لم يعد السؤال المطروح في دوائر السياسة الدولية هو ما إذا كانت الصين ستنافس الولايات المتحدة الأمريكية على قيادة العالم، بل متى وكيف ستُدار لحظة التحول الكبرى.
فالعالم، بكل مؤشراته السياسية والاقتصادية والعسكرية، يشهد انتقالًا تدريجيًا من نظام أحادي القطبية تهيمن عليه واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة، إلى نظام دولي جديد تتقدم فيه الصين بثبات وهدوء، معتمدة على استراتيجية طويلة النفس، تتجاوز منطق الصدام المباشر إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة ذاتها.
في هذا السياق، تبدو تايوان وفنزويلا وكأنهما نقطتان متباعدتان جغرافيًا، لكنهما في الواقع متصلتان بخيط استراتيجي واحد، خيط الصراع على من يملك حق تعريف النظام العالمي المقبل.
فبينما تحاول الولايات المتحدة الأمريكية الحفاظ على نفوذ يتآكل تدريجيًا، تمضي الصين في تثبيت حضورها العالمي عبر الاقتصاد، والشراكات، واحترام السيادة، مستفيدة من أخطاء القوة الأمريكية التي أنهكتها الحروب والعقوبات وسياسات الإكراه.
الصين، التي خرجت من عقود العزلة لتتحول إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لم تسلك طريق الهيمنة التقليدية.
لم تُنشئ إمبراطوريتها بالقواعد العسكرية المنتشرة في القارات، ولم تفرض نماذجها بالقوة، بل بنت نفوذها عبر ما يمكن وصفه بـ"الهندسة الصامتة للقوة".
هذه الهندسة تتجلى بوضوح في تعاملها مع ملف تايوان، وفي تمددها الاستراتيجي في فنزويلا وأمريكا اللاتينية، حيث تتقاطع المصالح مع الرؤية طويلة الأمد.
تايوان، في الرؤية الصينية، ليست ملفًا تفاوضيًا ولا ورقة ضغط، بل قضية سيادة مكتملة الأركان، حيث تنظر بكين إلى الجزيرة باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، وتستند في ذلك إلى التاريخ والقانون الدولي، حيث لا تعترف الغالبية الساحقة من دول العالم بتايوان كدولة مستقلة.
وعلى عكس الرواية الغربية التي تحاول تصوير الصين كقوة تهديد، فإن بكين قدّمت نموذجًا مختلفًا في التعامل مع هذا الملف، قائمًا على الصبر الاستراتيجي وتجنب المواجهة، رغم الاستفزازات الأمريكية المتكررة.
الولايات المتحدة الأمريكية، من جهتها، تدرك أن خسارة تايوان لا تعني فقط انتصارًا صينيًا، بل إعلانًا غير رسمي عن نهاية الهيمنة الأمريكية في شرق آسيا، لذلك تحولت الجزيرة إلى أداة ابتزاز سياسي، تُستخدم لعرقلة الصعود الصيني، لا لحماية سكانها أو دعم ديمقراطيتها كما يُروَج.
واشنطن لم تمنح تايوان اعترافًا رسميًا، لكنها أغرقتها بالسلاح، في تناقض يعكس رغبة واضحة في إبقاء الأزمة مشتعلة دون حسم، لأن الحسم لا يخدم سوى الصين.
الصين، في المقابل، تطرح نموذجًا مغايرًا، لا يقوم على عسكرة النزاع، بل على دمج تايوان مستقبلًا ضمن مشروع تنموي واقتصادي أوسع، يجعل من إعادة التوحيد مسارًا طبيعيًا لا قسريًا.
هذا النموذج، وإن بدا بطيئًا في نظر الغرب، إلا أنه يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الصراعات الحديثة، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لضمان الاستقرار أو الشرعية.
وعلى بعد آلاف الكيلومترات، تتكرر ملامح الصراع نفسه في فنزويلا، لكن بأدوات مختلفة، فالأخيرة ليست مجرد دولة نفطية، بل تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الصين على كسر الاحتكار الأمريكي للنفوذ في أمريكا اللاتينية.
لعقود طويلة، تعاملت واشنطن مع القارة باعتبارها حديقة خلفية، تُدار بالانقلابات والعقوبات والتدخلات المباشرة، لكن دخول الصين على الخط غير المعادلة بالكامل.
