تُمثّل اللحظةُ التي تعيشها سوريا منذ ذلك اليوم المصيري في ديسمبر 2024، الذي شهد انهيار نظام الأسد البعثي الساقط، أكثرَ من مجرد تغيير سياسي عابر، فهي في جوهرها، لحظةُ ولادة عسيرة لواقع جيوبوليتيكي جديد تماماً، حيث تتداخل جروح الماضي العميقة مع مخاض مستقبل مجهول، ولقد خرجت البلاد من نفق حرب أهلية مديدة استنزفت البشر والحجر، لتجد نفسها عند منعطف مصيري: بين بناء دولة وطنية جامعة، والانزلاق نحو هوة "الاستبدال القسري" لنظام قديم بآخر، وإن برؤية أيديولوجية مغايرة، يبقى رهين إرادات خارجية وأجندات إقليمية متقاطعة.
فالسلطة التي برزت على أنقاض النظام السابق، والمتمثلة بحكومة انتقالية يقودها أحمد الشرع، تواجه معضلة تأسيسية عميقة، فهي من جهة، ثمرة تحالف عسكري قاده فصائل مثل "هيئة تحرير الشام "بدعم تركي حاسم، لكنها من جهة أخرى، تسعى اليوم لارتداء ثوب "الدولة" و"الشرعية" في ظل غياب التوافق الوطني وشرعية الاقتراع الحر، وهذا التناقض الجوهري بين أصلها الفصائلي وطموحها المؤسساتي يضعها في قلب أزمة شرعية مُزمنة، ففي وقت ترفع فيه شعارات الوحدة الوطنية وتُعلن خططاً لإعادة الإعمار، يبقى مشروعها السياسي مُرتهناً لاعتبارات تتجاوز الإرادة الشعبية السورية، حيث تحوَّلت الجغرافيا السورية إلى فسيفساء من "مناطق الضمان" التي تُدار وفق توازنات القوى الخارجية أكثر مما تُحكم بقانون مركزي موحد.
لذلك، فإن السؤال المحوري الذي تواجهه سوريا اليوم يتعدى إعادة بناء البنى التحتية المدمرة، إنه اختبارٌ لجدوى فكرة "الدولة" ذاتها في سياق إقليمي دولي معقد، حيث تتقاطع مصالح لاعبين كبار، ففي الشمال، تفرض تركيا حضورها كقوة ضامنة وفاعل جيوبوليتيكي رئيسي، فيما تُعاد هندسة الدور الأمريكي من داعم لقوى معينة إلى راعٍ محتمل لاستقرار الدولة المركزية، كما تبدو من تصريحات دبلوماسية وتحركات مثل رفع العقوبات مؤخراً، وفي الخلفية، يشهد النفوذان الروسي والإيراني تراجعاً ملحوظاً، بينما تعود دول عربية، أبرزها السعودية، إلى الواجهة كداعمين لفكرة الدولة السورية الموحدة.
وفي هذا المشهد الهش، تُعد التطورات الأخيرة في حلب مؤشراً دالاً على هذه المعادلة، فالمدينة بموقعها الحيوي وتنوعها الديموغرافي، تحوّلت إلى ساحة لاختبار قدرة السلطة المركزية على فرض احتكارها للعنف الشرعي، واختبار مصداقية اتفاقات الدمج السابقة مثل اتفاق 10 مارس 2025، الذي يهدف إلى إدماج القوات الكردية (قوات سوريا الديمقراطية) في هياكل الدولة، كما أن اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، والذي جاء بعد تقدم عسكري حكومي في مناطق شمالية وشرقية، يُظهر الديناميكية المتوترة بين منطق القوة العسكرية ومنطق الحل السياسي.
وبناءً على هذه المعطيات، يسعى هذا المقال إلى استشراف المسارات المستقبلية لسوريا، ولن يكون التحليل مقتصراً على قراءة الواقع الداخلي الهش لسلطة انتقالية تترنح بين إرثها الفصائلي وطموحها الوطني، بل سيمتد لرصد تفاعلها مع شبكة معقدة من الضغوط والمصالح الإقليمية والدولية، والسيناريوهات المطروحة تتراوح بين استمرارية الهشاشة المُدارة، وخطر التفكك المتجدد، وإمكانية الانتقال التدريجي - وإن كانت ضعيفة - نحو تسوية سياسية شاملة، فإن فهم هذه المسارات ليس تمريناً أكاديمياً فحسب، بل هو محاولة لفك شفرة أحد أكثر الملفات تعقيداً في الشرق الأوسط المعاصر، حيث تختبر سوريا، بكل مكوناتها، حدود إمكانية بناء الدولة في زمن الضمانات الدولية والتبعيات الإقليمية.
