إبراهيم عبدالمجيد: غياب الترجمة يحول الجوائز المصرية إلى حدث محلي بلا امتداد عالمي
عمار علي حسن: المال قد يصنع ضجيجًا إعلاميًا لكنه لا يصنع وعيًا ثقافيًا مستدامًا.
علي عطا: لا يمكن الحديث عن جائزة أدبية مؤثرة في ظل مناخ لا يحترم حرية التعبير
د. عبدالرحمن الشرقاوي: غياب الدعاية الاحترافية أحد أسباب تراجع حضور الجوائز المصرية
أمل سالم: أزمة الجوائز ليست منفصلة عن أزمة الثقافة المصرية ككل
سعيد شحاتة: الاعتراف الصادر من مؤسسة مصرية ما زال حلمًا لكثير من المثقفين العرب
علي قطب: القول إن مصر خرجت من خريطة الجوائز الكبرى طرح غير دقيق.
الدولة التي صنعت الوعي الأدبي العربي الحديث، وخرجت من عباءتها أسماء كبرى في الرواية والشعر والفكر، تبدو اليوم حاضرة بإنتاجها وغائبة بتأثير جوائزها، في وقت باتت فيه الجوائز الأدبية أحد أهم أدوات القوة الناعمة وصناعة النفوذ الثقافي.
على مدار السنوات الأخيرة، نجحت دول عربية عدة في تأسيس جوائز ذات ثقل مادي ورمزي، قادرة على صناعة نجومية الكاتب، وتسويق العمل الأدبي عربيًا وعالميًا، بينما ظلّت الجوائز المصرية، على كثرتها، محصورة في نطاق محلي محدود الأثر، لا يتجاوز لحظة الإعلان أو الاحتفال الرسمي. هذا التناقض بين التاريخ الثقافي المصري العريق والواقع الراهن للجوائز يفتح باب التساؤل حول أسباب هذا الغياب: هل يتعلق الأمر بضعف التمويل؟ أم بغياب الرؤية الثقافية؟ أم بمناخ عام لا يسمح للجائزة بأن تتحول إلى مشروع مؤسس؟
في هذا التحقيق، تحاول «المشهد» الاقتراب من الإجابة عبر شهادات نقدية وإبداعية لعدد من أبرز الكُتّاب والمفكرين المصريين، ممن حصدوا جوائز محلية وعربية، ويمتلكون خبرة مباشرة مع آليات الجوائز وتأثيرها. شهادات تكشف وجوه الأزمة المتعددة، من غياب الترجمة والزخم الإعلامي، إلى إشكاليات حرية التعبير، واختلال البنية الثقافية الأوسع، في محاولة لفهم لماذا لم تنجح مصر، حتى الآن، في تأسيس جائزة أدبية عربية كبرى تليق بتاريخها الثقافي.. وتستعيد بها بعضًا من نفوذها الغائب.
إبراهيم عبدالمجيد
التأثير المعنوي
كانت البداية مع الروائي الكبير إبراهيم عبدالمجيد الذي يرى أن تراجع قيمة الجنيه المصري أسهم بشكل واضح في تقليص التأثير المعنوي والمادي للجوائز المحلية. فجائزة النيل، وهي أرفع الجوائز المصرية، تبلغ قيمتها نحو 500 ألف جنيه مصري، أي ما يعادل قرابة 10 آلاف دولار، في حين تصل قيمة الجوائز العربية الكبرى إلى أكثر من 50 ألف دولار، وهو ما يتجاوز مليوني جنيه مصري.
ويضيف لا يرتبط الأمر فقط بسعر الصرف، بل أيضًا بحالة الغلاء العامة التي تضرب كل مناحي الحياة الثقافية في مصر، ما جعل الجوائز العربية أكثر جذبًا واهتمامًا لدى الكُتّاب.
يؤكد عبدالمجيد أن المشكلة الحقيقية ليست في القيمة المادية وحدها، وإنما في غياب بند الترجمة عن الجوائز المصرية. فالجوائز العربية الكبرى لا تكتفي بالمكافأة المالية، وتتكفل بترجمة الأعمال الفائزة أو دفع أجر المترجم، ما يمنح الكاتب فرصة للانتشار العالمي.
ويشير إلى أن الاستثناء الوحيد في مصر هو جائزة نجيب محفوظ للرواية، التي تتولى الجامعة الأمريكية بالقاهرة ترجمة العمل الفائز بها إلى اللغة الإنجليزية. أما جوائز الدولة المصرية، فلا تقوم بترجمة أي عمل فائز، ما يحرم الأدب المصري من الوصول إلى قارئ أجنبي أوسع.
يلفت عبدالمجيد إلى أن ضعف ميزانية وزارة الثقافة يُعد سببًا رئيسيًا لهذا القصور، لكنه يرى أن الحلول متاحة وقانونية. من بين هذه الحلول فتح باب التبرع لرجال الأعمال لدعم الترجمة، بحيث يكونون كفلاء لمشروعات نقل الأدب المصري إلى اللغات العالمية.
ويتساءل: «تخيل لو حصلت وزارة الثقافة على مائة مليون جنيه سنويًا من التبرعات، أي ما يعادل نحو مليوني دولار، كم رواية وكتابًا يمكن ترجمته بالتعاون مع دور نشر عالمية، مع ضمان حقوق المترجمين؟»
يشير عبدالمجيد إلى أن دولًا عربية مثل السعودية وعُمان والإمارات تدعم ترجمة أعمال كتابها بشكل مؤسسي، بينما يظل الكاتب المصري محرومًا من هذه الفرصة، إلا إذا فاز بإحدى الجوائز العربية الكبرى. وحتى في هذه الحالة، لا يتجاوز عدد المصريين الفائزين كاتبًا أو اثنين سنويًا.