بكين لم تدخل فنزويلا بالدبابات، بل بالاستثمارات، ولم تفرض شروطًا سياسية، بل قدمت شراكات قائمة على تبادل المصالح، "النفط مقابل التنمية"، و"البنية التحتية مقابل الاستقرار".
هذا النموذج، الذي رفضته المؤسسات الغربية، وجد صدى واسعًا لدى دول أنهكتها وصفات صندوق النقد الدولي وسياسات التقشف.
وهنا تحديدًا يكمن الخطر الذي تراه واشنطن، ليس في قوة الصين العسكرية، بل في جاذبية نموذجها.
لجأت الولايات المتحدة الأمريكية إلى سلاحها التقليدي في فرض العقوبات لكنها، كما في حالات كثيرة، أساءت استخدامه، فالعقوبات لم تُسقط الدولة الفنزويلية، لكنها دفعتها أكثر نحو الصين وروسيا.
ومع كل حزمة عقوبات جديدة، كانت واشنطن تخسر جزءًا من نفوذها الأخلاقي والسياسي، بينما كانت بكين تعزز صورتها كشريك يمكن الاعتماد عليه في أوقات الأزمات.
الأهم من ذلك أن الصين لم تستخدم فنزويلا كورقة صراع أيديولوجي، بل كجزء من رؤية أشمل لإعادة التوازن العالمي.
فوجود الصين في أمريكا اللاتينية لا يستهدف الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر، بل يهدف إلى كسر احتكار النفوذ وفتح المجال أمام عالم متعدد الأقطاب، وهذا ما يجعل المواجهة غير متكافئة، فواشنطن تقاتل بعقلية الحرب الباردة، بينما تتحرك الصين بعقلية القرن الحادي والعشرين.
التناقض الأكبر في الموقف الأمريكي يكمن في الخطاب، فبينما ترفع واشنطن شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، تغض الطرف عن انتهاكات حلفائها، وتستخدم هذه القيم كسلاح انتقائي ضد خصومها.
أما الصين، رغم اختلاف نظامها السياسي، تقدم خطابًا أكثر اتساقًا في احترام السيادة، وعدم التدخل، والتنمية المشتركة، هذا الخطاب، حتى وإن لم يكن مثاليًا، وجد قبولًا واسعًا في دول الجنوب العالمي.
ما يجري اليوم في تايوان وفنزويلا ليس سوى انعكاس لتحول أعمق، الولايات المتحدة الأمريكية تواجه أزمة ثقة عالمية، نتيجة حروب طويلة لم تحقق استقرارًا، وسياسات خارجية متقلبة، وتراجع داخلي اقتصادي واجتماعي.
في المقابل، تقدم الصين نفسها كقوة مستقرة، تخطط لعقود لا لانتخابات، وتبني شراكات لا تحالفات مؤقتة.
المفارقة أن الصين لا تسعى لإسقاط الولايات المتحدة الأمريكية، بل لتجاوزها.
هذا الفارق الجوهري هو ما يمنح بكين أفضلية استراتيجية، فهي لا تستنزف نفسها في معارك صفرية، ولا تفرض نموذجها بالقوة، بل تترك الزمن يعمل لصالحها.
وكلما طال أمد الصراع، زادت فرص الصين في ترسيخ موقعها كقوة مركزية في النظام الدولي.
في المحصلة، تايوان وفنزويلا ليستا سوى فصلين في كتاب التحول العالمي، كتاب يُكتب ببطء، لكن بثبات.
الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت قوة عظمى، لكنها لم تعد القوة التي لا تُنازع.
أما الصين، فقد تجاوزت مرحلة الصعود، ودخلت مرحلة الترسّخ، حيث لم يعد السؤال هل ستقود العالم؟ بل كيف سيبدو العالم عندما تفعل.
ويري مراقبون أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون تغيير جذري في بنية النظام الدولي، فإن مسار الصراع بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، سواء في تايوان أو فنزويلا، يكشف عن مجموعة من السيناريوهات التي تبدو، بدرجات متفاوتة، أقرب إلى خدمة المشروع الصيني طويل الأمد.
فاللافت أن الصين لا تحتاج إلى انتصار سريع أو صاخب، بل يكفيها أن تدير الوقت لصالحها، بينما تزداد تكلفة المواجهة على الطرف الأمريكي.
السيناريو الأول يتمثل في استمرار الوضع القائم دون انفجار عسكري مباشر، وهو السيناريو الذي يخدم الصين أكثر مما يخدم الولايات المتحدة الأمريكية.