ويواجه المشهد السياسي السوري الراهن أزمة شرعية مزدوجة ومعقدة، تقف عندها سلطة الأمر الواقع في حيز وسيط بين سعيها الحثيث للاعتراف الخارجي وإخفاقها المتواصل في كسب الثقة الداخلية، فهي لا تمثل انتقالاً مكتمل الأركان للسلطة، بل هي عملية تأسيس عسيرة لنظام يحمل في جيناته الأصلية تناقضات نشأته، فلقد تشكلت هذه السلطة من رحم تحالف عسكري قادته "هيئة تحرير الشام" التي حملت سابقاً تصنيفاً إرهابياً - في هجوم حاسم مدعوم تركياً، ما أدى إلى تحول قائدها، أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، من زعيم فصيل مسلح إلى رئيس انتقالي في يناير 2025، وسرعان ما صدر إعلان دستوري في مارس من العام نفسه ينظم فترة انتقالية مدتها خمس سنوات ويعزز صلاحيات الرئيس بشكل لافت، مما أثار قلق المراقبين من تركز السلطة وغياب الضوابط.
وسعت هذه السلطة الجديدة إلى تقديم نفسها كممثل لدولة قادرة على الحكم، فتبنت خطاباً يركز على "استكمال الثورة" و"بناء الدولة المستقرة"، وجسدت ذلك عملياً بتشكيل حكومة انتقالية في 29 مارس 2025، زعمت أنها قائمة على الكفاءة، وحاولت إضفاء صبغة تنوع شكلي من خلال إشراك وزراء من خلفيات دينية وعرقية مختلفة، بل وتعيين شخصية مدنية بارزة مثل رئيس "الخوذ البيضاء" رائد الصالح، إلا أن هذا المسعى للتحول لم يلقَ سوى شرعية خارجية هشة ومشروطة، فمنذ البداية راهنت دمشق على الدبلوماسية النشطة لكسر عزلتها، فحصلت على دعم عربي من دول مثل السعودية وقطر والإمارات، وتوجت مساعيها بزيارات رسمية لوزيري خارجية ألمانيا وفرنسا إلى دمشق، وصولاً إلى زيارة تاريخية للشرع إلى باريس ولقاءاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تكللت بإلغاء قانون "قيصر" ورفع جزئي للعقوبات، كما بدأت سوريا في استعادة بعض حضورها الدولي عبر إقامة علاقات دبلوماسية جديدة واستضافة شخصيات مثل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بيد أن هذا الاعتراف الخارجي ظل مرتبطاً بصفة "انتقالية" ومرهوناً بشروط إصلاحية، مما كشف أن السعي الحثيث لشرعية مستورَدة قد تم على حساب بناء شرعية حقيقية في الداخل.
