13 - 01 - 2026

مقال "كورت غروتش" يكشف إجراءات الصين بعد اختطاف "مادورو"

مقال

في مقال مهم جداً مترجم عن اللغة الاسبانية للكاتب والباحث والأكاديمي الألماني " كورت غروتش "، وهو نائب رئيس كرسي الصين، وسفير جامعة مينزو الصينية، عن الإجراءات الصينية عقب البلطجة الأمريكية ضد فنزويلا، وهو يمثل ضربة مباشرة إلى قلب الاقتصاد الأميريكي.

المقال تم تداوله في مواقع عديدة ويكشف عن خطوات اتخذتها الصين لمواجهة التغول الأمريكي أمريكا اللاتينية، والحماقة التي قامت بها (أمريكا – ترامب) باختطاف الرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو"، وزوجته.

ونظراً لأهمية المقال، ننشره – بتصرف – فقد ذكر الكاتب أن الصين اتخذت خلال الـ48 الساعة الأولى من اختطاف "مادورو"، أن الصين اتخذت سلسلة إجراءات عملية دون استعراضات خطابية بعيداً عن طريقة ترامپ أو ماكرون، انطلاقًا من إدراكها أن الولايات المتحدة جعلت من السيطرة على النفط الفنزويلي وسيلةً لكبح الحضور الصيني في أميركا الجنوبية وعرقلة مسار تطوره المتسارع الذي لا يمكن وقفه، واستهدفت مباشرةً خط الطفو للإمبراطورية الأميركية، لأن العدوان على ڤنزويلا يُعدّ إعلان حرب على مشروع العالم المتعدد الأقطاب وعلى مجموعة «بريكس».

رصد مقال "كورت جروتش"، العديد من الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الصين، والتي من الممكن أن تترك تأثيرات قوية على الاقتصاد الأمريكي، فبعد ساعات قليلة من انتشار نبأ اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، دعا الرئيس شي جين بينج إلى اجتماع طارئ للّجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي، استمرّ 120 دقيقة.

ولم تصدر بيانات رسمية، ولم تُطلق تهديدات دبلوماسية؛ بل ساد الصمت الذي يسبق العاصفة، إذ فعّل ذلك الاجتماع ما يسميه الاستراتيجيون الصينيون "الاستجابة الشاملة غير المتماثلة"، ردًا على عدوان يستهدف شركاء الصين في نصف الكرة الغربي.

وبدأت المرحلة الأولى من الردّ الصيني عند الساعة 9:15 صباحًا من يوم 4 يناير، حين أعلن بنك الشعب الصيني بهدوء التعليق المؤقت لجميع المعاملات بالدولار الأميركي مع الشركات المرتبطة بقطاع الدفاع الأميركي، لتستيقظ شركات مثل بوينج، ولوكهيد مارتن، ورايثيون، وجنرال دايناميكس على خبر تجميد جميع تعاملاتها مع الصين من دون أي إنذار مسبق.

وعند الساعة 11:43 من اليوم نفسه، أعلنت شركة الشبكة الكهربائية الحكومية في الصين، والتي تدير أكبر شبكة كهرباء في العالم، عن مراجعة تقنية شاملة لجميع عقودها مع مورّدي المعدات الكهربائية الأميركيين، في خطوة تعني عمليًا شروع الصين في فكّ الارتباط بالتكنولوجيا الأميركية.

وبحلول الساعة 2:17 بعد الظهر، أعلنت الشركة الوطنية الصينية للبترول، أكبر شركة نفط حكومية في العالم، إعادة تنظيم استراتيجية لمسارات إمداداتها العالمية، وهو ما يمثل إعادة تفعيل "سلاح الطاقة"، عبر إلغاء عقود توريد النفط إلى المصافي الأميركية بقيمة 47 مليار دولار سنويًا.

وتم إعادة توجيه النفط الذي كان يتجه إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة إلى الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، وإلى شركاء آخرين في الجنوب العالمي، وأسفر ذلك عن قفزة في أسعار النفط بنسبة 23% خلال جلسة تداول واحدة.

الكاتب اعتبر الأهم هو الرسالة الاستراتيجية الواضحة، بأن الصين قادرة على خنق الولايات المتحدة طاقيًا من دون إطلاق رصاصة واحدة.

