09 - 02 - 2026

من الشارع الأميركي إلى حافة الحرب مع إيران: أميركا الترامبية إلى أين؟

من الشارع الأميركي إلى حافة الحرب مع إيران: أميركا الترامبية إلى أين؟

من يتابع سلوك وتصرفات الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ انطلاق فترته الرئاسية الحالية، يدرك أن ما يجري لم يعد مجرد اختلاف في الأسلوب أو خروج عن الأعراف الدبلوماسية التقليدية، بل أقرب إلى مشروع صدامي شامل يستهدف تفكيك ما تبقى من النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. ذلك النظام، ورغم ما شابه من نفاق وهيمنة وانتقائية، كان يشكّل حدًا أدنى من الضبط المؤسسي للعلاقات الدولية، ويحول - نظريًا على الأقل - دون الانزلاق إلى فوضى عالمية شاملة بلا قواعد.

ترامب لا يتعامل مع الدولة الأميركية بوصفها مؤسسة ذات تقاليد دستورية راسخة، بل كأنها شركة خاصة تُدار بعقلية الصفقات التجارية الصفرية: رابح مطلق أو خاسر مطلق. ومن هذا المنطلق يمكن فهم سلوكه تجاه الداخل الأميركي، حيث سعى إلى تحطيم التوازن بين السلطات، والاستهانة بالمحاكم، وتسييس القضاء، وتقويض الإعلام، وتحويل المجتمع إلى معسكرات متصارعة تقوم على العرق والخوف والتحريض. لم يعد العقد الاجتماعي أولوية، بل استُبدل بمنطق التعبئة الغريزية بوصفه الأداة الأساسية للحكم وإدارة الصراع الداخلي.

والمظاهرات التي تجتاح الشارع الأميركي اليوم لم تكن حدثًا طارئًا أو انفجارًا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التفكيك والتأزيم. احتجاجات تتسع رقعتها في مختلف المدن الأميركية، وتتصاعد حدتها، وتعكس فقدان شرائح واسعة من الأميركيين الثقة بمؤسسات الحكم، وشعورًا متناميًا بأن الدولة لم تعد تمثلهم، بل تعمل ضدهم. وبدل أن تُقابل هذه المظاهرات باعتبارها تعبيرًا مشروعًا عن أزمة اجتماعية وسياسية عميقة، جرى التعامل معها بآليات أمنية وقمعية، يترافق معها خطاب تخوين وتحريض يطال المتظاهرين أنفسهم، في مشهد يذكّر بالأنظمة الدكتاتورية التي لطالما ادّعت واشنطن أنها تناهضها. وهكذا لم تعد المظاهرات هامشًا في المشهد الأميركي، بل تحولت إلى مرآة تعكس عمق الأزمة، وإلى مؤشر خطير على تآكل شرعية السلطة في عيون مواطنيها.

هذا التفكك في الداخل الأميركي ينعكس مباشرة على السياسة الخارجية، حيث تُدار العلاقات الدولية بمنطق الهروب إلى الأمام. فبدل معالجة جذور الغضب الاجتماعي والسياسي في الداخل، يجري تصدير التوتر إلى الخارج، وتحويل الأزمات الدولية إلى ساحات استعراض للقوة. أوروبا، الحليف التاريخي، لم تعد شريكًا بل عبئًا يجب ابتزازه. حلف الناتو تحوّل في خطاب ترامب إلى شركة حماية مأجورة، وأُفرغت فكرة الأمن الجماعي من مضمونها. في أميركا اللاتينية عاد منطق الوصاية والتدخل الفج، وفي آسيا تُدفع المنطقة نحو صدامات مفتوحة مع الصين وكوريا الشمالية دون رؤية استراتيجية متماسكة أو أفق سياسي واضح.

