01 - 02 - 2026

حكومة جديدة أم تجديد السياسة

حكومة جديدة أم تجديد السياسة

في كل مرة يقترب فيها موعد تغيير حكومي في مصر، يتجدد النقاش في الدوائر السياسية والإعلامية حول الأسماء المحتملة والوجوه الراحلة والحقائب التي ستتبدل. من يغادر، ومن يبقى، وأي وزير سيحمل أي ملف. غير أن هذا الجدل، على كثافته، يظل في جوهره نقاشًا جزئيًا، ينشغل بالقشرة أكثر مما يقترب من الجوهر، ويدور حول التفاصيل لا حول الأساس.

فالمسألة، في حقيقتها، ليست حكومة جديدة بقدر ما هي سؤال أعمق عن السياسة ذاتها: عن الاتجاه العام، وعن منطق إدارة الدولة في لحظة تاريخية شديدة التعقيد. السؤال المركزي ليس من سيأتي ومن سيرحل، بل ماذا تريد الدولة أن تفعل، وكيف، ولمصلحة من؟ 

هل المطلوب مجرد تعديل إداري في الطاقم التنفيذي، أم مراجعة أوسع للفلسفة التي تحكم إدارة الاقتصاد والسياسة والمجتمع؟

التجربة المصرية، تاريخيًا، تُظهر أن تغيير الحكومات لم يكن بالضرورة لحظة تحول سياسي. في كثير من الأحيان، جاء التغيير كأداة لامتصاص غضب، أو إرسال رسالة طمأنة، أو إعادة ترتيب داخلية، دون مساس حقيقي بجوهر السياسات. 

مع تكرار هذا النمط، ترسخ لدى الرأي العام شعور بأن الحكومات تتغير بينما الأزمات تبقى، وأن الوجوه تتبدل فيما اللغة واحدة، والقرارات الكبرى لا تخضع لنقاش عام فعلي.

اليوم، لم يعد هذا الأسلوب كافيًا. فمصر تواجه مأزقًا مركبًا لا يمكن اختزاله في أزمة واحدة أو معالجته بحلول جزئية. 

نحن أمام وضع متعدد الجبهات، تتداخل فيه الضغوط الإقليمية مع الاختناقات الاقتصادية، ومع أزمة داخلية صامتة تتعلق بطبيعة المجال العام وآليات صنع القرار. 

في هذا السياق، يصبح تغيير الحكومة، إذا لم يكن تعبيرًا عن تغيير أوسع في السياسة، إجراءً إداريًا محدود الأثر.

على المستوى الإقليمي، تقف مصر أمام مشهد بالغ الاضطراب. النيران تشتعل في محيطها كله تقريبًا: شرقًا حيث فلسطين على صفيح ساخن يُعاد فيه تشكيل ميزان القوة بالقوة الغاشمة. وغربًا حيث ليبيا ما زالت عالقة في هشاشة مزمنة، وجنوبًا حيث أزمات السودان تلقي بظلال ثقيلة على الأمن القومي، وشمالًا حيث يتحول البحر المتوسط إلى ساحة تنافس محموم على الطاقة والنفوذ.

الأخطر من تعدد هذه الجبهات ليس فقط خطرها المباشر، بل ما يصاحبها من محاولات لإعادة رسم الخرائط الإقليمية بما يكرّس غياب مصر أو يُقزّم دورها التاريخي. 

هذا التغييب لا يُفرض من الخارج وحده، بل يجد فرصته حين تنكفئ الدولة على إدارة أزماتها الداخلية دون رؤية سياسية إقليمية متماسكة، وحين تتحول السياسة الخارجية إلى رد فعل لا إلى مبادرة.

وفي قلب هذا المشهد المضطرب، تبرز الأزمة الاقتصادية بوصفها جبهة لا تقل خطورة. 

مسلسل الديون المتراكمة لم يعد مجرد أرقام في الموازنات، بل واقعًا ضاغطًا يحد من قدرة الدولة على الحركة، ويثقل كاهل المواطنين الذين يواجهون أزمات معيشية متراكبة. ارتفاع الأسعار، تآكل الدخول، وتراجع الطبقة الوسطى ليست ظواهر منفصلة، بل نتائج مباشرة لنموذج اقتصادي يدار بعقلية إدارة الأزمة لا الخروج منها، ويحمّل المجتمع كلفة التكيف دون أفق واضح أو إحساس عادل بتوزيع الأعباء.