ففي الجانب الداخلي، يتجلى تناقض المشروع في مظاهر عدة، فوراء واجهة الحكومة التكنوقراطية، بقيت الهيمنة الفعلية على مفاصل الدولة السيادية، كالداخلية والدفاع، في يد عناصر مقربة من الشرع وذات خلفية في هيئة تحرير الشام، مما يحوِّل التنوع المعلن إلى صورة شكلية ويعيد إنتاج منطق الحكم عبر الدائرة الضيقة، وقد اتخذت السلطة من العنف المفرط أداة منهجية للتعامل مع الاختلاف، حيث تكررت حوادث القتل والخطف العشوائي على أسس طائفية في مناطق مثل الساحل والسويداء وجرمانا، مما غرس الخوف في المجتمع وهدم أي أمل بالأمن، ولمواجهة سؤال الشرعية، أعاد النظام إحياء خطاب هوياتي يستند إلى فكرة "الأغلبية السنية" كمصدر وحيد للتوكيد، مما أدى عملياً إلى تهميش الأقليات العرقية كالكرد، والدينية كالمسيحيين والدروز والعلويين، وإقصائهم عن أي دور حقيقي في صناعة المستقبل، وهو ما تجلى بوضوح في استمرار غياب تمثيل حقيقي لقوات سوريا الديمقراطية وإدارتها الذاتية عن هياكل الحكم المركزية، ويظل القرار السياسي والعسكري لدمشق، في جوهره، مرهوناً بإرادة أنقرة، الداعم الأساسي لصعودها، مما يحول البلاد إلى ساحة لتطبيق الاستراتيجيات الجيوبوليتيكية التركية، خاصة في ما يتعلق بتطويق القوى الكردية، في تناقض صارخ مع خطاب السيادة الوطنية، ويُعمق من هذه الأزمة فراغ مؤسسي وتشريعي خانق، حيث لايزال مجلس الشعب معطلاً، ولم تشهد الفترة الانتقالية تقدماً ملموساً في صياغة عقد اجتماعي جديد أو دستور دائم يحظى بإجماع وطني، مما يبقي العلاقة بين الدولة والمجتمع معلقة في فضاء من الريبة وافتقاد الثقة.
وبالتالي، فإن المشهد الراهن يرتسم كمعضلة تأسيسية مصيرية لسلطة أمر واقع عالقة بين شرعيتين: إحداهما خارجية، مستعارة وهشة ومشروطة بموازين القوى الدولية المتقلبة، والأخرى داخلية، غائبة ومفتقدة بسبب استمرار منطق الإقصاء والعنف وغياب المشروع الوطني الجامع والمؤسسات التمثيلية الحقيقية، فإن التحول من كيان فصائلي يدير إقليماً إلى دولة قادرة على إدارة وطن يتطلب قطيعة جذرية مع هذه الآليات وبناء عقد وطني جديد، وحتى يتحقق ذلك، يبقى استقرار هذا الكيان الانتقالي واستمراره رهناً بهشاشة التوازنات الإقليمية والدولية، أكثر من أي التزام بإرادة الشعب السوري أو إقراره.
لقد حوَّلت التغيراتُ الجيوبوليتيكية العميقة التي أعقبت سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 سورياَ إلى مختبر حي لإعادة تشكيل توازنات القوى في المنطقة، فما كان يوماً قلْبَ "محور المقاومة" المدعوم إيرانياً تحوَّل إلى ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ والأعباء بين قوى إقليمية ودولية متداخلة المصالح، حيث تتنازع كلٌ منها على رسم ملامح النظام الجديد. وفي هذا المشهد المعقد، برزت تركيا بوصفها القوة الخارجية الأكثر حضوراً وتأثيراً على الأرض، فمن خلال حليفها الميداني، "الجيش الوطني السوري"، وسَّعت أنقرة نطاق سيطرتها المباشرة في شمال سوريا، وكرست جهوداً منهجية لتطويق القوات الكردية وتقليص نفوذها، كما تجلّى في الهجوم المشترك الذي شنَّته مع الجيش الوطني السوري بين عامي 2024 و2025، وقد تحوَّلت هذه القوة العسكرية إلى رافعة سياسية جعلت من أنقرة الراعي الرئيسي للسلطة الانتقالية في دمشق، حيث أصبح القرار السياسي والعسكري السوري خاضعاً إلى حد كبير لمتطلبات الأجندة التركية الأمنية والإقليمية.
