في ستينات القرن الماضي، كانت بريطانيا تتقلب على موج التحولات الكبرى، مصانع تفتح صدورها لعمال جاؤوا من أقاصي العالم، ومدن تزداد صخبا وامتلاء، وبشر يصلون إلى هذه البلاد بثياب العمل لا بثياب الرحلة، حاملين معهم لغة لا تشبه الإنجليزية، وطقوسا لا تعرفها الحدائق البريطانية، وقلوبا أثقلها الحنين. في تلك السنوات، لم يكن المسلمون يتقدمون إلى بريطانيا بخطوات واثقة، بل كانوا يدخلونها بأقدام مترددة، وعيون تراقب البعيد القريب. كانوا يظنون أن مقامهم مؤقت، وأن العودة إلى الوطن قريبة، وأن هذه البلاد مجرد مرحلة لن تطول. لكن الأعوام تكشفت عن مصير آخر، فقد بقي المهاجرون، وولد الأبناء، وامتدت الجذور ببطء مثل جذر شجرة يكتشف فجأة أنه ارتاح في تربة جديدة. ومع الزمن أدرك هؤلاء أنهم لا يستطيعون العيش بلا ظل روحي يحميهم من شمس الاغتراب الحارقة. فبدأوا دون إعلان، دون نظريات، دون كتب في صناعة ما يشبه الوطن الصغير داخل الوطن الكبير، مساجد، ومدارس، وجمعيات. كانت تلك اللبنات الأولى لملامح هوية تتشكل، كأنها نقش يبدأ على صفحة حجر.
لم تكن المساجد الأولى في بريطانيا صروحا ترى من بعيد. كانت أبوابا خجولة في ممرات ضيقة، أو غرفا مستأجرة فوق دكاكين البقالة، أو مستودعات قديمة تفرش بسجاد مهترئ يشبه حكايات المهاجرين.
كان العمال يعودون من المصانع بوجوه غطاها غبار الفحم، ويقفون في الصف، فينسون تعبهم للحظات، ويسمعون الإمام يقرأ، فيتنفسون هواء يشبه هواء أوطانهم، ويحسون أن تلك الغرفة الضيقة تتسع حتى تصبح قربا من الله ومن قلوبهم التي تتصدع. لم يكن المسجد آنذاك مكانا يتسع للجسد، بل مكانا يتسع للروح.
في تلك البدايات، كان المسجد أشبه بمجلس عربي قديم، أو ديوان آسيوي يلتقي فيه الناس ليتحدثوا عن كل شيء، عن الغربة، وعن العمل، وعن الزواج، وعن أولاد ضائعين بين لغتين، وعن شوق لم يخمد.
كان المسجد يعقد صلحا بين زوجين، ويفتح بابا أمام محتاج، ويجمع تبرعات لعائلة أصابها حزن، ويشكل لجنة تبحث عن سكن لعامل لا يعرف الإنجليزية. هنا، داخل ذلك الفضاء المتواضع، بدأت ملامح الجماعة تتكون، ووجوه تتعارف، وقلوب تتآلف، وأحزان تتشارك، ومسلمون كانوا يظنون أنهم غرباء فإذا بهم يجدون إخوة. هكذا صار المسجد بيت الهوية، وسقف الروح، ودفء الأيام الصعبة.
مع مرور الزمن، وبخاصة في النصف الثاني من الستينات، أدركت الجالية أن وجودها ليس مؤقتا. بدأت الأفكار تتغير، وبدأ الحلم يتسرب إلى العقول. لماذا لا نشتري مبنى؟
لماذا لا نبني مسجدا حقيقيا؟ لماذا لا يكون لنا مكان يشبه مساجد بلادنا؟ وبدأت التبرعات تجمع. قليل من المال، كثير من الإصرار. فشيئا فشيئا ظهرت مآذن صغيرة هنا، وقاعات واسعة هناك، ومساجد أخذت تضع أول حروف اسمها فوق خارطة المدن البريطانية. لم تكن هذه الأبنية مجرد حجارة، كانت إعلانا ناعما بأن المسلمين لن يظلوا عابرين.
