01 - 01 - 2026

النساجون الشرقيون: أرباح بالمليارات وعمال "يتقاضون الفتات" ويخضعون للمراقبة

النساجون الشرقيون: أرباح بالمليارات وعمال

العمال: - "الأجور بتيجي من الزبالة» و«صاحبة السعادة» نموذج فج لدولة داخل الدولة
- "إحنا بنشتغل في شركة بيقولوا عليها عالمية، بس إحساسنا إننا عايشين جوه سور مقفول… محدش سامعنا ولا حاسس بمعاناتنا"

على مدار أكثر من أربعة عقود، وبفضل قوتها البشرية الوطنية، رسخت شركة «النساجون الشرقيون» مكانتها بوصفها واحدة من أكبر شركات صناعة السجاد في العالم، وكيانًا تصديريًا عملاقًا يُقدَّم باعتباره قصة نجاح للصناعة المصرية.

 بدأت الشركة نشاطها في مطلع الثمانينيات، ثم تمددت أفقيًا ورأسيًا، وبنت سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من تصنيع الخامات الأولية، وعلى رأسها حبيبات البولي بروبلين، مرورًا بالغزل والصباغة والنسج، وصولًا إلى التعبئة والتوزيع داخل السوق المحلية وعبر عشرات الأسواق العالمية.

القوائم المالية والإفصاحات الدورية ترسم صورة صعود متواصل: نمو في الإيرادات، قدرة على تحقيق أرباح وتوزيعات سخية للمساهمين، واستمرار في التوسع حتى في سنوات الاضطراب الاقتصادي. غير أن هذه الصورة، كما تكشف إفادات عمالية وبيانات حقوقية وتغطيات صحفية مستقلة، تخفي واقعًا مختلفًا داخل المصانع؛ واقعًا تُختزل فيه علاقة العمل إلى معادلة قوة غير متكافئة، وتتحول فيه أدوات الإدارة إلى أدوات مراقبة وترهيب، ويغيب فيه الدور الرقابي للدولة.

صعود مالي واضح… وأرقام لا تصل إلى القاعدة

وفق الإفصاحات الرسمية، حققت «النساجون الشرقيون» خلال عام 2024 إيرادات تجاوزت 24 مليار جنيه مصري، مع صافي أرباح قُدِّر بنحو 2.5 مليار جنيه. وفي العام نفسه، أقرت الجمعية العمومية توزيعات نقدية للمساهمين تجاوزت مليار جنيه، في إشارة صريحة إلى وفرة السيولة وثقة الإدارة في نتائجها. وفي النصف الأول من عام 2025، واصلت الشركة تسجيل مبيعات تجاوزت 12.5 مليار جنيه، مع أرباح صافية تخطت المليار جنيه، رغم تراجع نسبي في الهوامش.

تعكس هذه الأرقام نموذجًا إنتاجيًا رأسيًا متكاملًا يمنح الشركة قدرة عالية على التحكم في التكلفة وتعظيم العائد. لكن العمال داخل المصانع يؤكدون أن هذا النجاح لا يُترجم إلى تحسّن ملموس في دخولهم. فبحسب إفادات متطابقة، يتقاضى عمال أمضوا 8 إلى 10 سنوات خدمة رواتب تتراوح بين 7 و8 آلاف جنيه، مع زيادات سنوية محدودة وُصفت بأنها رمزية.

"أنا بقالي سنين في المكان ده. كل ما نسمع عن أرباح جديدة، نستنى نشوف حاجة علينا… مفيش. بنرجع البيت نحسب الجنيه قبل ما نصرفه وكأن هذه المليارات لا تمر من أمام بوابات المصنع"

اقتصاديًا، يشكّل بند الأجور في الصناعات التحويلية كثيفة العمالة عادة 15 إلى 30 في المئة من تكلفة التشغيل وفق المعايير المتعارف عليها. وفي شركات تصديرية تحقق وفورات الحجم وتوزّع أرباحًا بالمليارات، يُفترض أن ينعكس النمو على تحسين الأجور وظروف العمل، لا تكريس الضغط على العمال باعتبارهم الحلقة الأضعف.

التخارج إلى الخارج: الأرباح تخرج… والضغط يبقى

في عام 2022، أعلنت شركة «النساجون الشرقيون» عن خطوة وُصفت رسميًا بأنها «إعادة هيكلة»، تمثّلت في قيام ياسمين وفريدة محمد فريد خميس، ابنتي مؤسس الشركة الراحل، ببيع كامل حصتيهما المباشرتين في الشركة، والبالغ مجموعهما نحو 24.6 في المئة من الأسهم، لصالح صندوق استثماري يُدعى FYK Limited، مقابل ما يقارب 1.4 مليار جنيه مصري. وبحسب إفصاح الشركة للبورصة المصرية، باعت كل منهما حصتها البالغة 12.31 في المئة بعدد أسهم تجاوز 81 مليون سهم، وبقيمة قاربت 687 مليون جنيه لكل حصة.

أكدت الشركة حينها أن الصفقة لن تؤدي إلى تغيير المستفيد النهائي، باعتبار أن الصندوق المشتري مملوك بالكامل لهما. غير أن ما أثار جدلًا واسعًا هو أن صندوق FYK Limited كيان مسجَّل في إنجلترا، تم تأسيسه حديثًا، ولا يعمل أصلًا في مجال صناعة السجاد. اقتصاديون وحقوقيون رأوا في هذه الخطوة نقلًا قانونيًا لمركز ثقل الملكية إلى الخارج، بما يسمح بتحويل الأرباح والعوائد إلى عملات أجنبية والاحتفاظ بها خارج البلاد، في وقت كانت تعاني فيه مصر من أزمة عملة حادة.

أحد العمال علّق على الخطوة قائلًا إن الشركة “شدّت السلم وطلعت”، بينما يُطلب منهم في الداخل تحمّل الأعباء باسم الظروف الاقتصادية. محللون أشاروا إلى أن هذا النموذج، رغم كونه قانونيًا من الناحية الشكلية، يتيح التحصّن باتفاقيات التحكيم الدولي والتمتع بمزايا ضريبية، ويُضعف قدرة الدولة على الرقابة والمساءلة، خصوصًا فيما يتعلق بتحويل الأرباح والالتزامات الاجتماعية.

في هذا السياق، يبرز سؤال حق الدولة وحق المجتمع: شركة نشأت وتوسعت داخل مصر، واستفادت لعقود من العمالة الرخيصة والبنية التحتية والحوافز، ثم تنقل جزءًا معتبرًا من ملكيتها وعوائدها إلى الخارج، في الوقت الذي تُشدّد فيه الخناق على عمالها داخل المصانع.

فجوة الأجور… حين يصبح التدرج غير قابل للتبرير

إلى جانب تدني الأجور، يثير العمال مسألة «فجوة الأجور الصادمة» داخل الشركة. وبحسب إفادات عمالية، يحصل أحد كبار المديرين على راتب شهري يقدر بنحو مليون و300 ألف جنيه، وقد نشر العمال صورة ضوئية لمستند الشيك الذي يتقاضاه المدير شهريا، وذلك في مقابل بضعة آلاف من الجنيهات لعمال خطوط الإنتاج.

"إحنا لما سمعنا الرقم حسينا إننا مش في نفس الشركة. ده مش فرق درجات، ده فرق حياة."

بحسب خبراء سياسات الأجور فإن هذا التفاوت الحاد لا يتماشى مع أي معايير عدالة مطبقة في الشركات الكبرى عالميًا، حيث تسعى الإدارات، حتى في الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة، إلى ضبط الفجوة بين أعلى وأدنى أجر، إدراكًا لخطورة تحوّلها إلى عامل احتقان وانفجار اجتماعي داخل بيئة العمل.

"صاحبة السعادة" وإهانة العمال: واقعة تتجاوز الكلمات

في قلب هذا الاحتقان، تتداول شهادات عمالية واقعة منسوبة إلى ياسمين محمد فريد خميس، رئيسة مجلس إدارة الشركة، والتي يُطلق عليها داخل المصانع لقب «صاحبة السعادة». وبحسب روايات عمالية متطابقة، قالت ياسمين، في سياق حديث عن بند الأجور، إن رواتب العمال «بتيجي من الزبالة»، في إشارة إلى بقايا البلاستيك وبواقي التصنيع. التي يتم بيعها لسد بند الأجور لأكثر من عشرين ألف عامل قام المصنع على اكتافهم وبعرقهم.

ورغم عدم صدور تعليق رسمي موثّق يؤكد أو ينفي العبارة حرفيًا، فإن وقعها داخل المصانع كان قاسيًا، كما يقول العمال، لأنها حملت معنى التقليل من قيمة العمل الإنساني، ورسالة بأن الأجور ليست حقًا عادلًا بل "فضلة" من العملية الإنتاجية.

"الكلمة دي جرحتنا اوي ومأثرة فينا حسّيت إن كل تعبنا بيتشال من عليه الغطا ويتقال عليه زبالة. بعد اليوم ده، أي كلام عن احترام بقى صعب نصدقه".

غني عن القول أن مثل هذه الخطابات، حتى وإن لم تدون رسميًا، تُسهم في تكريس ثقافة إدارية تجرد العمال من الكرامة، وتتناقض مع مبادئ العمل اللائق التي تُقرّها المعايير الدولية.

شهادات من الداخل: الخوف بدل الحوار

في محاولة لاحتواء الشكاوى، أنشأت الإدارة صندوقًا للشكاوى باعتباره آلية رسمية للتواصل. لكن شهادات عمالية متطابقة تشير إلى أن الصندوق تحوّل إلى فخ إداري.

"حطيت شكوى عن الأكل والشيفتات. بعدها بأيام اتطلبت تحقيق. محدش قالّي ده ليه، بس فهمت إن الشكوى مش حق… دي تهمة."

عامل آخر يضيف أن مجرد التفكير في الشكوى أصبح مغامرة غير محسوبة العواقب مضيفا "بقينا بنقول لبعض: خليها في قلبك. اللي اشتكى قبل كده اتعلّم علينا. الصمت بقى أأمن عندنا عيال".

يصنف القانون بشكل واضح تلك الممارسات بالنص" يُعد أي إجراء عقابي بسبب تقديم شكوى انتقامًا محظورًا ويُصنَّف كفصل تعسفي مقنّع حتى لو لم ينه صاحب العمل العقد صراحة" ولكن من يراقب ومن ينفذ؟.

المصنع كمساحة أمنية: تفتيش وتجسس وترهيب

التحول الأخطر، بحسب توصيف عمالي وحقوقي، كان نقل الخلاف العمالي إلى مربع أمني. فمع تصاعد المطالبات، أنشأ عمال مجموعة مغلقة على فيسبوك لمناقشة الأوضاع. خطوة بدت سلمية، لكنها قادت، وفق بيان المفوضية المصرية للحقوق والحريات، إلى سلسلة من الانتهاكات.

أشارت المفوضية إلى فصل نحو  70 عاملًا من أربعة مصانع بالعاشر من رمضان تعسفيا بعد تحقيقات داخلية وُصفت بأنها صورية. ووفق إفادات العمال، شملت التحقيقات تفتيشًا ذاتيًا مهينًا قبل دخول غرف التحقيق، وإهانات لفظية، ومحاولات لإجبار بعضهم على الاستقالة.

"دخلت التحقيق بعد ما فتشوني ذاتيا حسّيت إني متهم مش عامل. اللحظة دي كسرت حاجة جوايا."

الأخطر، بحسب البيان، هو اختراق وتتبع الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، بما في ذلك منشورات من حسابات مجهولة، ثم تحديد أصحابها وفصلهم.

"كنا فاكرين الأكونت المجهول أمان. لما اتجابوا الناس واحد واحد، فهمنا إننا متراقَبين."

خبراء قانونيون يرون أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا صارخًا للحق في الخصوصية، وقد ترقى إلى شبهة تجسس غير مشروع، ولا تندرج بأي حال تحت سلطات صاحب العمل.

ويؤكد العمال أن بعض من قادوا هذه الإجراءات ضباط شرطة سابقون يعملون داخل هيكل الإدارة، ما رسّخ شعورًا بأن المصنع يُدار بعقلية أمنية لا إدارية.

مباحث الإنترنت و«نشر الأخبار الكاذبة»: القانون كسلاح ضغط

لم تتوقف الإجراءات عند الفصل. فبحسب إفادات العمال وبيان المفوضية، جرى تهديد بعض العمال باللجوء إلى مباحث الإنترنت، واستخدام اتهامات من قبيل «نشر أخبار كاذبة» و«التحريض».

"قالوا لنا: هنبلغ عنكم مباحث الانترنت واللي هيغلط هيتحاسب. ساعتها حسّينا إن الكلام نفسه بقى جريمة."

ويتعارض انحراف استخدام النصوص الجنائية لقمع التعبير العمالي السلمي، مع اتفاقيات منظمة العمل الدولية التي تكفل حرية التنظيم والتعبير داخل أماكن العمل كما تشير المفوضية إلى أن الشركة سبقت العمال ببلاغات تتهمهم بالتحريض والتخريب، ما قلب موقع الضحية إلى متهم.

المخالفات القانونية… وأين الدولة؟

وفق قراءة قانونية، تتضمن الوقائع فصلًا تعسفيًا، تفتيشًا مهينًا، انتهاكًا للخصوصية، ترهيبًا قانونيًا، واستخدام أدوات أمنية خارج إطار الدولة. وهي ممارسات تتعارض مع قانون العمل المصري، ومع اتفاقيات منظمة العمل الدولية التي صدّقت عليها مصر، خاصة ما يتعلق بحرية التنظيم وحظر الفصل التعسفي وحماية الكرامة الإنسانية.

وسط ذلك، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: أين وزارة العمل؟

رغم الوقفات والشكاوى والبيانات الحقوقية، لا يظهر تدخل رقابي حاسم. حقوقيون يرون أن هذا الغياب فتح المجال أمام بعض الشركات الكبرى للتصرف كدولة داخل الدولة.

"دوّرنا على الدولة، لقينا نفسنا واقفين قدّام الشركة لوحدنا، النساجون دولة جوا الدولة ما يقدر عليها غير ربنا"

حين يغيب القانون يحضر الخوف

بين أرباح بالمليارات وتوزيعات سخية للمساهمين، يعيش عمال «النساجون الشرقيون» تحت ضغط دائم: أجور متدنية، فجوات صادمة، صناديق شكاوى تتحول إلى فخاخ، ومصانع تُدار بعقلية المراقبة والترهيب.

"إحنا مش طالبين غير نشتغل بكرامة… بس الكرامة بقت أصعب من الشغل"

القضية هنا لم تعد خلافًا عماليًا، بل اختبارًا حقيقيًا لدور الدولة وحدود نفوذ رأس المال.فحين يخاف العامل من الشكوى، ومن الكلام، ومن منشور على فيسبوك، يصبح السؤال الأهم:

من يحمي العامل؟ وأي معنى يبقى للنجاح الاقتصادي، إذا كان ثمنه هو الخوف داخل أماكن العمل؟
-----------------------------------
تحقيق: أسماء زيدان

العدد 343 من المشهد الأسبوعية - ص9