في هذا الإطار، تواصل واشنطن دعم تايوان عسكريًا دون اعتراف رسمي، وتواصل فرض العقوبات على فنزويلا دون حسم سياسي.
الصين، في المقابل، تستفيد من هذا الجمود عبر تعميق روابطها الاقتصادية، وتعزيز اعتماد شركائها عليها في مجالات الطاقة، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد.
ومع مرور الوقت، تتحول الصين من خيار بديل إلى ضرورة اقتصادية للدول المعنية، بينما تبدو السياسات الأمريكية وكأنها تدور في حلقة مفرغة من الضغط دون نتائج حاسمة.
السيناريو الثاني يقوم على تصعيد أمريكي محدود، سواء عبر زيادة الوجود العسكري حول تايوان أو تشديد العقوبات على فنزويلا.
ورغم أن هذا السيناريو قد يبدو ظاهريًا ضاغطًا على الصين، إلا أنه عمليًا يعزز سرديتها الدولية، فكل خطوة تصعيدية من واشنطن تمنح بكين فرصة لتقديم نفسها كقوة مسؤولة تدعو للاستقرار، وتحترم السيادة، وترفض منطق الإكراه.
هذا التناقض بين الخطاب والممارسة الأمريكية يوسع الفجوة بينها وبين دول الجنوب العالمي، التي باتت أكثر حساسية تجاه سياسات العقوبات والتدخلات الخارجية.
أما السيناريو الثالث، فيتمثل في حدوث أزمة داخلية أمريكية أعمق، سواء اقتصادية أو سياسية، تؤدي إلى تراجع القدرة على إدارة صراعات خارجية متعددة في آن واحد.
في هذا السياق، قد تجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وتقليص انخراطها في ملفات بعيدة جغرافيًا مثل فنزويلا، أو اعتماد مقاربات أقل تصعيدًا في ملف تايوان.
الصين، التي تخطط بعقلية طويلة المدى، تراهن على هذا الاحتمال، وتدرك أن الزمن يعمل لصالحها كلما طال أمد الاستنزاف الأمريكي.
السيناريو الرابع يتصل بتعاظم دور الصين داخل المؤسسات الدولية والاقتصادات الناشئة، بما يؤدي إلى إعادة تعريف قواعد الشرعية الدولية.
في هذا المسار، تصبح مواقف الصين بشأن تايوان أكثر قبولًا دوليًا، ليس عبر فرض الأمر الواقع بالقوة، بل عبر تراكم الاعترافات الضمنية بمبدأ "الصين الواحدة"، وتراجع استعداد الدول للدخول في مواجهة مباشرة مع بكين من أجل إرضاء واشنطن.
وفي فنزويلا، قد يتحول الحضور الصيني من شراكة اقتصادية إلى عنصر استقرار لا يمكن تجاوزه، خاصة إذا فشلت الضغوط الأمريكية في إنتاج بديل سياسي مقنع.
السيناريو الخامس، وهو الأكثر عمقًا، يقوم على تحول بنيوي في النظام الدولي نحو تعددية قطبية فعلية.
في هذا العالم الجديد، لا تكون الصين بحاجة إلى إقصاء الولايات المتحدة الأمريكية، بل يكفيها أن تصبح مركزًا موازيًا للقوة، قادرًا على جذب الدول عبر المصالح لا الإملاءات.
تايوان، في هذا السياق، تتحول من نقطة اشتعال عسكري إلى ملف تفاوضي طويل الأمد، تُدار تسويته ضمن ميزان قوى عالمي جديد يعترف بثقل الصين.
أما فنزويلا، فتغدو نموذجًا مبكرًا لكيفية تحرر دول الجنوب من الهيمنة الأحادية، عبر تنويع الشراكات والانفتاح على الشرق.
ما يجمع هذه السيناريوهات جميعًا هو أن الصين لا تحتاج إلى انتصار نهائي سريع، ولا إلى كسر مباشر لإرادة الولايات المتحدة الأمريكية، فلسفتها الاستراتيجية تقوم على تفكيك الهيمنة لا مواجهتها رأسًا، وعلى استنزاف النموذج القديم عبر تقديم بديل أكثر جاذبية واستقرارًا.
وفي عالم باتت فيه القوة الاقتصادية، والقدرة على الصبر، واحترام الخصوصيات الوطنية عوامل حاسمة، تبدو الصين في موقع يسمح لها بترجيح الكفة لصالحها دون أن تطلق رصاصة واحدة.






