02 - 02 - 2026

العربدة الصهيونية (3) | اختطاف مادورو.. حين تكتمل دائرة الهيمنة

العربدة الصهيونية (3) | اختطاف مادورو.. حين تكتمل دائرة الهيمنة

ما يجري في العالم اليوم لا يمكن قراءته بوصفه سلسلة أزمات متفرقة، ولا باعتباره صداماتٍ عشوائية فرضتها الظروف.

نحن أمام مسارٍ متكامل، له عقل واحد، وأدوات متعددة، وأهداف ثابتة، تتبدل فيها الساحات بينما تبقى القاعدة ذاتها الهيمنة الشاملة، وكسر كل من يرفض الخضوع.

من فلسطين إلى لبنان وسوريا، والعراق مرورًا بإيران والسودان وليبيا واليمن، ثم القفز إلى القرن الإفريقي عبر صومالي لاند، المحطات كثيرة والعبث الصهيونية "الأمريكي الإسرائيلي" متنوع منذ إبادة الهنود الحمر ووصولًا إلى فنزويلا ومحاولة اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو سياسيًا وأمنيًا.. يتكشف وجه مشروع قديم بوسائل جديدة، العربدة الصهيونية العالمية المتحالفة عضويًا مع الولايات المتحدة.

من الفكرة الصهيونية إلى منظومة الهيمنة

الصهيونية، منذ تشكّلها كفكرة في أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن مجرد مشروع “وطني” كما قُدِّم لها دعائيًا، بل كانت استجابة استعمارية ذكية لحاجة الغرب إلى كيان وظيفي متقدم، يحرس مصالحه في الشرق، ويمنع تشكّل أي قوة مستقلة في قلب العالم القديم.

مع قيام إسرائيل، لم تبدأ القصة، بل دخلت مرحلة التنفيذ.

ومع التحالف الأمريكي - الإسرائيلي، تحولت الصهيونية من كيان محلي إلى جزء مركزي من منظومة إدارة العالم عسكريًا، أمنيًا، اقتصاديًا، وإعلاميًا.

فلسطين الجريمة المؤسسة

في فلسطين، تتجلى العربدة في أوضح صورها، احتلال بلا سقف، قتل بلا محاسبة، حصار بلا رحمة، وتدمير ممنهج لمعنى الإنسان نفسه. لكنها ليست مجرد جريمة مستمرة، بل قاعدة اختبار دائمة لكل أدوات السيطرة الحديثة.

ما يُجرَّب على الفلسطينيين اليوم، يُعاد إنتاجه غدًا في أماكن أخرى .. الحصار، العقوبات، تجويع الشعوب، تشويه الضحية، وتحويل المقاومة إلى “إرهاب”.

لبنان وسوريا إدارة الفوضى لا إنهاؤها

في لبنان، لم يكن الهدف يومًا “نزع سلاح” طرف بعينه، بل كسر فكرة الردع ومنع قيام نموذج مقاوم يفرض معادلة جديدة.

وفي سوريا، لم يكن المطلوب فقط إسقاط نظام، بل تفكيك دولة أو إبقاؤها في حالة إنهاك دائم، بحيث لا تشكل خطرًا ولا تمتلك قرارها.

هنا تظهر مهارة المشروع

لا انتصار كامل ولا هزيمة نهائية، بل فوضى مضبوطة تخدم المصالح الكبرى.

إيران واليمن العقاب

إيران ليست مستهدفة لأنها دولة “خطرة”، بل لأنها دولة لها مصالح في نفس منطقة الصراع في عالم لا يسمح بذلك.

واليمن لم يُحاصر لأنه فقير، بل لأنه لديه مقومات  السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

العقوبات، الحروب بالوكالة، الاغتيالات، والتحريض الإعلامي ليست أدوات ردع، بل أدوات تأديب لكل من يفكر في الخروج عن النص المرسوم.

صومالي لاند: تفكيك الدول من الأطراف

العبث بصومالي لاند يكشف مرحلة أكثر نعومة في العربدة .. دعم كيان انفصالي هش، بلا شرعية دولية، مقابل موطئ قدم استراتيجي على البحر الأحمر وخطوط التجارة العالمية.

هنا لا حاجة لاحتلال مباشر، يكفي الاستثمار في الانقسام، وتسويق الانفصال كحل، وتحويل التفكك إلى “شراكة”.

فنزويلا ومادورو الهيمنة بلا حدود جغرافية

محاولات اختطاف مادورو - سواء عبر الانقلاب، أو الاغتيال، أو العزل السياسي - ليست إلا حلقة جديدة في السلسلة ذاتها.

فنزويلا تمتلك ثروة نفطية هائلة، وقرارًا سياديًا، وموقفًا سياسيًا خارج الطاعة الأمريكية.

في هذه الحالة، تلتقي المصالح الأمريكية مع المنظومة الصهيونية العالمية عند نقطة واحدة .. منع أي نموذج سيادي داعم لمحور الرفض العالمي، والسيطرة على الموارد بأي ثمن.

العقوبات، المرتزقة، الحصار المالي، والتشويه الإعلامي هي النسخة اللاتينية من الأدوات نفسها التي استُخدمت في الشرق الأوسط.

عالم تحت السيطرة بالقوة

ما نراه اليوم ليس فوضى، بل نظام هيمنة يُدار بالفوضى.

ليست أخطاء سياسية، بل استراتيجية طويلة المدى.

وما يُسمّى “دفاعًا عن الديمقراطية” ليس سوى غطاء أخلاقي لنهب الموارد، وكسر الإرادات، وإعادة تشكيل العالم وفق مصالح ضيقة تلبس ثوب القيم.

العربدة الصهيونية لم تعد حبيسة فلسطين، لكنها تبدأ منها دائمًا، وتعود إليها كمرآة تكشف حقيقة المشروع كله، ومن لا يرى الترابط بين هذه الساحات، سيبقى أسير الرواية المجزأة، عاجزًا عن فهم ما يحدث، أو عن إدراك أن الدور قد يصل إليه عاجلًا أم آجلًا.

التاريخ لا يعاقب على المقاومة، بل يعاقب على الوهم بأن الصمت يحمي أصحابه.
-------------------------------
بقلم: حاتم نظمي

مقالات اخرى للكاتب

ثروات فلسطين | قراءة في الحجم، والتوزيع، والمكانة الإقليمية والدولية