وهنا يتضح أن السياسة الاقتصادية ليست شأنًا تقنيًا محضًا، بل قرارًا سياسيًا بامتياز. 

حكومة جديدة تعمل داخل الإطار نفسه ستجد نفسها أسيرة المأزق ذاته، مهما تغيرت الأسماء. 

أما تجديد السياسة، فيعني فتح نقاش جدي حول أولويات الإنفاق، وحدود الاقتراض، ودور الدولة، وكيفية حماية الفئات الأكثر هشاشة، لا باعتبار ذلك ترفًا، بل شرطًا للاستقرار الاجتماعي.

الجبهة الثالثة، والأعمق أثرًا على المدى الطويل، هي جبهة الداخل السياسي. 

على مدار ما يقرب من خمسة عشر عامًا، عاشت مصر حالة من انكماش المجال العام، وتراجع السياسة بوصفها آلية طبيعية لإدارة الخلاف والتنوع. 

في هذا الفراغ، تقدمت المقاربة الأمنية لتصبح المنهج الغالب في التعامل مع أزمات متكررة، لا كحل استثنائي، بل كقاعدة دائمة. 

النتيجة لم تكن فقط إضعاف الأحزاب أو تهميش النخب، بل إفقار المجال العام من النقاش، وتحويل السياسة إلى شأن مغلق، فيما تتراكم المشكلات دون قنوات تصحيح.

غياب السياسة لا يلغي الأزمات، بل يؤجل انفجارها ويزيد تعقيدها. 

ومن هنا، فإن تجديد السياسة لا يعني الفوضى أو الانفلات، بل استعادة توازن ضروري بين الأمن والسياسة، بين الحسم والمشاركة، وبين مركزية القرار والحوار المجتمعي. 

وهو مسار لا يمكن أن تقوم به حكومة بمفردها، لكنه لا يبدأ أيضًا دون إرادة سياسية واعية.

في هذا الإطار، يصبح الرهان على تغيير حكومي دون تغيير في طريقة التفكير رهانًا ناقصًا. 

الحكومة أداة تنفيذ، وليست مصدر رؤية. وحين تغيب الرؤية، تتحول الأدوات، مهما تبدلت، إلى إعادة إنتاج للأزمة. 

النخبة السياسية المصرية مطالبة بأن تنقل النقاش من الأشخاص إلى السياسات، ومن إدارة اللحظة إلى التفكير في المسار، لأن المجتمعات لا تتغير بتبديل الوجوه وحده، بل بتجديد الأفكار التي تحكم الفعل العام.

التجديد السياسي المقصود هنا لا يعني انقلابًا على الدولة أو قطيعة مع مؤسساتها، بل محاولة لإنقاذ السياسة من الجمود، وإنقاذ الدولة من إدارة الأزمات بمنطق رد الفعل. 

يبدأ ذلك بالاعتراف بالاختلالات، وبأن بعض الخيارات التي بدت مبررة في لحظة ما لم تعد كافية اليوم، وبالاستعداد لفتح نقاش صريح حول المستقبل.

في النهاية، نحن أمام لحظة اختبار حقيقية: إما الاكتفاء بحكومة جديدة أو مجددة تُدير الواقع كما هو، أو الشروع في تجديد السياسة بوصفه شرطًا للخروج من مأزق متعدد الجبهات. الخيار الأول يمنح هدنة قصيرة، أما الثاني، رغم صعوبته، فهو الطريق الوحيد لبناء استقرار مستدام، واستعادة دور إقليمي فاعل، وتخفيف العبء عن مجتمع لم يعد يحتمل إدارة الأزمات بلا أفق.

بين هذين الخيارين، لا يُحسم مصير الحكومة القادمة فحسب، بل تُرسم ملامح الدولة ومسارها خلال السنوات الأربع المقبلة.
--------------------------------
بقلم: محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب

زياد.. في غيبته حضور