بعد (43) عامًا من هجرته إلى أمريكا، يتعرَّض "مايكل بشارة" لحادث سير في نيويورك، يؤدي إلى إصابته بفقدان ذاكرة كلِّي ينسيه كل ماضيه، ولا يجعله قادرًا على تكوين ذاكرة جديدة، مع إشعاعات نادرة تسمح له بالنفاذ إلى مرحلة دراسته الجامعية في نهاية حكم السادات حتى اغتياله على يد أعضاء الجماعات المتطرفة الذين أخرجهم من السجن وسمح لهم بالتمدد.
تلك هي الثيمة الأساسية التي تتمحور حولها أحداث رواية سمير درويش الجديدة، بعنوان "فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة" التي صدرت مؤخرًا عن دار العين للنشر في (285) صفحة، يغوض خلالها في أحوال المهاجرين المصريين في أمريكا، في نيو جيرسي ونيويورك بالتحديد، من خلال عائلتين، إحداهما هاجرت في منتصف القرن العشرين، والأخرى في بداية الثمانينيات بعد أحداث الفتنة الطائفية في الزاوية الحمراء.
تسير الأحداث في خطين زمنيين متوازيين، مرقَّمين تصاعديًّا، يفصلهما ثلاثة وأربعون عامًا، الخط الأول آني يُروى بضمير الغائب، ويرصد مسيرة العلائلتين وأحوالهما وعلاقاتهما، خاصَّة شباب الجيلين الثاني والثالث، والثاني يُروى بضمير المتكلم، ويرصد مرحلة الدراسة الجامعة للبطل "مايكل بشارة"، حيث درس الفلسفة في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، مصوِّرة الحركات السياسية التي كانت تعمل في الجامعات وقتها، وصراعاتها.
وعلى الرغم من أن البطل الرئيسي هو نفسه في المستويين، بكل أفكاره وطموحاته وأحلامه وإحباطاته، فإن وضعهما متجاورين يكشف الاختلاف الشاسع بين زمنين، ومكانين: الإسكندرية ونيويورك، لكلٍّ منهما خصوصيته وملامحه المميزة التي تنعكس على تصرفات الشخصيات.
اللغة رصينة تناسب دراسة الشخصية الرئيسية وثقافتها، تميل ناحية لغة الشعر أحيانًا من حيث التكثيف، وبناء الفقرات على بعضها بعصًا، وتستدعي الكثير من الأغنيات والأفلام السينمائية، ليس كحلية خارجية، ولكن لتضيء بعض المواقف، وتعكس الطريقة التي يفكر بها بعض الأشخاص، والمآزق الحياتية التي يجدون أنفسهم غارقين في تفاصيلها الكثيرة المؤلمة.
"فستان أحمر بكُولة دائريَّة" رواية لا تكتفي بالغوص في مجتمع المهاجرين المصريين في أمريكا، لكنها تضيء فترة مهمة في التاريخ المصري الحديث.
صمم الغلاف الفنان عبد الرحمن الصواف.
يذكر أن سمير درويش شاعر مصري من جيل الثمانينيات، أصدر (19) ديوانًا، أولها "قطوفها وسيوفي" عام 1991 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، وآخرها "ديك الجن" عن دار ميريت للنشر عام 2021.. كما أصدر (3) روايات قبل هذه: "خمس سنوات رملية" 2004، "طائر خفيف" 2006، و"ليس بعيدًا عن رأس الرجل- عزيزة ويونس" 2024، ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية دورة 2025.
كما أصدر كتابين فكررين: "دولة الملتحين" 2014 و"أفول العقل العربي" 2023، وكتابين في النقد الأدبي (إعداد وتقديم): "تفكيك مركزية السرد العربي" 2020، و"فتنة التشكيل" 2021. وأصدر الكتاب الأول من سيرته الذاتية بعنوان "العشر العجاف- من الهزيمة إلى النصر" عن دار الآن ناشرون وموزعون بالأردن 2018.