في المقابل، شهد النفوذ الإيراني والروسي - وهما الداعمان التاريخيان لنظام الأسد - تراجعاً حاداً يُشبه الانكفاء الاستراتيجي، فإيران التي أنهكتها حرب غزة وتداعياتها، تعاني من "نكسة استراتيجية" واضحة، تمثّلت في فقدان حليفها في دمشق وبالتالي انهيار ممر الإمداد البري الحيوي إلى سوريا ولبنان، أما روسيا، المنشغلة بحرب أوكرانيا والمثقلة بأعبائها الاقتصادية، فقد تقلص دورها العسكري والدبلوماسي في سوريا إلى حدٍ أصبح شبه رمزي، تاركة الساحة للفاعلين الجدد. على أن هذا الفراغ لم يطل انتظار من يملأه، فشهدنا تحولاً بارزاً في الموقف الغربي، تقوده الولايات المتحدة تحت شعار "تقاسم الأعباء" مع حلفائها الإقليميين، وقد تجسَّد هذا التحول عملياً في سلسلة من الخطوات التاريخية: فبعد لقاء جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره السوري أحمد الشرع في الرياض في مايو 2025، توجت العلاقة بزيارة رسمية للشرع إلى واشنطن في نوفمبر من العام نفسه، هي الأولى لرئيس سوري إلى البيت الأبيض، وقد رافقت هذه الزيارة رفعٌ للعقوبات الدولية عن الشرع ووزير داخليته، كمقدمة لمباحثات أوسع حول إعادة الإعمار ومكافحة الإرهاب، ويأتي هذا التقارب الأمريكي - السوري في إطار تفاهم أوسع مع إسرائيل، التي ترى في سيناريو حكم سني مدعوم من تركيا، رغم تحفظاتها، بديلاً أقل خطراً من سيناريو الهيمنة الإيرانية السابق، لذلك تسعى إسرائيل جاهدة إلى إقامة تفاهمات أمنية عملية مع أنقرة وواشنطن لضمان عدم عودة النفوذ الإيراني وخلق منطقة عازلة مستقرة على حدودها الشمالية.
أما الوجه العربي البارز في هذه المعادلة الجديدة، فهو دور السعودية كضامن عربي رئيسي لعملية إعادة دمج سوريا في محيطها، فبعد إعادة توثيق تحالفها مع واشنطن، انخرطت الرياض في دبلوماسية نشطة وضخت استثمارات كبيرة تتجاوز مليارات الدولارات لدعم إعادة الإعمار، والهدف الاستراتيجي للمملكة هو تحقيق استقرار يمكن التنبؤ به في سوريا، يُعيد رسم دورها في المحيط العربي ويحد في الوقت نفسه من النفوذين التركي والإيراني المتنافسين، بل إن السعودية لعبت دور الوسيط الحيوي في ترتيب اللقاء الأول بين الشرع وترامب، مما يؤكد مكانتها كمحور دبلوماسي فاعل.
سوريا كمرآة للتحولات الجيوبوليتيكية
وهكذا فإن سوريا اليوم لم تعد مجرد دولة تمر بمرحلة انتقالية، بل هي مرآة عاكسة لتحولات جيوبوليتيكية أوسع، فهي ساحة تتقاطع فيها إرادة تركيا الرامية إلى توسيع نفوذها الأمني، مع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة القائمة على تفويض المهام للحلفاء، والرغبة السعودية في قيادة نظام إقليمي عربي مستقر، والانكفاء المؤقت لكل من إيران وروسيا، فإن تفاعل هذه القوى وتنافسها على رسم خريطة المستقبل السوري هو ما يجعل من البلاد مختبراً حقيقياً لمستقبل الشرق الأوسط ككل.
وتتشابك التحديات الهيكلية الداخلية في سوريا لتشكل نسيجاً معقداً من العقبات الوجودية التي تحول دون أي مسار سلس لبناء الدولة، حيث تتفاعل تركة سنوات الحرب الطويلة مع تناقضات المرحلة الانتقالية الحالية لتخلق أزمة متعددة المستويات، فالدولة تواجه اختباراً ثلاثياً يتعلق باحتكار الشرعية للعنف، واستعادة الحياة للاقتصاد المنهك، وصياغة هوية وطنية جامعة قادرة على تجاوز شرخ الهويات العميق، وهي تحديات تشد بعضها بعضاً في حلقة مفرغة يصعب كسرها.
ويفتقر المشهد الأمني إلى الوحدة والاستقرار، حيث لايزال مجزأً بين ميليشيات وقوى مسلحة متعددة الولاءات والأجندات، فهناك فصائل من الجيش الوطني السوري المدعوم تركياً، وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكياً والتي تسيطر على مناطق حيوية في الشمال الشرقي، إلى جانب عناصر سابقة لهيئة تحرير الشام وغيرها من التشكيلات، ويشكل دمج هذه القوات تحت قيادة وطنية موحدة وخالية من العناصر المتطرفة تحدياً وجودياً، إذ إن عملية بناء مؤسسة دفاعية واحدة من هذه الشظايا المتصارعة تعني احتكار الدولة للعنف الشرعي، وهو شرط أساسي لأي دولة قادرة، وهذا التجزؤ لا يهدد الوحدة الداخلية فحسب، بل يخلق فراغات أمنية تستغلها جماعات متطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، التي تسعى للانبعاث من جديد في ظل الفوضى، مما يضيف طبقة إضافية من التعقيد على مهمة استعادة الأمن.
