09 - 02 - 2026

ديلي تلجراف ترجح فرضية خيانة مادورو: اجتماعات سرية مع أمريكا بالدوحة شاركت فيها نائبته

ديلي تلجراف ترجح فرضية خيانة مادورو: اجتماعات سرية مع أمريكا بالدوحة شاركت فيها نائبته

- شخصية بارزة من الأسرة الحاكمة القطرية لعبت دور حلقة الوصل بين دونالد ترامب والرئيسة المؤقتة

وصل نيكولاس مادورو إلى نيويورك يوم السبت بعد أن أُلقي القبض عليه على يد قوات أميركية في كراكاس، في مشهد بدا وكأنه خاتمة درامية لواحد من أكثر فصول السياسة الفنزويلية اضطرابًا، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول ما إذا كانت إزاحته قد جرت بفعل قوة خارجية خالصة، أم نتيجة ترتيبات داخلية معقّدة نُسجت بعيدًا عن الأضواء.

ففي قاعة اجتماعات مغلقة في الدوحة، على بُعد نحو 7500 ميل من العاصمة الفنزويلية، كان مسؤولون يناقشون مستقبل فنزويلا من دون مادورو، الذي طالما قدّم نفسه بوصفه الوريث الشرعي لتجربة «التشافيزمو». هناك، كان أحد كبار أفراد الأسرة الحاكمة القطرية يؤدي دور الوسيط، رابطًا بين أجنحة داخل النظام الفنزويلي وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في وقت كانت فيه واشنطن تُعدّ حشدًا عسكريًا للضغط على مادورو ودفعه إلى الاستسلام.

اللافت أن مادورو نفسه لم يكن طرفًا في تلك الاجتماعات السرية. فبدلًا من حضوره أو تمثيله المباشر، تولّت قيادة المحادثات نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، إلى جانب شقيقها خورخي رودريغيز، أحد أكثر الشخصيات نفوذًا داخل بنية الحكم.

وبحسب صحيفة «ميامي هيرالد»، المعروفة باتصالاتها الواسعة في أميركا اللاتينية، فإن ديلسي رودريغيز بادرت بالتواصل مع واشنطن لتقديم نفسها بوصفها بديلًا «أكثر قبولًا» من مادورو، وقادرة على إدارة مرحلة انتقالية تحافظ على الدولة من دون انهيار شامل. وبالفعل، تحكم رودريغيز فنزويلا اليوم بموافقة مباشرة من ترامب.

تفاصيل تلك الاجتماعات غذّت الشكوك في أن ما جرى لم يكن مجرد عملية عسكرية أميركية خاطفة، بل «عملية من الداخل» أُعدّت بعناية، هدفها إزاحة مادورو مع الإبقاء على جوهر النظام، وتفادي سيناريو الفوضى والانفجار الاجتماعي الذي قد ينجم عن تفكيك الدولة بالكامل.

ورغم تولّيها السلطة، ظهرت ديلسي رودريغيز في خطاب علني دعت فيه إلى الإفراج عن مادورو وزوجته سيليا فلوريس، في محاولة واضحة للحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج.

وتصف تقارير تعود إلى أكتوبر الماضي هذا الترتيب بأنه «مادوريسمو بلا مادورو» - نظام يستبقي البنية السياسية والاقتصادية ذاتها، لكن بوجه أقل صدامية وأكثر قابلية للتعامل مع الولايات المتحدة، أو ما يشبه «نظامًا مخففًا».

وفي هذا السياق، أعلن ترامب يوم السبت أن الولايات المتحدة ستتولى «إدارة» فنزويلا خلال المرحلة الانتقالية عبر حكومة تقودها رودريغيز، بالتوازي مع التحضير لدخول شركات النفط الأميركية إلى البلاد وبدء عمليات استخراج واسعة النطاق.

وقال ترامب للصحفيين إن رودريغيز «مستعدة للقيام بما نراه ضروريًا لجعل فنزويلا عظيمة مجددًا»، رغم أنها كانت خاضعة لعقوبات أميركية خلال ولايته الأولى بسبب دورها في تقويض المؤسسات الديمقراطية.

وفي اليوم التالي، ذهب فرانسيسكو سانتوس كالديرون، نائب الرئيس الكولومبي السابق، إلى أبعد من ذلك، حين لمح إلى أن عملية إزاحة مادورو برمتها كانت «عملًا داخليًا» جرى بمساعدة رودريغيز نفسها. وأكد سانتوس أنه «على يقين تام» من أن نائبة الرئيس خانت مادورو، وسهّلت اعتقاله من دون مقاومة حقيقية.

