09 - 02 - 2026

عالم الشاعرة الأرجنتينية أليخاندرا بيثارنيك: هشاشة الوجود ونزيف الكلمات

عالم الشاعرة الأرجنتينية أليخاندرا بيثارنيك: هشاشة الوجود ونزيف الكلمات

عالم الشاعرة الأرجنتينية أليخاندرا بيثارنيك ليس مجرد نصوص أدبية، بل هو مختبر كيميائي للروح، حيث تذوب الحدود بين الكلمة والجسد، وبين الحياة والعدم. ينساب عالمها كخيط من الضوء يخترق عتمة كثيفة، حيث تلتقي محاور تجربتها الأساسية والمتمثلة في: اللغة بوصفها "فخاً" و"ملاذاً"، مسرح الطفولة المهجورة، جماليات الموت، تمزق الذات، لتشكل وحدة عضوية فريدة.

تبدأ التجربة من تمزق الذات أمام "مرآة مكسورة"، حيث تقف أليخاندرا غريبة عن نفسها، تراقب تلك "الأخرى" التي تسكنها. هذا التفتت في الهوية يدفعها للارتداد نحو طفولة منفيّة، لا لتبحث عن براءة مفقودة، بل لتمارس طقوس عزلتها في حديقة مهجورة ترفض منطق البالغين وزيفهم.

وفي هذا المنفى الاختياري، تصطدم بيثارنيك بـ جدار اللغة؛ فهي تدرك أن الكلمات "فخاخ" تسيء فهم الألم، لكنها تظل تنحتها بعنف وصمت، محاولةً تحويل الصرخة إلى "ماسة سوداء" من التكثيف الشعري. هذا الصراع اللغوي يقودها في النهاية إلى ترويض الهاوية؛ فالموت في عالمها ليس نهاية طارئة، بل هو الرفيق الذي يمنح لقصائدها معناها الأسمى. إنها تحول العدم إلى وطن، وتجعل من "فتنة الموت" ملاذاً أخيراً، حيث تلتحم القصيدة بالصمت المطلق، وتتحول الشاعرة إلى كينونة من نور خالص يحترق في عتمة الحقيقة.

الشاعر والمترجم مجاهد مصطفى، قدم في كتابين صدرا عن دار خطوط وظلال، في أولهما "البراءة الأخيرة وقصائد أخرى"، قدم مختارات من دواوينها "البراءة الأخيرة، المغامرات الضائعة، شجرة ديانا"، وفي الثاني الذي صدر أخيرا بعنوان "استخلاص حجر الجنون وقصائد أخرى" قدم مختارات من دواوينها " استخلاص حجر الجنون، الجحيم الموسيقي، مقاربات"، لتكتمل إلى حد بعيد رؤية تشكلات رؤيتها الشعرية للعالم عالم الذات وعالم الآخر.

في مقدمته يرى مجاهد مصطفى أن قصائد أليخاندرا بيثارنيك تتميز بالجدة والفرادة، حيث تنطلق في كتابتها الشعرية النوعية من إحساس عميق بهشاشة الوجود، ومعابر الذات المترعة بالخصوصية التي تلجأ إلى المحو السعيد في نزيفه، وهو يتقصى ألمه السامق ووجع العبور. إنها شاعرة اليقين الذي يضج بنقصانه، وهو يحلم بندوبـه المكتوبة بدمها الرمزي، ومفازاته العالية كعتمة تستوطن سقف العالم. إنها شاعرة القلة الهائلة الموغلة في تضاريس الروح التي تبحث عن ضوء الفقدان ومسار الألفة القلقة في استكشافها الدائم لعتبات النسيان والجرح الإنساني. إن كتابة تسترشـد بـالأفق في سفرها الطويل، نحو وهم الوصول إلى كل بداية ملغومة، تبتغي الكمال الذي يزهو بموت الكينونة. ان هذه الأعمال الشعرية التي قمنا بترجمتها هي إنصات لمسارات شعرية، تختزل بالكلمة، عوالم تتعدد بتعدد الوجود عبر أسئلة حارقة، تسائل الذات في علاقتها بالعالم، لكي تستدرك مآل الكينونة ومدارجها المنيرة بظلمتها المدهشة إلى حد الانخطاف.