في موازاة التفكك الأمني، يمثل الانهيار الاقتصادي والإنساني تهديداً مباشراً للنسيج الاجتماعي ولشرعية السلطة نفسها، فتعيش الغالبية العظمى من السوريين، بنسبة تصل إلى حوالي 90%، تحت خط الفقر، بينما تدمرت أو تضررت نصف البنية التحتية للبلاد تقريباً، ولقد ورثت الإدارة الجديدة دولة مفككة تعاني من شح الموارد وانتشار الفساد، وعاجزة حتى عن دفع رواتب قطاع عام متضخم، فإن أي أمل في التعافي الاقتصادي مرهون برفع العقوبات الدولية وجذب استثمارات ضخمة لإعادة الإعمار، وهذه بدورها مشروطة بتحقيق استقرار سياسي قد يكون بعيد المنال في الأمد القريب، وهذا الوضع يخلق حلقة مفرغة: فغياب الاستقرار يمنع الاستثمار والإعمار، واستمرار الأزمة المعيشية يغذي السخط الاجتماعي ويهدد الاستقرار ذاته.
ويتجاوز التحدي الأعمق الجوانب الأمنية والاقتصادية ليصل إلى صميم كيان الدولة، ألا وهو شرخ الهوية الوطنية المستعصي. فقد تفاقمت الإشكالية التاريخية المتعلقة بهوية الدولة السورية، المتمزقة بين الوطنية والقومية العربية والدينية الإسلامية، بعد الثورة وصولاً إلى المرحلة الراهنة، وتبقى قضايا الحقوق القومية للكرد، والاعتراف بالمكونات الأخرى وحقوقها، دون حل حقيقي، فإن غياب تمثيل حقيقي ومشاركة فعلية لهذه المكونات في هياكل الحكم، إلى جانب استمرار أعمال العنف الطائفي والعرقي التي وردت تقارير عنها في مناطق الساحل والسويداء، يحول دون أي تقدم حقيقي نحو صياغة "عقد اجتماعي" جديد، فالدولة التي تفتقر إلى رؤية جامعة تستطيع استيعاب تنوعها الثري وإدارته عبر نموذج حكم ديمقراطي يضمن المساواة، تظل كياناً هشاً معرضاً للانتكاس، وإن بناء دولة المواطنة التي تقوم على مبدأ المساواة بين جميع السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم هو التحدي المحوري الذي يتوقف عليه تجاوز الماضي وضمان مستقبل مستقر.
إلى أين تمضي سوريا؟
وبعد هذا التشريح الدقيق للواقع السوري المعقد، بكل طبقاته السياسية والجيوبوليتيكية والهيكلية، يبرز سؤال المصير المحتوم: إلى أين تمضي سوريا؟ إن محاولة استشراف المستقبل في ظل هذه التشابكات ليست ضرباً من التنجيم، بل هي قراءة منهجية لمسار القوى والاحتمالات المتولدة من تفاعل عناصر الأزمة بعضها مع بعض، فالمستقبل هنا لا يُفرَض من فراغ، بل يُصنع من خلال التدافع اليومي بين إرادة بناء دولة من ركام الحرب، وثقلة إرث الماضي، وضغوط حسابات القوى الإقليمية والدولية المتداخلة، فإنه صراع بين مشاريع متعددة: مشروع السلطة الانتقالية الهشة لترسيخ نفسها، ومشروع المجتمع السوري المنهك للخلاص من العنف والفقر، ومشروع الفاعلين الخارجيين لإعادة صياغة المنطقة وفق مصالحهم، ومن رحم هذا التدافع المتعدد المستويات، وفي ضوء العوامل الهشة للداخل والمتحركة للإقليم، يمكن أن تتشكل ثلاثة مسارات كبرى، تحدد كل منها وجه سوريا لعقود قادمة.
