يصفه قرائه بأنه شخصية متعددة المواهب بشكل مذهل، أو توصف روايته بأنها رواية عظيمة كما كاتبها، فهل هي مجاملة القارئ للكاتب، أو أنها لحظة انبهار خاطفة، أم أنها عن جدارة؟
حققت رواية "سكولا" للكاتب محمد حسين أبو زيد معادلة قد تكون من المستحيلات في عصر التكنولوجيا والتنقل السريع بين الصفحات، فقارئ اليوم ليس كقارئ الأمس، الذي كان يظل عاكفا على الرواية أو العمل الأدبي مهما بلغت عدد صفحاته، أما قارئ اليوم فالملل عنوانا عريضا لمجريات حياته، إلى أن أثبت أبو زيد بروايته، أن الكتابة الجيدة وحدها قادرة أن تستعيد روح القراءة الجادة، المثابرة، والصابرة على متابعة أحداث تقترب من نصف قرن من الزمان، رواية تحمل كثيرا من الشفرات والرموز العميقة في زمن اتمتة الكتابة، والكتابة بالوكالة!
وربما على طريقة التوقعات السنوية التي نشهدها كل بداية عام جديد، يفتتح الكاتب الرواية بمشهد طائرة، ويختتمها بطائرة، ولكن شتان ما بين المشهدين، أما شخصيات "سكولا" فهم كأسماك السالمون دوما يسبحون ضد التيار، هذه الشخصيات لكثرتها ارتأ الكاتب أن يضع فهرسا كاملا في أول الرواية للشخصيات، مع وصف لكل شخصية مصنف على حسب أهمية وتأثير الشخصيات، مع نهايات مفتوحة ودائرية لبعض الشخصيات، وكانت رواية سكولا الرواية من الأكثر مبيعا في معرض القاهرة الدولي للكتاب في نسخته الـ 56.

تنقل رواية "سكــــولا" القارئ إلى عالم سحري بدءً من سحر العنوان والزمان والمكان، فالاسم رمزي يحمل أكثر من دلالة ورمزية، ويلعب الكاتب على مصفوفة رقمية من مضاعفات الرقم (6)، وكأنها شفرة دافينشي أو لوحة العشاء الأخير.
سكولا بـ 36 لغة تعني مدرسة، أحداث الرواية تحدث في 36 سنة من عمر مصر1952-1989،عدد الشخصيات الفاعلة 18 شخصية، كل جيل يمثل 18 سنة من تاريخ مصر، عدد حكام مصر في تلك الفترة 6 (5 رؤساء + 1 ملك) ، وتجري الأحداث في 6 قارات، وما لم أتمكن مِن معرفته ما رمزية الرقم (6) ومضاعفاته في هذه الرواية.
وعدد شخصيات الرواية لم يكن أقل إبهارًا من الرواية ذاتها؛ حوالي 120 شخصية ما بين شخصيات رئيسية، محوريه، وثانوية.
مصر بتقلباتها التاريخية من الملكية، للجمهورية، من الديكتاتورية، للديموقراطية، من الزراعية، للصناعية، لتفتيت الرقعة الزراعية، للانفتاح، من النكسة للاستنزاف، للنصر، للسلام، لقطيعة الأشقاء، لعودة مصر لحضن الوطن تؤثر بشكل مباشر على أبطال الرواية من ابن الاقطاعي، لابن الفلاح، لابن الشيوعي، لابن الضابط، لابن الشيخ، لابن التاجر، لبنت الراقصة، لابن المهلباتي... الخ. لم يكن ليجمع كل هؤلاء إلا مدرسة.
أبهرني فردية وتفرّد كل شخصية، وأكثر ما أدهشني هو عدد ودقة نسج تلك الخيوط البينية بين كل شخصية والأخرى.
قلم الكاتب متفرد في الوصف، السرد، اعتناؤه بأدق تفاصيل بناء الشخصية يُدرّس من حيث اتقان اللهجات ولسان كل شخصية على حسب مسقط رأسه ومستوى تعليمه، ويصدق على هذه الرواية بحق وصف أنها حجر رشيد العصر الحديث.