ولم تكتف الصين بذلك بل نفّذت شركة الشحن البحري الصينية" (China Ocean Shipping Company)، والتي تسيطر على نحو 40% من القدرة العالمية للنقل البحري، خطة "تحسين المسارات التشغيلية".

وفور ذلك بدأت السفن الصينية بتجنّب الموانئ الأميركية مثل لونج بيتش، ولوس أنجلوس، ونيويورك، وميامي، هذه الموانئ، التي تعتمد بشكل أساسي على اللوجستيات البحرية الصينية للحفاظ على سلاسل إمدادها، وجدت نفسها فجأة من دون 35% من حركة الحاويات المعتادة.

ويرى الكاتب أن تلك الإجراءات بمثابة كارثة حقيقية لشركات كبرى مثل وولمارت وأمازون وتارجت، التي تعتمد على السفن الصينية لاستيراد البضائع المصنّعة في الصين إلى الموانئ الأميركية، إذ شهدت سلاسل إمدادها انهيارًا جزئيًا خلال ساعات، مشكلاً صدمةً نظامية لتعطيل القدرة الأميركية على الرّد.

وواصلت الصين الإجراءات بحزمة متتالية، منها ما أسمته بـ"تعبئة الجنوب العالمي"، ففي الساعة 4:22 من يوم 4 يناير نفسه، عرض وزير الخارجية الصيني وانج يي على البرازيل والهند وجنوب أفريقيا وإيران وتركيا وإندونيسيا، إضافة إلى 23 دولة أخرى، شروطًا تجارية تفضيلية فورية لأي دولة تلتزم علنًا بعدم الاعتراف بأي حكومة فنزويلية تصل إلى السلطة بدعم أو تدخل أميركي، ووافقت 19 دولة خلال 24 ساعة على العرض، وكانت البرازيل أولها، تلتها الهند وجنوب أفريقيا والمكسيك.

وهو ما اعتبره "كورت جروتش تجسداً عمليًا لمفهوم "العالم المتعدد الأقطاب فعليًا"، لتنجح الصين في تشكيل ائتلاف مناهض للولايات المتحدة بشكل فوري، مستخدمةً سلاح الحوافز الاقتصادية.

وفي يوم 5 يناير قامت الصين بتفعيل السلاح المالي، فقد أعلن نظام المدفوعات الصينية العابرة للحدود بين البنوك عن توسيع قدرته التشغيلية لاستيعاب أي معاملة دولية ترغب في تجنّب نظام "سويفت" الخاضع لسيطرة واشنطن.

وبهذا وضعت الصين للعالم بديلًا كاملًا وفعّالًا عن النظام المالي الغربي، فأي دولة أو شركة أو بنك يرغب في التعامل التجاري من دون الاعتماد على البنية المالية الأميركية بات بإمكانه استخدام النظام الصيني، الذي يُعدّ أرخص وأسرع بنسبة 97%.

وخلال 48 ساعة من التشغيل، تم معالجة معاملات بقيمة 89 مليار دولار، وفتحت البنوك المركزية في 34 دولة حسابات تشغيلية ضمن النظام الصيني، ما يعني تسارع عملية نزع الدولرة عن أحد أهم مصادر تمويل الولايات المتحدة.

وفرضت الصين قيوداً مؤقتةً على تصدير المعادن النادرة إلى أي دولة دعمت اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، ولهذا تأثير كبير نظراً لأن بكين تسيطر على 60% من الإنتاج العالمي للمعادن النادرة، وهي عناصر حيوية لصناعة أشباه الموصلات والمكوّنات الإلكترونية.

ورصد الكاتب القلق الكبير لهذا الإجراء بين عمالقة التكنولوجيا الأميركية مثل آبل، ومايكروسوفت، وجوجل، وإنتل، التي تعتمد على سلاسل التوريد الصينية في مكونات أساسية، إذ باتت أنظمتها الإنتاجية مهددة بالانهيار خلال أسابيع.

هذه المعلومات التي ننشرها على مسؤولية كاتبها تمثل خطوات من جانب الصين، تم اتخاذها دون ضجيج، وفي التفسير الإستراتيجي، هي أقوى من طلقات الرصاص، والقرصنة الأمريكية، وربما تظهر تأثيراتها على المدى القريب والمتوسط والبعيد، ورسالة لترامب تقول إنك لست الأقوى بقوات (دلتا).
-------------------------
محمود الحضري