ويبرز مسار "الاستمرارية الهشة" باعتباره السيناريو الأكثر ترجيحاً في الأمد القصير إلى المتوسط، حيث تنجح السلطة الانتقالية، عبر توازن دقيق، في الحفاظ على وجودها واستدامة شكل من أشكال الحكم، ويتحقق ذلك عبر موازنة استمرارية الدعم التركي الحاسم، الذي يضمن بقاءها في دمشق ويوفر الغطاء الأمني الأساسي، مع القبول الغربي المشروط الذي يتجلى في استمرار المساعدات الإنسانية ورفع جزئي ومحدود للعقوبات، وفي هذا الإطار، قد تشهد بعض المناطق، خاصة تلك الخاضعة للسيطرة المباشرة للسلطة المركزية، تحسناً تدريجياً وهامشياً في الخدمات والأوضاع المعيشية، يصاحبه إطلاق مبادرات إصلاح شكلية في قطاعات مثل الإدارة المحلية أو قطاع الأعمال، تهدف أساساً إلى تلبية الحد الأدنى من شروط المانحين الدوليين وإضفاء شرعية ظاهرية.
بيد أن جوهر هذا الاستقرار سيبقى سطحيًا ومحدود النطاق، ففي المناطق المتنازع عليها، سيسود عدم استقرار مزمن ومتأجج بشكل دوري، ففي الشمال الكردي، ستستمر التوترات العالية مع إدارة الحكم الذاتي وقوات سوريا الديمقراطية، مع اشتباكات متقطعة قد تتصاعد في أي لحظة، وفي المناطق الخاضعة رسمياً لسيطرة الجيش الوطني السوري المدعوم تركيًا، ستستمر حالة التمرد الخفي والولاء المنقسم، حيث تتنازع السيطرة بين القيادات المحلية التابعة لأنقرة والسلطة المركزية في دمشق، أما في الساحل ومناطق أخرى تضم تجمعات سكانية من الأقليات، فستبقى جمرة السخط والاحتقان الطائفي تحت الرماد، قابلة للاشتعال مع أي حادثة أمنية طفيفة، مما سيدفع السلطة إلى الاعتماد بشكل متزايد على القبضة الأمنية الصارمة كبديل عن الحلول السياسية، والنتيجة النهائية لهذا المسار ستكون دولة ضعيفة الهيكل، تفتقر إلى السيادة الفعلية، حيث تبقى قراراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية الكبرى خاضعة في النهاية لإرادة ومصالح أنقرة، محكومة بهشاشة التوازن الإقليمي الذي أوجدها في المقام الأول.
ويمثل مسار "التفكك والصراع المتجدد" النقيض الكابوسي لسيناريو الاستقرار الهش، وهو احتمال يلوح في الأفق كلما تعمقت التناقضات التي تنخر في جسد الدولة السورية الناشئة، ويبدأ هذا المسار المنحدر عادةً بحدث مفجر، قد يكون فشلاً ذريعاً في عملية دمج الميليشيات المتصارعة تحت لواء قيادة وطنية موحدة، مما يؤدي إلى تصدع التحالفات الهشة وعودة العناصر المسلحة إلى ولاءاتها الأولية القبلية أو الطائفية، وقد يكون الشرارة تفاقم الخلافات بين الأطراف الدولية والإقليمية الداعمة، حيث يؤدي تناقض المصالح بين أنقرة وحلفائها من جهة، والمصالح الغربية أو العربية من جهة أخرى، إلى سحب الدعم أو تغيير التحالفات، فتُترك الساحة السورية فجأة بلا راعٍ قادر على فرض نظامها، مما يفتح الباب أمام تسوية الحسابات الداخلية بقوة السلاح، ولا يُستبعد أن يكون الانهيار الاقتصادي التام، مع عجز الدولة عن توفير القوت اليومي للمواطنين، هو القشة التي قصمت ظهر البعير، محولاً السخط الاجتماعي المكبوت إلى احتجاجات عارمة تعيد إشعال شرارة العنف.
