12 - 01 - 2026

هل يقوم ترامب بإزاحة خامنئي أم ينقذ "وسيط" من الخليج المرشد الاعلى؟

هل يقوم ترامب بإزاحة خامنئي أم ينقذ

يقول كثير من الإيرانيين العاديين إن حرب إيران التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو الماضي حطّمت الصورة التي عمل النظام طويلًا على ترسيخها عن نفسه بوصفه عصيًّا على الهزيمة. وتُسهم تداعيات تلك الحرب الآن في تأجيج موجة احتجاجات خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 500 شخص، بينما تحاول الجمهورية الإسلامية استعادة السيطرة، وتُظهر لقطات تتسرّب من داخل البلاد استمرار الاحتجاجات الجماهيرية رغم حملة القمع. 

وتقول تقييمات جماعات حقوق الإنسان إن قوات الأمن أطلقت النار بالفعل على مئات المتظاهرين، وربما آلافًا، وقد هدّد الرئيس دونالد ترامب مرارًا بمهاجمة إيران إذا استُخدمت القوة القاتلة، ومن المقرر أن يطلع مساعدوه يوم الثلاثاء على إجراءات محددة يمكن للولايات المتحدة اتخاذها ردًّا على عمليات القتل. 

سبق لقادة إيران أن تجاوزوا عواصف مشابهة، لكن هذه المرة، يقف النظام في موقع أضعف بكثير. لقد تشكّل حكم آيات الله بفعل الحرب الدموية التي استمرت ثماني سنوات وأطلقها عراق صدام حسين في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979، وكان العقد الاجتماعي الذي صمد منذ تلك الصدمة يقوم على قبول الإيرانيين بالمشقة والقيود مقابل دولة قوية تحميهم من الهجوم الخارجي. 

انهار هذا الافتراض حين هاجمت حركتا حماس وحزب الله المدعومتان من إيران إسرائيل عام 2023، ما فجّر حربًا إقليمية جلبت الموت والدمار إلى قلب طهران في صيف العام الماضي، فقد دمّرت الضربات الإسرائيلية في أنحاء إيران جزءًا كبيرًا من قيادتها العسكرية، فيما وجّهت الحملة الجوية الأميركية اللاحقة ضربة قاسية لبرنامج إيران النووي، وكان ذلك إذلالًا لنظام استثمر قدرًا هائلًا من الثروة الوطنية في شبكة وكلاء صُمّمت تحديدًا لردع مثل هذا الاعتداء على الوطن. 

واليوم، يتحدّى المحتجون خطر الاعتقال أو الرصاص، وهم يطالبون ليس فقط بتغيير السياسات، بل بسقوط الجمهورية الإسلامية نفسها. 

ويقول علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية: "كانت هذه القشة التي قصمت ظهر البعير، فالنظام كان يجادل على مدى السنوات بأنه، وإن لم ينجح في تحقيق الازدهار أو التعددية للإيرانيين، فقد وفّر لهم على الأقل السلامة والأمن، واتضح أنه لم يفعل"، وأضاف: "الآن وصل الناس إلى مرحلة يقولون فيها: كفى".  

ويقول كريم سجادبور، الزميل البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن حرب الأيام الاثني عشر في يونيو الماضي منحت النظام "نشوة سكرية مؤقتة، اعتقد كثيرون خطأً أنها التفاف وطني حول العلم"، مشيرًا إلى أن الجمهورية الإسلامية، منذ تأسيسها عام 1979، اختارت خوض حرب اختيار لا حرب ضرورة ضد إسرائيل، وأضاف: "الحروب الخارجية تميل إلى تقوية الأنظمة الثورية في سنواتها الأولى، لكن الإهانات العسكرية تكشف هشاشة الديكتاتوريات في مراحلها المتأخرة".  

ويعجّ التاريخ بأمثلة لأنظمة قمعية سقطت بفعل اضطرابات داخلية عقب نكسات عسكرية أمام خصوم خارجيين، ففي صربيا، أُطيح بالرئيس سلوبودان ميلوشيفيتش عام 2000، بعد عام من حملة قصف لحلف شمال الأطلسي أجبرته على التخلي عن السيطرة على كوسوفو، واستُبدلت الطغمة العسكرية في الأرجنتين بحكومة ديمقراطية بعد عام من هزيمتها أمام المملكة المتحدة في حرب فوكلاند عام 1982، كما انهارت الديكتاتورية العسكرية في اليونان بعد خسارتها حربًا على قبرص عام 1974. 

ولا تقوم أي هزّة كبرى على سبب واحد، فالسبب المباشر لأحدث جولة احتجاجات في إيران كان سلسلة من تخفيضات قيمة العملة، في إشارة إلى تعمّق الأزمة الاقتصادية مع تراجع أسعار النفط وخنق العقوبات الغربية للنشاط التجاري، غير أن هذه الأزمة ترتبط ارتباطًا لا فكاك منه بعزلة إيران، وهي نتيجة واضحة لفشل سياستها الخارجية. 

وقد قاوم المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عامًا، الضغوط لتغيير المسار منذ حرب الأيام الاثني عشر، محاولًا مواصلة العمل كالمعتاد، فلم تُجرِ طهران تغييرًا جوهريًا في سياستها الخارجية، ولم تسعَ إلى اتفاق مع ترامب بشأن البرنامج النووي كان يمكن أن يخفف العقوبات، كما لم ينفّذ النظام أي إصلاحات سياسية أو اقتصادية داخلية كبرى كان من شأنها تعزيز شعبيته. 

ويقول أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط بواشنطن: "لم يكن مفاجئًا لأحد أن سلاح الجو الأميركي قادر على تسوية إيران بالأرض بل المفاجأة كانت أنك، بعد أن تتعرّض للتدمير، ما زلت تريد العودة إلى السياسات نفسها التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع أصلًا"، وأضاف: "هذا ما ولّد شعورًا مطلقًا باليأس، حيث يقول الناس: لم يعد لديّ ما أخسره".  

وليست هذه المرة الأولى التي يواجه فيها النظام الإيراني تحديًا من احتجاجات جماهيرية، فقد نجا من ما سُمّي "الثورة الخضراء" على خلفية الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها عام 2009، وكذلك من جولات اضطراب كبرى في عامي 2019 و2022، لكن البيئة الدولية تغيّرت الآن، فالولايات المتحدة، في عهد ترامب، تشجّع الاحتجاجات، فيما يأمل خصوم إيران الإقليميون، ولا سيما السعودية، أن يُروَّض النظام وينكفئ إلى الداخل، من دون أن ينهار. 

ويخشى كثير من جيران إيران أن تنزلق البلاد، التي يزيد عدد سكانها على 90 مليون نسمة، إلى حرب أهلية على غرار سوريا، مع انتفاضات انفصالية في أقاليم يقطنها أكراد إيرانيون وبلوش وأقليات أخرى تمتدّ عبر الحدود. 

ويقول نيكولاي كوجانوف، الأستاذ المشارك في مركز دراسات الخليج بجامعة قطر: "التصوّر السائد لدى جيران إيران في الخليج هو أنهم يفضّلون التعامل مع إيران يعرفونها، بدل كيان جديد أو منطقة عدم استقرار"، وأضاف: "الجيران العرب، رغم كل المشكلات والتناقضات، يريدون رؤية إيران أضعف، لكن إيران مفهومة بالنسبة إليهم. ولا ينبغي أن نُوهم أنفسنا بأن تغيير النظام في إيران سيؤدي بالضرورة إلى نظام أكثر ودّية هناك".  

وكانت لدى الرئيس الأميركي باراك أوباما مخاوف مماثلة في عام 2009، فامتنع عن دعم متظاهري "الثورة الخضراء" الإيرانية، وركّز بدلًا من ذلك على التفاوض بشأن اتفاق نووي مع نظام خامنئي.  وتراجع أوباما في عام 2013 أيضًا عن توجيه ضربة للنظام السوري المدعوم من إيران عقب هجوم بغاز الأعصاب على مدنيين في ضاحية الغوطة بدمشق، بعدما كان قد أعلن أن استخدام الأسلحة الكيميائية «خط أحمر» يستدعي تدخّلًا أميركيًا. 

أما ترامب، فيشير إلى أنه سيتحرك، فقد كتب على وسائل التواصل الاجتماعي يوم السبت: "إيران تنظر إلى الحرية، ربما كما لم يحدث من قبل. الولايات المتحدة الأميركية على استعداد للمساعدة!!!"، وذلك بعد وقت قصير من إعادة نشره تصريح السيناتور ليندسي غراهام الذي قال إن وحشية "آية الله الإيرانيين وأتباعهم الدينيين النازيين" لن تمرّ بلا تحدٍّ. 

ويستمد ترامب زخمه من نجاحه في "قطع رأس" نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، وتأمين تعاون خليفته - حتى الآن على الأقل.  

ويقول دبلوماسيون ومراقبون لإيران إنه قد يُغرى بتطبيق النموذج نفسه عبر إزاحة خامنئي، على أمل حظ أوفر مع خليفة أكثر ليونة، فقد قال ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي في يونيو الماضي، إنه يعرف مكان اختباء خامنئي، لكنه لن يقتله "على الأقل في الوقت الراهن".  

وتقول إيلي جيرانمايه، نائبة مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن إزالة خامنئي قد تفتح فرصة لبقية أركان النظام لتبنّي مقاربة أكثر براغماتية كما حدث في كراكاس.  وتضيف أن ما تبقّى من النظام الإيراني قد يقول للسكان: "يمكننا أن نمنحكم أملًا بتحسّن اقتصادي لأننا سنضغط من أجل اتفاق مع الولايات المتحدة يرفع العقوبات، وسنصلح الشرخ في عقدنا الاجتماعي الأمني لأننا أزلنا التهديد الدائم بالضربات الأميركية".  

وتابعت: "السؤال الكبير هو ما إذا كان ذلك سيكون كافيًا لتهدئة المواطنين الإيرانيين، في ظل مستوى السخط وأعمال الشغب والعنف التي نراها على الأرض حاليًا" وأضافت: "لكن هذا أحد مخارج الطريق المتاحة للنظام الحاكم الحالي. وهو أيضًا — إذا نظرنا إلى فنزويلا — قد يكون جذابًا لترامب ولدول الخليج".  غير أن هذا المسار لن يكون بالضرورة جذابًا لمتظاهري إيران المؤيدين للديمقراطية.  

ويقول إسفنديار باتمانغليج، الرئيس التنفيذي لمركز «بورصة وبازار» البحثي، متوقعًا أن يتجه النظام الإيراني في جميع الأحوال إلى مقاربة أكثر براغماتية بعد وفاة خامنئي في نهاية المطاف: "إذا انتهينا إلى ذلك، فما جدوى كل ما يجري؟"، وأضاف أن عملية "قطع رأس" تُبقي على جوهر النظام ستكون مأساوية، لأنها "ستعني أن كل من فقدوا حياتهم حتى الآن في هذه الاحتجاجات، وفي الاحتجاجات التي سبقتها، قد ماتوا سدى".
-----------------------------------
 تحليل: ياروسلاف تروفيموف 
وول ستريت جورنال