الضوء "يسقط" على اللوحة في الرسم التقليدي، أما في الرسم على الزجاج والبلاستيك الشفاف، فالضوء "يسكن" اللوحة. فاللون على الزجاج لا يستمد حياته من ذاته، بل من الضوء الذى يعبره. إنه فن يتغير بتغير ساعات النهار. اللوحة في الصباح هي قصيدة تفاؤل بظلال فاتحة، وفي الغروب تتحول إلى مرثية عميقة بظلال طويلة ودافئة. الضوء هنا ليس مجرد عامل خارجي، بل هو "الروح" التي تنفخ في جسد اللون الخام.
الشفافية تمنح الفن بعدا "مراوغا". الأسطح مثل البلاستيك والزجاج تمتلك قدرة على الانعكاس والشفافية في آن واحد. فالمشاهد يرى اللوحة، ويرى نفسه منعكساً عليها، ويرى ما وراءها من فضاء. هذا يخلق "حالة من السيولة البصرية" تحطم الحدود بين (الأنا) و(العمل الفني) و(الواقع الخارجي). إنها دعوة للتخلي عن النظرة الأحادية للأشياء
هذا الفن يعتمد على الرسم على أحد أوجه الزجاج بحيث يرى العمل من الوجه الآخر، وهو ما يتطلب دقة فنية مقلوبة.

الفنان فاسيلي كاندينسكي
وهناك العديد من الفنانين المشاهير الذين تناولوا الرسم على الزجاج منهم "فاسيلي كاندينسكي" رائد التجريد، وقد استلهم هذا الفن من الفولكلور البافاري الشعبي، وقام برسم مجموعة من الأعمال التجريدية الصغيرة على الزجاج التي تميزت بألوانها الروحانية العميقة.
والفنانة "غابرييل مونتر" كانت من أبرز من أحيوا هذا الفن في بدايات القرن العشرين، وجمعت فيه بين البساطة الفطرية وقوة التعبير اللوني.

الفنانة غابرييل مونتر
وتعد تجربة بابلو بيكاسو في الرسم على الزجاج (أو ما يعرف تقنيا ـ Gemmaux) واحدة من أكثر فتراته إثارة للدهشة، رغم أنها أقل شهرة من لوحاته الزيتية. بدأت هذه الرحلة في منتصف الخمسينيات حينما تعاون مع الفنان والفيزيائي الفرنسي "جان كروتي".
في اللوحات التقليدية، يسقط الضوء على السطح، أما في الرسم على الزجاج، فالضوء ينبعث من خلال العمل.
رأى النقاد أن بيكاسو نجح هنا في تحويل "المادة الصماء" إلى "روح شفافة". بدلا من استخدام الفرشاة، كان يتعامل مع طبقات من الزجاج الملون المحطم والمصفوف بعناية، مما أعطى أعماله بعدا سماويا يذكرنا بالنوافذ الكاتدرائية، لكن بروح حداثية ثائرة.
تميزت التقنية فى هذه الأعمال بتراكم طبقات الزجاج فوق بعضها البعض دون استخدام الرصاص الفاصل (كما في الزجاج المعشق التقليدي)، بل باستخدام مادة لاصقة شفافة. هذا الأسلوب سمح لبيكاسو بالحفاظ على "عنفوان" خطوطه التكعيبية مع إضافة بريق لا يمكن للألوان الزيتية تحقيقه. النقاد وصفوا هذه الأعمال بأنها "رسم بالضوء" وليس مجرد تلوين لسطح زجاجي.
لم يبتكر بيكاسو مواضيع جديدة كليا للزجاج، بل أعاد تنفيذ أشهر لوحاته (مثل "آنستات أفينيون" وصور "دورا مار").
ويرى المحللون أن إعادة تنفيذ هذه اللوحات على الزجاج كان محاولة من بيكاسو "لاختبار خلود" أفكاره. الزجاج لا يبهت، والضوء يمنح الشخصيات حياة متجددة كلما تغيرت زاوية الإنارة. لقد كان يبحث عن "النسخة المضيئة" من عبقريته
بابلو بيكاسو
بابلو بيكاسو
بابلو بيكاسو
بابلو بيكاسو
ومن المعاصرون والمتمردون على المادة الفنان السويسري "سيمون بيرجر"، الذى لم يستخدم الألوان بل يستخدم "المطرقة" التى تقوم بتهشيم زجاج السيارات بضربات مدروسة بدقة متناهية ليخلق بورتريهات بشرية واقعية جداً من خلال شقوق الزجاج فقط.
وديل تشيهولي. رغم أنه يُعرف كنحات زجاج، إلا أن أعماله (خاصة السلسلة التي تتدلى من السقوف) هي في جوهرها رسم بالزجاج في الفضاء. هو يتلاعب بالشفافية واللون بطريقة تجعل المنحوتة تبدو وكأنها بقعة زيتية تسبح في الهواء.
ومن الفنانين العرب الذين برعوا في هذا المجال:
- محمد زينهم (مصر): فنان وأكاديمي مصري رائد في فن الزجاج، تميزت أعماله بالدمج بين القيم التشكيلية الحديثة والتقنيات التقليدية، وله مدرسة خاصة في "الرسم بالضوء واللون" عبر الزجاج المعشق والمسطح.
- فاطمة الطناني (مصر): من أوائل الفنانات اللواتي تخصصن في الزجاج المعشق، وعملت على تحويل هذا الفن من مجرد حرفة معمارية إلى فن تشكيلي يحمل رؤية ذاتية.
- وحنان ألفي فنانة مصرية معاصرة تخصصت لأكثر من 30 عاماً في الرسم على الإكريليك والزجاج، حيث تمزج بين الأيقونات القبطية والمناظر الطبيعية بأسلوب شفاف ومبهج.
ويُعد الرسم على الزجاج والأسطح الشفافة (مثل البلاستيك والإكريليك والمرايا) من الأدوات الفعالة والمميزة في العلاج بالفن (Art Therapy). ولا يستخدم هنا لأغراض جمالية فحسب، بل لخصائصه الفيزيائية التي تحمل دلالات نفسية عميقة.
ويطلب من الشخص أحيانا الرسم على وجهي الزجاج؛ الوجه الأمامي يمثل ما يظهره للناس، والوجه الخلفي يمثل مشاعره الدفينة.