وفي ظل هذه البيئة المنفلتة، تتحول سوريا بسرعة إلى ساحة لحرب أهلية جديدة، لكن هذه المرة قد تأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً وضراوة، فبدلاً من خطوط التماس الواضحة نسبياً في الصراع السابق، يمكن أن تتفجر صراعات متعددة ومتداخلة: صراع إقليمي بين مناطق النفوذ، حيث تحاول كل ميليشيا ترسيخ سيطرتها على رقعة جغرافية محددة، وصراع عرقي تتصاعد فيه المطالب الكردية نحو الاستقلال الذاتي أو حتى الانفصال بحكم الواقع تحت وطأة انهيار المركز، وصراع طائفي مقيت تستعيد فيه الهويات المذهبية عمقها التدميري، وستتحول البلاد إلى فسيفساء من "الكانتونات" المسلحة، كل منها يحكمه قائد عسكري أو زعيم طائفي، وتدور بينها معارك دورية على الموارد والحدود، بينما تتحول الدولة المركزية إلى ذكرى باهتة، وفي هذا المشهد، لن يكون الصراع سورياً بحتاً، بل سيتحول إلى ساحة بالوكالة تتقاطع فيها مصالح القوى المجاورة، مما يطيل أمد العنف ويعمق جروح البلاد، وهذا السيناريو لا يعني مجرد عودة المأساة، بل تصعيدها إلى مستوى وجودي يهدد بمسح فكرة "سوريا" ككيان سياسي موحد من الخريطة إلى الأبد.
ويظل مسار "الانتقال التدريجي نحو تسوية سياسية شاملة" يمثل الأفق السياسي الأكثر سمواً والأكثر صعوبة في التحقيق، وهو يستلزم تحولاً جذرياً في العقليات والمصالح على المستويين الداخلي والخارجي، ويتطلب هذا السيناريو، أولاً وأساساً، قيادة سياسية في دمشق تمتلك رؤية تاريخية وجرأة استثنائية، مدعومة بإرادة مماثلة من الحلفاء الأتراك، للقيام بانتقال طوعي من منطق الهيمنة المركزية إلى قبول نموذج حكم لا مركزي حقيقي، وهذا النموذج لا يعني تفكيك الدولة، بل إعادة تعريفها كإطار جامع يعترف بالتنوع ويوزع السلطات والموارد بشكل عادل، مما يستلزم تنازلات مؤلمة من النخبة الحاكمة الحالية عن جزء من سلطاتها المطلقة.
والأساس العملي لهذا التحول يتمثل في إطلاق عملية سياسية حقيقية وذات مصداقية، تكون قادرة على استقطاب وإشراك كافة المكونات الوطنية، لاسيما المكون الكردي الذي ظل لعقود على هامش الحياة السياسية، ويجب أن تكون هذه العملية شاملة تشاركية، تهدف إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يجسده دستور دائم يتم التوافق عليه، ويُعتبر الإطار الأسمى للحياة العامة، يحدد هوية الدولة المدنية الجامعة ويضمن الحقوق المتساوية لجميع مواطنيها، ويُتوج هذا المسار الطويل والشاق بإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف دولي، تخرج منها سلطة تمثيلية حقيقية تحظى باعتراف السوريين جميعاً، وتكون قادرة على قيادة مرحلة إعادة الإعمار والمصالحة.
غير أن تحقيق هذا الحلم الوطني ليس رهناً بالإرادة الداخلية وحدها، فهو مسار هشٌ يحتاج إلى بيئة إقليمية ودولية داعمة، وإن استمرار الدعم الدولي المكثف والضغط الدبلوماسي المتواصل والمتماسك من قبل القوى الفاعلة هو الضمانة الأساسية لاستدامة العملية السياسية وحمايتها من الانهيار، ويجب أن يتحول هذا الدعم من كونه مجرد تمويل لإعادة الإعمار إلى رافعة سياسية فعالة لتحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية، التي لا يمكن أن تتحقق دون عدالة انتقالية تعترف بمعاناة الضحايا وتؤسس لمرحلة جديدة يقوم فيها السلام على أسس من الحق والاعتراف المتبادل، وهذا السيناريو رغم كل صعوباته، يبقى الاستثمار الوحيد القادر على تحويل سوريا من ساحة صراع مفتوحة إلى دولة قادرة على استعادة مكانتها وضمان مستقبل مستقر لأبنائها.
وختامًا، تشير قراءة المشهد السوري المعقد إلى استحالة العودة إلى نموذج الدولة المركزية الشمولية التي عرفتها البلاد لعقود، حيث يبدو المستقبل المنظور كمسار انتقالي طويل ومتعرج، تحكمه معادلة هشة تقوم على سلطة داخلية تستمد بقاءها من دعم خارجي هش أكثر مما تستمده من شرعية راسخة في وجدان مواطنيها، وهذه السلطة المحاصرة بأزمات بنيوية عميقة، تضطر للحركة في فضاء إقليمي ودولي سريع التحول وكثيف التنافس، مما يجعل أي تقدم نحو الاستقرار الدائم مرهوناً بتوافق إرادات متعددة، داخلية وخارجية، قد لا تلتقي أبداً عند نقطة مشتركة.
وإن تحقيق انتقال مستدام، يحول دون الانزلاق المتكرر نحو الفوضى أو التجمد في حالة الاستمرارية الهشة العقيمة، يتطلب مقاربة استراتيجية مغايرة تماماً، فبدلاً من معاملة الاستقرار الأمني المؤقت كغاية بحد ذاته، يجب ربط أي دعم مالي أو إغاثي أو عمليات إعادة إعمار دولية، بشكل وثيق وصارم، بتقدم ملموس وثابت على المسار السياسي الشامل، وهذا يعني أن يتحول الدعم الدولي من كونه أداة لتثبيت أمر واقع هش، إلى رافعة فعالة للإصلاح، تضمن ألا تُستخدَم الموارد لترسيخ سلطة فئوية ضيقة، بل لتمهيد الطريق أمام عقد اجتماعي جديد.
ويجب أن يتوجه الضغط الدبلوماسي المتواصل من الشركاء الدوليين والإقليميين ذوي النفوذ، نحو إجبار السلطة الانتقالية وحلفائها الإقليميين، على الالتزام الجدي وغير القابل للرجعة عنه، بنموذج حكم لا مركزي حقيقي، ولا يمكن أن يبقى الاعتراف بالتنوع السوري وخطاب الشراكة الوطنية في مستوى الشعارات؛ بل يجب أن يترجما إلى حقوق سياسية وثقافية وإدارية واضحة ومضمونة للمناطق الكردية ولجميع المكونات الأخرى، ضمن إطار وحدة الدولة وسيادتها، وهذا التحول الجوهري هو الضمانة الوحيدة لتحييد دوافع الانفصال وبناء ولاء طوعي للدولة.
وبالتوازي مع هذه الجهود العلوية، يجب استثمار جزء حاسم من الموارد والاهتمام في دعم نسيج المجتمع السوري من الأسفل، وعبر تمكين مؤسسات المجتمع المدني المستقلة والمبادرات المحلية التي تعمل على جبهات المصالحة والتماسك الاجتماعي والإغاثة غير المنحازة، تُبنىالقاعدة الصلبة التي يمكن أن تقوم عليها أي مصالحة وطنية فوقية، فالمصالحة الحقيقية لا تفرض بمرسوم من القمة، بل تنبت من ثقة مجتمعية يُعيد بناءها العمل اليومي المشترك.
وباختصار، مازال مستقبل سوريا معلقاً في الميزان، رهين الصراع التاريخي بين منطقين متعارضين: منطق الهيمنة الخارجية المقترن بالإقصاء الداخلي، وهو منطق ينتج تبعية وهشاشة ويعيد إنتاج الأزمات؛ ومنطق الشراكة الوطنية القائمة على العدالة والاعتراف المتبادل، والذي يمثل السبيل الوحيد نحو سيادة حقيقية ودولة قادرة على البقاء والازدهار، فإن التحدي المصيري للسوريين وللقوى الدولية الراغبة في استقرار المنطقة، يتمثل في حشد الإرادة السياسية الكافية لقطع الطريق على المنطق الأول واختيار المنطق الثاني، فغياب هذه الإرادة هو ما يحول بناء سوريا الجديدة من مهمة صعبة إلى مهمة تبدو، في الأفق المنظور، شبه مستحيلة.
----------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