ويضيف "تضم هذه الأعمال، ثلاثة دواوين شعرية، والتي يمكن اعتبارها حفرا عميقا لمغاور الكائن ومهاويه الغميسة، التي تلامس الأفول البشري، عبر مقاربات تنهج مسلكها الخاص في قراءتها الفريدة لليومي والعابر، وهي كالتالي: استخلاص حجر الجنون ( 1968)، الجحيم الموسيقي (1971)، مقاربات (1956و1972) إنها فعل نداء ملحاح، ينز بألمه السعيد باحترافية قدرته الشعرية، وأسئلته النوعية التي تتوالد بتوالد مفارقاتها وهي تكتب مآزقها، التي تستنير بقسوتها الزائلة (الحزن، الضياع، الموت، الفقدان الانهيار العظيم للذات العبور المقيم في النسيان....) في صراعها الدائم مع الراهن وعنف الغياب، الذي يقف منتصبا ضد المخيلة الشعرية التي تتكيء على نهار القصيدة.

ويؤكد مجاهد أن هذه القصائد تصاحب قارئها بصوتها الشعري المتميز الذي يمعن في سفره الدؤوب نحو الأقاصي التي تتخذ من الحلم غاية لا تدرك الا بالمكابدة وإعادة اكتشاف المتداول برؤية مغايرة تستقصي المضمر والخبيء بنار القلق الذي يؤاخي المسكوت عنه.

ويلفت إلى أن شعر أليخاندرا، يتفرد عبر تطرقه إلى موضوعات شعرية تقترن بالموت والخوف من الفقدان الذي يعمق وحدة الشاعرة النازفة، وانكسارها الطاغي، وهي تواجه إكراهات اليومي، وقسوة ليلها الطويل. إن الشاعرة أليخاندرا تحتمي بالكلمة الحلم، في مواجهتها المستميتة لقبح العالم، وشراسته المريرة وذلك عبر اجتياز مهاوي الداخل، وخطر العيش في سياق البديهي والمكرور. كما ترتدي عباءة الصمت المنتج للجمال، ضد اي معطى قبلي، حيث تستشرف السقوط المدوي للذات بالكتابة التي تستبطن الخفي والمتشظي، الذي يضيء بهزيمته الشاسعة.

ويختم بالقول "إنها دواوين شعرية تنضح بالجمال الآسر، ورحلة روحيـة مـن أجل استكشاف أبعاد إنسانية لقصائد شاعرة، تعلمنا كيف نكتب العالم بدهشة الطفولة وحيرة المحبوب عبر استشفاف الفرادة وارتياد أصقاع غير معهودة، بجنون العارف لمتاهات الارتياب الحكيم".

نماذج من المختارات

مغنية ليلية

تلك التي ماتت بفستانها الأزرق، هي هنا من أجل الغناء.

إنها تغني وقد اخترقها الموت في شمس سكرها.

في داخل أغنيتها هناك فستان أزرق، حصان أبيض، هناك قلب

أخضر موشوم بأصداء نبض قلبها الميت.

معرضة للهلاك، كانت تغني بالقرب من فتاة صغيرة هي ذاتها

تائهة : كانت تميمتها تجلب الحظ السعيد.

رغم الضباب الأخضر على شفتيها والبرد الرمادي في عينيها،

كان صوتها يقضم المسافة التي تنفتح بين العطش واليد التي تبحث عن الكأس.

إنها، إنها تغني.

دوار أو تأمل في شيء يوشك على الانتهاء

يفقد هذ الليلك أوراقه.

من علياء ذاته يسقط

ويخفي ظله القديم.

هذه الأشياء سوف تجعلني أموت.

مصباح أخرس

يتنفس الغائبون بينما الليل كثيف.

لليل لون جفون الموت.

طوال الليل أهيىء الليل طوال الليل أكتب.

كلمة كلمة أكتب الليل.

نتيجة

1

فقدت الآن الاسم الذي دعاني،

كان وجهه يتدحرج في داخلي ?ضجيج الماء في الليل،

الماء الذي يسقط في الماء.

بينما ابتسامته هي الناجي الأخير،

وليست ذاكرتي.

2

الأجمل

ما في هذا الليل

 للذين يغادرون،

أيها المرغوب،

إن عدم عودتك هي لانهائية، 

إنك الظل حتى يوم القيامة.

