02 - 02 - 2026

المُولد والحُمُص في بلاط صاحبة الجلالة

المُولد والحُمُص في بلاط صاحبة الجلالة

لم تكن الصحافة المصرية يومًا مهنة عادية، بل مثّلت - في فترات ازدهارها - أحد أهم مكونات المجال العام، ومنبرًا لتداول المعلومات، وساحة للنقاش بين السلطة والمجتمع. غير أن المشهد الحالي يعكس حالة من التراجع، يمكن تشبيهها بالمثل الشعبي المصري: «بعد المُولد مفيش حُمُص». فبعد انفضاض الزخم، تبدو “صاحبة الجلالة” مثقلة بالأعباء، في سياق لم يعد يمنحها الدور الذي اعتادت القيام به كشريك فاعل في المجال العام.

تراجع أوضاع الصحافة المصرية لا يمكن فهمه بمعزل عن مجموعة من العوامل المتداخلة. من بينها التحولات التي طرأت على تنظيم المجال الإعلامي، سواء على مستوى التشريعات أو أنماط الممارسة، وما صاحب ذلك من تراجع في تنوع الخطاب العام، وحدود أضيق للاجتهاد المهني داخل عدد من المؤسسات الصحفية. وفي مثل هذه البيئات، تواجه الصحافة تحديات حقيقية في الحفاظ على قدرتها على إنتاج محتوى مستقل وبناء علاقة ثقة مع جمهورها.

العامل الثاني يتمثل في الأوضاع الاقتصادية للمؤسسات الصحفية. فقد شهد القطاع خلال السنوات الماضية أزمات مالية متراكمة، أدت إلى إغلاق بعض الصحف، أو تقلص دور أخرى، وهو ما انعكس مباشرة على أوضاع العاملين فيها. فالضغوط الاقتصادية المستمرة تؤثر على قدرة المؤسسات على الاستثمار في المحتوى، والتدريب، والتحقيقات المتعمقة، كما تضع الصحفيين أمام أوضاع مهنية غير مستقرة، في ظل غياب ضمانات كافية تتعلق بالأجور أو الحماية الاجتماعية.

أما العامل الثالث، فيتعلق بالتغير في طبيعة الدور المهني للصحفي داخل عدد من المؤسسات. إذ تميل بعض السياسات التحريرية إلى تقليص هامش المبادرة الفردية، مقابل الالتزام الصارم بخطوط تحريرية محددة مسبقًا. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى تراجع الإبداع المهني، وخروج بعض الكفاءات من المجال الصحفي، وهو ما ينعكس على جودة المحتوى واستمرارية التطوير.

في هذا السياق، يمكن ملاحظة أن السياسات الإعلامية للحكومة المصرية تركز بدرجة كبيرة على اعتبارات الاستقرار وتنظيم الخطاب العام، وهو توجه يراه بعض المراقبين ضروريًا، بينما يرى آخرون أنه يحتاج إلى قدر أكبر من التوازن بما يسمح بتوسيع مساحات النقاش المهني. فالإعلام الذي يشارك في شرح السياسات بعد صدورها يظل بحاجة أيضًا إلى دور استباقي في مناقشة القضايا العامة، بما يعزز الثقة المتبادلة مع الجمهور.

ورغم تعقيد المشهد، فإن تحسين أوضاع الصحافة المصرية يظل أمرًا ممكنًا من خلال حزمة من الإجراءات العملية. من بينها دعم التعددية في ملكية وسائل الإعلام، وتعزيز استقلال غرف التحرير ضمن الأطر القانونية القائمة، وتحسين الأوضاع الاقتصادية للصحفيين عبر سياسات أجور عادلة، وتأمين اجتماعي وصحي فعّال. كما أن الاستثمار في التدريب المهني، والصحافة الاستقصائية، والتحول الرقمي الجاد، يمثل ركيزة أساسية لأي عملية تطوير مستدامة.

فالصحافة لا يمكن أن تؤدي دورها دون بيئة مهنية مستقرة، توازن بين متطلبات المسؤولية الاجتماعية وحرية العمل الصحفي. ودون تحقيق هذا التوازن، سيظل المشهد أقرب إلى مولدٍ انفضّ، وغاب عنه الحُمُص.
-----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

معرض الكتاب.. قراءة في مشهد غير عادي