ولد آلاف الأطفال المسلمين في تلك السنوات، وكانوا يدخلون المدارس البريطانية كل صباح، ويعودون إلى بيوتهم حاملين لغة جديدة، وثقافة مختلفة، وأسئلة لم يعرف لها الآباء جوابا.
أدرك الوالدان اللذان لم يعرفا في طفولتهما إلا مدرسة القرية أو الكتاب أن أبناءهم ينسلون من بين أصابع الهوية انسلالا بطيئا، فلا العربية باقية، ولا القرآن محفوظ، ولا التصورات الدينية مستقرة.
حينها أدركت الجالية، بألم يشبه وخز الحقيقة، أن المسجد وحده لا يكفي لحماية أبنائها من تيه الهوية. ومن ذلك الإدراك ولدت مدارس نهاية الأسبوع، تلك المدارس البسيطة التي كانت سبورتها معلقة على الحائط، والطباشير محفوظة في صندوق معدني، وإمكاناتها لا تتجاوز ما يجود به المتطوعون.
ومع ذلك، كانت هذه المدارس بداية التعليم الإسلامي الذي حمل عبء حفظ الجذور للأجيال الجديدة.
كانت تلك المدارس تولد في أماكن لا تشبه المدارس ، غرفة صغيرة في طرف مسجد يتكئ على الزمن، أو قاعة متداعية في مبنى نسيته الشوارع، أو شقّة يتصدع جدارها قليلا، لكنها تتسع كل أسبوع لقلوب صغيرة تبحث عن جذورها.
وكانت أدوات العلم فيها تشبه متاع المسافر، قليلة، لكنها عزيزة. سبورة سوداء تعلق على الحائط كنافذة إلى عالم آخر، وطرابيش خشبية تبقى آثار الأصابع عليها دليلا على رحلة طويلة، وكتب نحيلة تفتح برفق، كأن صفحاتها تخشى أن تتساقط من شدة القدم. ورغم بهاء الفقر الذي يكسوها، كانت تلك المدارس تحرس الهوية كحارس يقظ في ليل طويل تحرس الحرف وهو يتعثر ثم ينهض، وتحرس سورة الفاتحة وهي تتلون بلهجات الصغار، وتحرس حديثا نبويا يتردد فوق ألسنة بريئة تحاول أن تحفظ ما تحب، وتحرس ما بقي من طفولة شرقية تكاد تذوب في شوارع باردة لا تعرف دفء البيوت الأولى. كانت تلك المدارس بضعفها الظاهر وقوتها الخفية تشبه يد الأم حين تضم طفلها إلى صدرها، لا تملك مالا ولا مباني، لكنها تملك القلب، وتملك الخوف عليه، وتملك الإصرار على ألا يسقط.

مع اقتراب عقد الستينيات من نهايته، كانت الجالية المسلمة في بريطانيا تعيش حالة من التحول العميق. فقد انتقل الوعي الجماعي من مرحلة الوجود العابر إلى الوجود المستقر، ومن التفكير في العودة إلى التفكير في البقاء. وكان هذا التحول يشبه نضج ثمرة ظلت طويلا في ضوء الشمس دون أن يلاحظ أحد اكتمالها، فإذا بها فجأة مكتملة الطعم والرائحة.
لقد كبر الأبناء، تعلموا الإنجليزية، واندفعوا إلى المدارس البريطانية بثقافة مختلفة، وهواء لا يشبه الهواء الذي تنفسه آباؤهم في الطفولة. ومع هذا التغير، بدأت الجالية تدرك أن أبناءها لن يعودوا إلى لاهور أو دكا أو الخرطوم أو القاهرة كما كانت تتوقع. أصبح هؤلاء الصغار أبناء وطن جديد، دون أن يتخلوا عن إرث وطنهم القديم. وسط هذا الإدراك القاسي، بدأ صوت جديد يتردد في جلسات الشاي التي يلتم فيها الرجال بعد صلاة المغرب، وفي المساجد الضيقة، وفي اللقاءات العائلية البسيطة نريد مدارس كاملة مدارس يومية.