نماذج للتعبير والعلاج من خلال الرسم على الزجاج
إن الرسم على البلاستيك الشفاف يساعد الأشخاص الذين يعانون من "غموض الهوية" أو التشتت على محاولة "تأطير" مشاعرهم فوق سطح واضح لا يحجب الرؤية، مما يمنحهم شعوراً بالسيطرة والوضوح.
وبما أن الرسم على الزجاج يتغير بتغير الضوء الساقط عليه. فاللوحة الزجاجية تبدو مختلفة تحت ضوء الشمس عنها في الظلام، كذلك مشكلات الحياة تتغير وطأتها بناء على الطريقة (أو الضوء) الذي نسلطه عليها.
أيضا يستخدم الرسم على المرايا لمواجهة "صورة الذات". الرسم فوق انعكاس الوجه يساعد في علاج اضطرابات الأكل أو انعدام الثقة بالنفس، حيث يدمج الشخص ملامحه الحقيقية مع الألوان التي تعبر عن حالته الداخلية.
ويستخدم البلاستيك والإكريليك للأطفال كبديل آمن للزجاج. ويساعد ملمس الألوان الانسيابي على البلاستيك فى التخلص من القلق، لأن المسح والتعديل عليه أسهل من الورق، مما يشجع على العفوية.
ومن الفوائد النفسية المباشرة لهذا النشاط هو تفريغ الغضب، فإن النقش على الزجاج يساعد في تفريغ شحنات الغضب المكتومة، وتحسين التركيز لأن الرسم على الزجاج يتطلب دقة عالية وهدوءا، مما يدخل الشخص في حالة من "التدفق الذهني التي تشبه التأمل.
أيضا فإن ملمس الزجاج البارد ونعومة البلاستيك توفر تجربة حسية غنية تساعد في تهدئة الاشخاص الذين يعانون من القلق الحاد.
إن العلاج بالفن من خلال الزجاج أو البلاستيك ليس مجرد وسيط، بل هو مرآة للروح؛ فمن خلال تلوين شفافيته، يبدأ الشخص في تلوين الجوانب الباهتة أو المكسورة في حياته.
---------------------------
بقلم: د. سامى البلشى
نماذج للتعبير والعلاج من خلال الرسم على الزجاج
نماذج للتعبير والعلاج من خلال الرسم على الزجاج
نماذج للتعبير والعلاج من خلال الرسم على الزجاج
نماذج للتعبير والعلاج من خلال الرسم على الزجاج
نماذج للتعبير والعلاج من خلال الرسم على الزجاج






