(إن مجتمعا لا يقوم فيه الفلاسفة بدورهم في التنوير ونقد المجتمع وبيان سلبياته، لا تتحقق فيه عوامل البقاء، وتتكالب عليه النقائص والسلبيات، ويكون أقرب إلى عوامل الضعف والسقوط)
ليس هذا من قبيل الوصف النقدي، بل هو استقراء لكاتب المقال، تعيد إلى ذهني ما كان في حضارتنا الإسلامية في الأندلس، عندما كانت تزخر البيئة الأندلسية بفلاسفة عظام من أمثال :- ابن طفيل، وابن باجة، وابن رشد.
وإذا كان ابن خلدون يشير في مقدمته إلى أن الإنسان ابن بيئته، فإن العالم، والمفكر، والفيلسوف يعد تجسيدا لمشاكل مجتمعه وبيئته، يعبر عنها ويرصدها ويتأثر بها، وبالأحرى يقدم حلولا للقائمين على الأمر، عساهم ان يفعلوا شيئا، ويضيقوا الفجوة بين النظرية والتطبيق وهو ما يعني أن الفلسفة ليست بناءً اجوف يقيم صاحبه من خلاله في برج عاج بعيدا عن مشاكل المجتمع وهموم ناسه.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك ابن طفيل الأندلسي، أحد رواد الفكر في الأندلس خلال القرن السادس من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، الثاني عشر من الميلاد، وقد عاش الرجل في ظل دولة الموحدين، وهي إحدى الدول الكبرى التي شملت المغرب والاندلس،، وهو أبو بكر محمد بن عبدالملك بن طفيل القيسي المتوفى بمراكش سنة ٥٨١ هجرية /١١٨٥ ميلادية. وهو أيضا احد نوابغ الفكر الإسلامي ممن جمع بين الفلسفة والطب والأدب، وهو صاحب (حي بن يقظان) وهي التي وصلت إلينا من بين مؤلفاته التي فقدت جميعها.
وحي بن يقظان هو من تكفلت به ظبية في الجزيرة التي عاش فيها، حتى انه اخذ يحاكي ويقلد الحيوانات، ويجيء إلى الجزيرة احد الزهاد الذي اخذ يعلمه الكلام وأمور العبادة، حتى أصبح هو نفسه هاديا وداعيا.. ويكشف هو نفسه عن طبائع الناس وسلبياتهم في المجتمع الأندلسي في عصر الموحدين، قائلا عنهم إنه وجد كل حزب بما لديهم فرحين، قد اتخذوا إلههم هواهم، ومعبوداتهم شهواتهم، وتسابقوا في جمع حطام الدنيا، وألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر؛ مشيرا إلى انهم لا تنفع فيهم الموعظة، ولا تعمل فيهم الكلمة الحسنة، يتمسكون بالجدل، وغمرتهم الجهالة، وابتعدوا عن الحكمة، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، مستشهدا هنا بقول الحق سبحانه وتعالى (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم)
وابن طفيل هنا هو ما يمكن ان يطلق عليه الفيلسوف - المؤرخ، فهو ينتقد أوضاع المجتمع، ويفند أصناف الناس في مجتمع الدولة الموحدية، معيبا عليهم انغماسهم في الجدل، وكأنه يشير إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (إذا غضب الله على قوم سلط عليهم الجدل، وتركهم العمل). كما أنه يشير إلى تفتت المجتمع ويحذر من الانقسام إلى طوائف ، بما يؤدي إلى الفتنة؛ مستشهدا هنا بقول الحق سبحانه وتعالى (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا، كل حزب بما لديهم فرحون) وكذلك قوله سبحانه وتعالى (من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون) وكأنه يدعو إلى الاعتصام بحبل الله المتين، والبعد عن الانقسام والطائفية والتفتت والضعف.
كما يعيب عليهم - اي على الناس - انغماسهم في الأمور المحسوسة الخسيسة، من جمع مال، أو لذة، أو شهوة، وفي هذا كله ما يعني أن الرجل لم ينعزل عن بيئته، وأنه سلط الضوء على مشاكل مجتمعه، منددا بالسلبيات، وما كان من آراء فلسفية فاسدة قال بها بعض متفلسفة العصر، داعيا أيضا إلى التمسك بالايجابيات، والتمسك بالقرآن الكريم وتعاليمه وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهما الأحق بالاتباع والتقليد....
وقد حظي ابن طفيل ورسالته حى بن يقظان بتقدير منقطع النظير من إعلام الغرب الأوروبى، ومن المؤسف ألا نجد من بين جامعاتنا الأهلية من يحمل اسم الرجل تقديرا لدوره، وحفاظا على تراثنا الإسلامي وهويتنا الإسلامية.. والله ولي التوفيق.
--------------------------
بقلم: د. عادل يحيي
* باحث وعضو اتحاد المؤرخين العرب.