مدارس تنشئ جيلا يعيش هنا ولا يفقد جذوره. كان هذا الصوت خافتا، بلا إعلان ولا خطط جاهزة، لكنه خرج من عمق الحاجة من خوف الآباء على هوية أبنائهم الذين يواجهون يوميا نظاما تعليميا قويا يملأ حياتهم كلها. فقد أدركت الجالية أن ساعة واحدة من تعليم القرآن في نهاية الأسبوع لا يمكن أن تقف أمام ست ساعات من التعليم الرسمي كل يوم.
اللغة الأم ستبهت إذا لم تسمع إلا مرة واحدة في الأسبوع.
الهوية ستتآكل إن لم تجد بيئة تحميها داخل الأسبوع كله.
من هذا الخوف ولدت فكرة المدارس الإسلامية اليومية.
كانت فكرة أكبر من الطاقة المتاحة، وأبعد من إمكانات الجالية المحدودة. فالمدارس تحتاج إلى مبان كبيرة مناسبة لاستقبال التلاميذ، تراخيص حكومية صارمة، ومناهج متوازنة تجمع بين المتطلبات البريطانية والعلوم الإسلامية، ومعلمين مؤهلين، وميزانيات ضخمة ليست في متناول أغلب الأسر.
ومع ذلك، كان مجرد طرح الفكرة يشبه فتح نافذة في غرفة مظلمة. لقد أظهر أن الجالية بدأت تفكر في غد بعيد، لا في تفاصيل اللحظة. وأنها تنظر إلى مستقبل أبنائها، لا إلى ظرف الهجرة المؤقتة. كانت تلك البذرة صغيرة، لكنها كانت صلبة، وقد تبلورت في نهاية الستينيات ضمن الخطاب العام للجالية، لينبت عنها في السبعينات والثمانينات جيل من المدارس الإسلامية التي ستصبح لاحقا جزءا من المشهد التعليمي البريطاني. لقد كان السؤال نفسه قبل الإجابة هو نقطة التحول الكبرى، فالسؤال يعني أن الجالية بدأت تفكر كـمجتمع باق، لا كجماعات عابرة.
إذا كان المسجد قلب الجالية، والمدرسة عقلها الناشئ، فإن الجمعيات الإسلامية كانت اليد التي تنظم وتجمع وتقود. فقد كانت حياة المسلمين في بريطانيا معقدة، تداهمها صعوبات الغربة التي لا يستطيع الفرد مواجهتها وحده، وكان العمل الجمعي ضرورة حتمية.
جمعيات ولدت من رحم الحاجة في مدن لم تكن تنام لندن، ومانشستر، وبرمنغهام، وبرادفورد، وليستر، وكانت الهجرة تتدفق بلا توقف. ومع كل مهاجر جديد كانت تظهر حاجات جديدة. البحث عن سكن مناسب، والحصول على عمل، وترجمة المستندات الرسمية، وتقديم استشارات قانونية،
وحل النزاعات الأسرية، وتوفير مرافق لدفن الموتى وفق الشريعة، وتقديم الدعم الاجتماعي في الشدائد. من رحم هذه الضرورات ظهرت أولى الجمعيات، صغيرة متواضعة، ثم أكبر وأكثر تنظيما. كانت تعمل كـقبيلة حديثة تمنح أبناءها سندا معنويا وماديا.
-------------------------------
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
* داعية إسلامي وكاتب بنغالي
المراجع:
1. الإسلام في بريطانيا - رون غيفز
2. الإسلام في بريطانيا الفيكتورية - جيمي غلهام







