في قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية في النظام الدولي المعاصر يبرز مبدأ الصين الواحدة (One China Policy) كقضية محورية في السياسة الداخلية والخارجية لجمهورية الصين الشعبية، ليس فقط كرؤية دستورية وسياسية، بل كركيزة أساسية في الاستقرار الإقليمي والتوازن العالمي. هذا المبدأ التاريخي والسياسي، الذي يجمع بين عمق الجذور التاريخية والرهانات الاستراتيجية الكبرى، لا يزال محورًا للتوترات، لكنه في الوقت نفسه يعكس فهمًا متينًا لسيادة الدولة ووحدتها الترابية، ويمثل خطابًا مركزيًا في إعادة تشكيل مكانة الصين على الساحة الدولية.
من الانقسام إلى الوحدة التاريخية
يعود أصل المشكلة إلى الحرب الأهلية التي اندلعت في الصين في منتصف القرن العشرين بين الحزب الشيوعي والحزب القومي، وانتهت بانتصار الشيوعيين في البر الرئيسي وإعلان جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، بينما انسحبت الحكومة القومية إلى جزيرة تايوان وأعلنت جمهورية الصين هناك.
ومنذ ذلك الحين، ظل هناك حكومتان تدعيان الشرعية، مما خلق حالة ازدواجية طويلة أثرت على السياسة الداخلية والخارجية للصين ومنطقتها.
ومع مرور الزمن، باتت بكين ترى في مبدأ الصين الواحدة ليس مجرد اتفاق سياسي مؤقت، بل توثيقًا لوعي السيادة الوطنية وتجربة التاريخ المشترك.
تعريف لسيادة بلا تنازل
في جوهره، ينص مبدأ الصين الواحدة على أن هناك صينًا واحدة فقط في العالم، وأن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضيها، وأن حكومة جمهورية الصين الشعبية في بكين هي الجهة الوحيدة المخولة تمثيل الصين على مستوى العالم.
كيف تحقق هذا؟ عبر إرث سياسي ودبلوماسي طويل، أبرز محطاته قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2758 الذي صدر في عام 1971 وأقر بأن حكومة جمهورية الصين الشعبية هي الممثل الشرعي للصين في الأمم المتحدة، وهو قرار لا يقبل التشكيك أو التراجع عنه في القانون الدولي المعاصر.
وبناءً على هذا القبول الدولي الواسع، أقامت أكثر من 180 دولة علاقات دبلوماسية مع الصين على أساس مبدأ صين واحدة، مثبتين أن الاعتراف الدولي بهذا المبدأ يشكل قوة سياسية وقانونية لا يمكن تجاوزها.
رؤية القيادة الصينية
وقد تم تأكيد هذا الموقف مرارًا في تصريحات رسمية صادرة عن قيادات صينية، وكان النموذج الأبرز في خطاب الرئيس الصيني شي جين بينغ في نهاية العام 2025.
في كلمته بمناسبة العام الجديد، شدد شي على أن إعادة توحيد الوطن مع تايوان هو اتجاه عصري لا يمكن إيقافه وأن أواصر الدم والتاريخ بين أبناء الأمة على جانبي مضيق تايوان تجعل هذا الهدف حتميًا.
وتعزيزًا لهذا الخطاب، أعاد شي في مناسبات سابقة التأكيد على ضرورة معارضة أي توجه نحو استقلال تايوان والعمل على تعميق التبادل والتعاون بين الجانبين.
كما دعا إلى التعاون الدولي في إطار الاحترام المتبادل، مشددًا على أن سيادة الصين وسلامة أراضيها لا يمكن المساس بهما.
المضمون السياسي
يتجاوز مبدأ الصين الواحدة كونه مجرد شعار رمزي، ليشكل استراتيجية سياسية متكاملة تضم عدة عناصر محورية:
1.الرفض القاطع لأي خطاب أو عمل يؤدي إلى وجود “صينين” أو تقسيم السيادة الصينية، وهو ما يصنفه النظام الصيني محاولة للتدخل في شؤون داخلية تمس جوهر الدولة وأمنها القومي.
2.السيطرة على سرد التاريخ وتأكيد الحق التاريخي في وحدة الأراضي، الذي يعد من الثوابت التي لا تتغير رغم الانتقادات الدولية أو تغيير الحكومات عبر الزمن.
3.التركيز على “السلام والاستقرار” عبر مضيق تايوان من خلال الالتزام بمبدأ الصين الواحدة كأساس لتحسين العلاقات وتقليل التوترات، مع التأكيد على أن أي انحراف عن هذا المبدأ قد يؤدي إلى اضطرابات غير محسوبة النتائج.
السياق الدولي.. بين التوتر والاحترام
في السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات بين الصين وتايوان، وكذلك بين الصين والولايات المتحدة وحلفائها، تفاعلات متضاربة تُظهر بوضوح طبيعة التحديات التي تواجه مبدأ الصين الواحدة.
من جانب الصين، هناك استمرار في تعميق خطاب الوحدة الوطنية مؤكدًا أن السلام والاستقرار لا يمكن ضمانهما إلا من خلال إحترام هذا المبدأ، وأن أي دعم خارجي لاستقلال تايوان يعد تدخلًا في الشؤون الداخلية.
أما على الصعيد الدولي، فيظل موقف القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، معقدًا؛ فهي تعترف رسميًا بسياسة الصين الواحدة، لكنها في الوقت نفسه تُبقي على علاقات قوية غير دبلوماسية مع تايوان، بما في ذلك دعمًا عسكريًا غير محدود، وهو ما تراه بكين تصعيدًا وتحديًا لمبدأ السيادة.
وهذا التوتر ليس فقط نزاعًا ثنائيًا، بل يتصل بتوازن القوة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ ككل.
ما الذي يجعل الصين متمسكة بالمبدأ؟
السؤال هنا ليس فقط سياسيًا، بل استراتيجيًا وقوميًا، فالصين ترى في هذا المبدأ حمايةً لسيادتها ومنعًا لأي تقسيم قد يشكل سابقة في سياق الدول الحديثة.
كما أن هذا المبدأ هو ضمان ضد التدخلات الخارجية التي قد تستغل قضية تايوان لتوسيع النفوذ على حساب الأمن الصيني.
إن التمسك بمبدأ الصين الواحدة هو في جوهره التمسك باستقرار الدولة ووحدة الشعب وتماسكه التاريخي والثقافي.
انتصار سياسة التاريخ
في عالم تتصارع فيه مصالح القوى الكبرى وتتداخل فيه السيادة الوطنية بالضغوط الجيوسياسية، يظل مبدأ الصين الواحدة مثالًا على ثبات سياسة الدولة وثقة قادتها في مسار تاريخي يهدف إلى الحفاظ على وحدة الأمة.
هو مبدأ يستند إلى القانون الدولي، وتدعمه قواعد دبلوماسية راسخة، ويُجسد فهمًا عميقًا لسياسة الأمن القومي.
وفي مواجهة التحديات المعاصرة، يظل هذا المبدأ حجر زاوية في استراتيجية الصين الداخلية والخارجية، بما يمكنها من الحفاظ على سيادتها، وتعزيز استقرارها، والمضي قدمًا نحو مستقبل يتسم بالقوة والتماسك.