تأمل

لقد ماتت تلك الأشكال الخائفة ولـم يـعـد هـنـاك خارج ولا داخل. لا أحد استمع إلى المكان لأنه ليس موجودا.

وبقصد الاستماع، فإنهم هنا لكي يستمعوا إلى المكان.

داخل قناعك يومض الليل. يتم اختراقك بالنعيب. يتم سحقك بالطيور السوداء. ألوان عدائية تتحد في المأساة.

ليل القلب

الخريف في زرقة جدار : كونه مأوى للميتات الصغيرة.

كل ليلة، في مدة الصرخة، يأتي ظل جديد. عزلاء، ترقص المستقلة الغامضة. أشارك خوفها الحيواني الشاب في الليلة الأولى من كل المعارك.

حكاية الشتاء

ضوء الريح بين أشجار الصنوبر: هل أستطيع أن أفهم علامات الحزن المتوهجة ؟

يتأرجح رجل مشنوق من الشجرة المميزة بالصليب الليلكي.

حتى يتمكن من التسلل خارج حلمي ويدخل غرفتي، عبر النافذة، شريكا لريح منتصف الليل.

انتشاء

أراد شخص ما أن يفتح الباب. يداه اللتان تتألمان تمسكان بسجن العظام المشؤوم. طوال الليل، كان يصارع ظله الجديد. في ذلك اليوم، هطلت الأمطار ولكن هناك سحق بالمهماز.

تتوسل الطفولة منذ ليالي السرداب.

تنبعث من الموسيقى ألوان ساذجة.

طيور رمادية في ذلك اليوم، عند النافذة المغلقة، تلك الأوجاع هي قصيدتي.

شذرات من أجل السيطرة على الصمت

1

قوى اللغة هي سيدات وحيدات يغنين عبر صوتي الذي أستمع إليه من بعيد. وبعيدا، على الرمال السوداء، ترقد فتاة مثقلة بموسيقى الأجداد. إذن، أين هو الموت الحقيقي؟ لقد أردت أن أنير نفسي على ضوء شح نوري تموت الباقات في الذاكرة. تصنع المستلقية عشها في داخلي مع قناع اللوفر تلك التي لم تعد قادرة، والتي توسلت النيران فاحترقنا.

2

عندما يطير سقف بيت اللغة، ولم تعد الكلمات تحمي، حينها أتكلم.

تاهت النساء الحمر داخل أقنعتهن لكنهن سيعدن للنحيب بين الزهور.

ليس الموت أبكم إني أستمع إلى أغنية الثكالى اللواتي يغلقـن شروخ الصمت. أستمع إلى دموعك العذبة التي تزهر في صمتي الرمادي.

3

لقد أعاد الموت إلى الصمت هيبته الفاتنة. ولن أقول قصيدتي التي يجب أن أقولها. حتى لو كانت القصيدة (هنا والآن) ليس لها معنى، ولا مصير.

تعاويذ

والسيدات يرتدين ملابس حمراء لألمي ومع ألمي الذي يتسلل إلى أنفاسي تكمن مثل أجنة العقارب على الجانب الأكثر عمقا في رقبتي، إن الأمهات ذوات الرداء الأحمر اللواتي يتطلعن إلى الدفء الوحيد الذي أقدمه لنفسي من قلبي، والذي بالكاد لم يتمكن أبدا من الفوز، وكان علي دائما أن أتعلم بمفردي كيف أشرب، أتناول طعامي وأتنفس، أنا التي لم يعلمني أحد البكاء ولن يعلمه لي أحد، حتى السيدات العظيمات العالقات ببطانة أنفاسي بلعابهن الأحمر، وحجابهن الذي يطفو مـن الـدم، دمي، دمي وحدي، الذي حصلت عليه، بينما هن الآن يأتين ليشربن من داخلي بعد قتل الملك الذي يطفو على النهر، وهو يحرك عينيه ويبتسم ميتا، وعندما يموت شخص ما، فهو ميت حتى لو ابتسم، بينما السيدات العظيمات المأساويات ذوات الأردية الحمراء، فقد قتلن من نزل إلى النهر، غير أني أظل رهينة داخل حيازة دائمة.
--------------------------
تقرير: محمد الحمامصي