وقال سانتوس، الذي شغل سابقًا منصب سفير كولومبيا لدى واشنطن: «لم يطيحوا به، بل سلّموه. كل المعطيات التي لدينا، عندما تُجمع معًا، تقود إلى استنتاج واحد: هذه كانت عملية تسليم منسّقة».

وأضاف أن المشهد كان بحاجة إلى إخراج سياسي مسبق، موضحًا أن إعلان ترامب تولي رودريغيز قيادة المرحلة الانتقالية يؤكد أنها كانت على علم كامل بالدور المرسوم لها، وأنها تسعى في الوقت نفسه إلى انتزاع هامش من الاستقلالية.

وتبدو رودريغيز، المحامية البالغة من العمر 56 عامًا، والتي تتمتع بعلاقات وثيقة مع قطاع النفط، مرشحة مثالية للتفاهم مع واشنطن. فهي شخصية متمرّسة داخل النظام، لكنها في الوقت نفسه قادرة على مخاطبة الأسواق والشركات الدولية بلغة مختلفة.

وكانت رودريغيز قد شغلت منصب نائبة مادورو منذ عام 2018، بعد مسار سياسي بدأ عقب انتخاب هوغو تشافيز عام 1999، وتدرجت خلاله في مناصب حساسة، بينها وزارة الخارجية، ورئاسة الجمعية التأسيسية، فضلًا عن توليها حقيبتي النفط والمالية أثناء شغلها منصب نائبة الرئيس.

وفي دورها الأخير، نجحت في الحفاظ على خطابها اليساري، مع تقديم نفسها في الوقت ذاته بوصفها واجهة لتحرير اقتصادي نسبي، وفقًا لجيف رامزي، الخبير في شؤون أميركا اللاتينية بالمجلس الأطلسي. وقد ساهمت تلك السياسات في إخراج فنزويلا من أزمة اقتصادية خانقة استمرت حتى عام 2021، وانكمش خلالها الاقتصاد بنحو ثلاثة أرباع حجمه، ما دفع قرابة ثمانية ملايين فنزويلي إلى الهجرة.

ويقول محلل المخاطر السياسية بيدرو غارمنديا إن هذا الأداء أكسب رودريغيز ثقة قطاع مهم من رجال الأعمال المرتبطين بالدولة، والذين باتوا يرون فيها شخصية يمكن التنبؤ بسلوكها والتعامل معها.

وتستند رودريغيز كذلك إلى إرث عائلي ذي طابع «ثوري»، إذ كان والدها من قادة جماعة شيوعية مسلحة نفذت في السابق عملية اختطاف لرجل أعمال أميركي اتهمته بالتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية. أما شقيقها خورخي، فيشغل حاليًا رئاسة البرلمان، ويُعد أحد أعمدة النظام.

ويصف غارمنديا الشقيقين بأنهما «الثنائي الأقوى» داخل السلطة، مشيرًا إلى أنهما تعلما كيف يواصلان العمل والنجاة في ظل العقوبات والضغوط الأميركية.

ومع ذلك، تواجه رودريغيز تحديًا بالغ الصعوبة: الحفاظ على تماسك التحالف الحاكم، وتجنّب الظهور داخليًا بوصفها «أداة أميركية»، لا سيما في ظل وجود منافسين داخل النظام قد يستغلون أي ضعف للإطاحة بها.

ويزداد هذا التحدي تعقيدًا بسبب تصريحات ترامب نفسه، حين قال إنها تحدثت إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، وعرضت تنفيذ «كل ما نحتاجه»، ما دفع رودريغيز لاحقًا إلى تبني خطاب أكثر تحديًا في الداخل، في محاولة لإدارة الصورة السياسية.

معروف عن رودريغيز أسلوبها التصادمي. ففي عام 2016، وبعد تعليق عضوية فنزويلا في تكتل «ميركوسور»، حاولت حضور اجتماع للتكتل في بوينس آيرس رغم المنع، وقالت للصحفيين: «إذا أغلقوا الباب في وجوهنا، سندخل من النافذة».

ورغم كل ذلك، لم يحدد ترامب مدة بقاء رودريغيز في السلطة، مكتفيًا بالقول إن نائب الرئيس الذي اختاره مادورو هو من يتولى الرئاسة حاليًا. وفي مقابلة لاحقة، أكد أنه لن يرسل قوات أميركية إذا التزمت رودريغيز بما تريده واشنطن.

ويبقى مستقبل فنزويلا معلقًا على أي جانب من شخصية رودريغيز سيغلب في النهاية: الثورية المخلصة لإرث تشافيز، أم البراغماتية القادرة على عقد الصفقات وإدارة السلطة بواقعية.
--------------------------------
تقرير - عزت إبراهيم
(نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك)