يعاني الشرق الأوسط من مشكلات كافية كما هو.
قد تكون الحرب في غزة معلّقة في الوقت الراهن، لكن الصعوبة التي تعانيها إدارة ترامب في حشد تحالف دولي لنزع سلاح حماس تعني أن خطة السلام ذات النقاط العشرين التي طرحها الرئيس الأمريكي تظل، هشة وغير مضمونة في أحسن الاحوال، أما إيران، فقد تعرّضت برامجها النووية والصاروخية لانتكاسة بعد حرب الأيام الاثني عشر في يونيو، غير أن محاولة طهران إعادة بناء قدراتها العسكرية دفعت ترامب إلى التلويح بشن هجوم جديد، وفي سوريا، لا تزال البلاد تمرّ بمرحلة انتقالية معقّدة، تحاول خلالها الحكومة الجديدة، بقيادة القائد السابق في تنظيم القاعدة أحمد الشرع، ترسيخ سلطتها وتوحيد قبضتها على الدولة.
والآن يمكن إضافة أزمة جديدة في الخليج العربي إلى هذا المشهد المضطرب، أزمة قد تعقّد الأجندة الدبلوماسية الأوسع لإدارة ترامب في المنطقة، فقد دخلت السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهما من أقرب شركاء واشنطن في الشرق الأوسط، في مواجهة حادة في اليمن، البلد الغارق في الفوضى والذي يعيش حربًا أهلية مستمرة منذ نحو عقد.
غالبًا ما يُوصف البلدان بأنهما شريكان استراتيجيان، إن لم يكونا حليفين كاملين، وهذا الوصف ليس بعيدًا تمامًا عن الواقع، إذ يتعاون الطرفان في طيف واسع من القضايا الأمنية. فكلاهما يريد نجاح الحكومة السورية الجديدة، وقد سارعا إلى تقديم الدعم السياسي والاقتصادي لأحمد الشرع بعد أن أطاحت قواته بنظام الأسد، كما يتشارك الطرفان تاريخيًا الشكوك حيال نوايا إيران، ويرحبان بوجود القوات الأمريكية على أراضيهما، ويتطلعان إلى القضاء على حزب الله في لبنان.
غير أن مصالح البلدين ليست متطابقة، فمع تنامي قدراتهما الاقتصادية ونفوذهما الجيوسياسي، سعى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الإماراتي محمد بن زايد إلى تحويل هذه المقومات إلى أدوات قوة فعلية.
يركّز محمد بن سلمان على ضمان قدر كافٍ من الاستقرار السياسي الإقليمي يمنح المملكة الوقت اللازم لتحديث اقتصادها، أما محمد بن زايد، فيبدو أنه يتبنّى تصورًا مختلفًا لكيفية استخدام القوة والنفوذ، ففي السودان، على سبيل المثال، تُعد الإمارات الداعم الخارجي الرئيسي لقوات الدعم السريع، وهي ميليشيا أسهمت في دفع هذا البلد الإفريقي الشاسع إلى واحدة من أسوأ الحروب الأهلية في العالم، وعلى النقيض من ذلك، تقف السعودية في الجانب الآخر من هذا الصراع، وكانت أكثر انخراطًا في السعي إلى حل دبلوماسي.
غير أن اليمن يظل الساحة التي تتصادم فيها المصالح السعودية والإماراتية بأعنف صورة، فقد كانت الرياض وأبو ظبي، في مرحلة سابقة، أبرز منظمي تحالف عسكري هدفه المعلن الإطاحة بجماعة الحوثيين المدعومة من إيران بالقوة، لكن مع مرور الوقت وتعثر الحرب ودخولها في حالة جمود معقد، قررت الإمارات تقليص انخراطها، فسحبت معظم قواتها من اليمن عام 2019، وركّزت منذ ذلك الحين على بناء وكلاء موثوقين في جنوب البلاد، أما السعودية، فرغم تقليص حضورها العسكري، فإنها لا تزال تنظر إلى استقرار اليمن بوصفه مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بأمنها الوطني.
تكمن المشكلة في أن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا تقضي وقتًا في الاقتتال الداخلي لا يقل عن الوقت الذي تقاتل فيه الحوثيين، فمجلس القيادة الرئاسي، الذي يُفترض أن يوحّد القوى المناهضة للحوثيين ضمن إدارة واحدة، تحوّل في الواقع إلى خليط غير متجانس من المصالح المتنافسة؛ للسعوديين حلفاؤهم المفضلون، وللإماراتيين حلفاؤهم كذلك.
والمفارقة أن الحليف المفضل للإمارات، أي المجلس الانتقالي الجنوبي، هو القوة الأقوى ميدانيًا، وقد نفد صبره من المسار السياسي التقليدي، فالمجلس، الذي يسعى على المدى البعيد إلى إقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن، أمضى الأسبوع الماضي في السيطرة على أراضٍ جديدة، بما في ذلك مناطق قريبة من الحدود الجنوبية للسعودية.
وجاء الرد السعودي سريعًا، ففي يوم الثلاثاء 30 ديسمبر، شنّت الرياض غارات جوية على قافلة قالت إنها كانت تنقل أسلحة إماراتية إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، كما أصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانًا حمّلت فيه الإمارات، بشكل شبه صريح، مسؤولية زعزعة استقرار اليمن.
وفي الثاني من يناير، استهدفت غارات سعودية مواقع إضافية للمجلس الانتقالي، وبدأت قوات يمنية مدعومة من السعودية عملية لاستعادة الأراضي التي فقدتها، في المقابل، حاولت الإمارات الموازنة بين تسجيل اعتراضاتها، وحماية مصالحها، والإعلان عن سحب جميع قواتها، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان محمد بن سلمان سينظر إلى هذه الإعلانات بوصفها مخرجًا يفتح الباب أمام خفض التصعيد.
فكيف سينعكس هذا الشرخ الخليجي على مبادرات ترامب في المنطقة؟
على المدى القريب، قد يكون الأثر محدودًا، فالصدام السعودي – الإماراتي يتركز أساسًا في اليمن، وهو بلد لا يهم إدارة ترامب إلا بقدر ما يخص هجمات الحوثيين على ناقلات مدنية في البحر الأحمر، وهي هجمات تراجعت حدتها مؤخرًا، ومن غير المرجح أن تنفق واشنطن قدرًا كبيرًا من رأسمالها السياسي على الملف اليمني، رغم القتال الأخير.
لكن إذا عجزت الرياض وأبو ظبي عن التوصل إلى تسوية بشأن شكل الحكم في اليمن، وبنية الميليشيات المناهضة للحوثيين، والترتيبات الأمنية على طول الحدود اليمنية شديدة الهشاشة، فقد يمتد هذا التنافس إلى ملفات إقليمية أخرى، وقد تصبح عملية إعادة إعمار غزة أكثر تعقيدًا إذا واصل السعوديون والإماراتيون العمل في اتجاهين متعارضين.
وينطبق الأمر نفسه على سوريا، حيث قد يستحيل تعزيز الدولة الجديدة إذا بدأ محمد بن سلمان ومحمد بن زايد في النظر إلى بلاد الشام باعتبارها ساحة تنافس لا مجال تعاون.
وبالنسبة لترامب، فإن أيًا من ذلك لن يكون مفيدًا على الإطلاق.
------------------------------
دانييل آر. ديبيتريس
* زميل في مؤسسة "ديفنس برايوريتز" وكاتب عمود في الشؤون الخارجية
تُنشر مقالاته في صحيفة "شيكاغو تريبيون".






