزة ضحية وسط الانشغال بالحرب على إيران