غير أن أخطر تجليات هذا النهج تظهر في الشرق الأوسط، حيث تهاوت كل الادعاءات الأميركية حول القانون الدولي وحقوق الإنسان. العلاقة بين واشنطن وطهران دخلت مرحلة شديدة الخطورة، تقوم على سياسة حافة الهاوية: لغة تهديد مباشر، حشود عسكرية، ضربات غير معلنة، وحرب استخباراتية مفتوحة. إدارة ترامب لا تسعى إلى تسوية أو تفاوض متوازن، بل إلى فرض الاستسلام الكامل أو جرّ المنطقة إلى مواجهة واسعة، مع إدراكها أن أي حرب مع إيران لن تكون محدودة ولا قابلة للضبط.

هذا التصعيد لا يُقدَّم بوصفه ضرورة أمنية، بل كجزء من استعراض القوة ومحاولة إعادة إنتاج صورة الرئيس القوي في مواجهة شارع غاضب، ومؤسسات مأزومة، وهيبة داخلية تتآكل. إيران هنا ليست سوى ساحة اختبار، حتى لو كان الثمن استقرار الشرق الأوسط بأكمله، وتهديد طرق الطاقة العالمية، وإشعال صراعات قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الإقليم.

وهنا لا يمكن تجاهل الدور المركزي للتحالف الأميركي ـ الإسرائيلي، ودور اللوبيات الصهيونية التي تمسك بزمام التأثير في إدارة ترامب وسياساتها الخارجية. لقد منحت هذه الإدارة الكيان الصهيوني، سياسيًا وعسكريًا، شيكًا مفتوحًا غير مسبوق: دعمًا مطلقًا للحروب، وشرعنة للاحتلال والاستيطان، وتماهيًا كاملًا مع الرؤية الإجرامية للكيان التي ترى في إيران عدوًا وجوديًا. وهذا لا يمكن فصله عن شبكة مصالح صهيونية عابرة للحدود، تتخذ من الحليف الأميركي ـ ومعه الأوروبي ـ أداة لبسط النفوذ والتمدد قدر الإمكان في محيطها الإقليمي.

قرارات مثل نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وشرعنة الاستيطان، والاعتراف بضم الجولان السوري، وتوفير الغطاء الكامل لجرائم الكيان في غزة ولبنان، لم تكن مجرد انحياز تقليدي، بل إعلانًا رسميًا عن دفن فكرة الوسيط، ونسف ما تبقى من نظام دولي قائم على القواعد. وهنا يتقاطع جنون الفرد مع مصالح اللوبيات الصهيونية، لا بوصفه مؤامرة كونية مجردة، بل كتحالف فجّ بين سلطة مأزومة وقوى لا ترى في العالم سوى ساحة مفتوحة لاختبار القوة وفرض الأمر الواقع.

ما يفعله ترامب وفريقه ليس سلسلة سياسات خاطئة قابلة للتصحيح، بل عملية تآكل ممنهجة لفكرة الاستقرار العالمي ذاتها. عالم بلا قواعد، وبلا مؤسسات ضابطة، وبلا قيم جامعة، هو عالم مرشح للانفجار. والتاريخ يعلّمنا أن انهيار النظام لا يولّد الحرية، بل يولّد الفوضى… والفوضى لا تخدم إلا الأقوى والأكثر توحشًا.

إن أخطر ما في هذا الجنون الرسمي لترامب وإدارته أنه لا يبدو جنونًا عابرًا أو نزوة سياسية مؤقتة، بل تعبيرًا صارخًا عن أزمة بنيوية عميقة في النظام الأميركي نفسه: أزمة دولة تتصدع من الداخل، وتواجه غضب شوارعها بالقمع، وتغطي فشلها بتصعيد خارجي. وحين تتحول الدولة الأقوى في العالم إلى عامل زعزعة لا استقرار، يصبح السؤال الحقيقي ليس: إلى أين يتجه العالم؟ بل: كم سيدفع من الثمن قبل أن يتوقف هذا الانحدار؟
------------------------------
بقلم: محمد الحمامصي


مقالات اخرى للكاتب

من الشارع الأميركي إلى حافة الحرب مع إيران: أميركا الترامبية إلى أين؟