يختتم عبدالمجيد حديثه للمشهد بالتأكيد على أن مصر تزخر بعدد كبير من الكُتّاب البارعين الذين يستحقون أن تكون أعمالهم نافذة يطل منها العالم على الثقافة المصرية. مطالبًا وزارة الثقافة بأن تعمل جديًا على دعم الترجمة، سواء للفائزين بجوائزها أو لغير الفائزين، حتى لا يظل الأمل معلقًا فقط بجائزة عربية قد تأتي… أو لا تأتي.
عمار علي حسن
جدل متواصل
في خضم الجدل المتواصل حول قيمة الجوائز الأدبية العربية، يطرح المفكر والروائي عمار علي حسن رؤية مختلفة، تضع التأثير الثقافي الحقيقي في مواجهة السخاء المالي الذي بات معيارًا أساسيًا عند تقييم مكانة أي جائزة أدبية.
يرى عمار علي حسن أن الدور الثقافي المؤثر لا يقتصر على تقديم جوائز كبيرة من الناحية المادية، إنما يتأسس بالأساس على ترسيخ المسار الثقافي على المستوى القاعدي، أي دعم القراءة والتأليف والترجمة والانتشار الواسع للأعمال الجيدة.
ويضرب مثالًا بسلسلة «عالم المعرفة» الصادرة في الكويت، مؤكدًا أنها أثّرت في الوعي العربي لعقود طويلة أكثر بكثير من أي جائزة أدبية، ويشير إلى أن مصر لعبت الدور نفسه تاريخيًا، عبر التأليف والنشر والترجمة، إضافة إلى السينما والمسرح والصحافة الثقافية، وهو دور ما زال قائمًا حتى اليوم.
ويشدد عمار علي حسن على أن تراجع قيمة الجوائز المصرية ماليًا لا يعني تراجع التأثير الثقافي لمصر، قائلًا إن السخاء المالي لا يساوي بالضرورة تأثيرًا ثقافيًا.
ويلفت إلى أن هناك جوائز عالمية مرموقة مثل جائزة جونكور الفرنسية، التي لا تتجاوز قيمتها المادية يورو واحد، لكنها تمنح العمل الفائز انتشارًا هائلًا، حيث تُطبع منه ملايين النسخ، وهو ما يمثل التأثير الحقيقي لأي جائزة.
ويضيف أن بعض الدول قد تستخدم الجوائز السخية أداة دعائية أو جزءًا من سياسات العلاقات العامة لتحسين صورتها، وهو أمر يحدث بالفعل، لكنه لا ينتج بالضرورة فعلًا ثقافيًا عميقًا أو مستدامًا.
يطرح حسن تصورًا مختلفًا لما يمكن أن تفعله مصر، مستندًا إلى قيمتها الثقافية والتاريخية. فبدلًا من السعي إلى جوائز ضخمة ماليًا، يمكن تدشين جائزة بقيمة مادية متوسطة، على أن تضمن طباعة العمل الفائز بآلاف النسخ، وتوزيعه على المكتبات العامة والمؤسسات الثقافية.
ويرى أن مثل هذه الجائزة ستتفوق على كثير من الجوائز العربية الحالية، لأنها تمنح الكاتب الذيوع والشهرة والتأثير الحقيقي، متوقعًا أن يتسابق الكُتّاب العرب لنيلها.
ولا يقتصر طرحه على الجوائز فقط، بل يدعو أيضًا إلى إطلاق سلاسل شهرية متميزة في مصر، تُطبع بجودة عالية، وتُختار كتبها بعناية، مع فتح الباب أمام الكُتّاب العرب، بما يعيد لمصر دورها المركزي في دعم الثقافة العربية.
وحول التحديات المالية، يؤكد عمار علي حسن أن مصر تضم شخصيات قادرة على دعم أي مشروع ثقافي حقيقي إذا طُرح بجدية، كما يمكن توسيع دائرة الدعم عربيًا.
يختتم عمار علي حسن حديثه بالتأكيد على أن الفرصة ما زالت قائمة لإعادة بناء مشروع ثقافي مصري مؤثر، شرط واحد فقط: أن نبدأ الآن.
علي عطا
حرية التعبير
يطرح الكاتب علي عطا مقاربة مختلفة لمسألة الجوائز الأدبية في مصر، معتبرًا أن أي حديث عن التأثير الثقافي الحقيقي يجب أن يبدأ من احترام حرية التعبير، باعتبارها الشرط الأول والأساسي لمنح أي جائزة أدبية وزنًا وقيمة.
يرى عطا أن مصر، بما تمتلكه من ثقل حضاري وتاريخ ثقافي عميق، قادرة على إطلاق جائزة أدبية ذات تأثير كبير، حتى لو لم تكن قيمتها المادية مرتفعة. فالقيمة الرمزية، في رأيه، ستكون في هذه الحالة أهم بكثير من القيمة المالية، لكنها تظل مشروطة بعنصر لا غنى عنه، هو المصداقية.
ويؤكد أن هذه المصداقية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا استندت الجائزة إلى واقع ثقافي يحترم حرية التعبير، ويكفل للكاتب حقه في الكتابة دون قيود أو مخاوف، لأن أي جائزة تُمنح في مناخ يفتقر إلى هذا الاحترام تفقد جزءًا كبيرًا من معناها وتأثيرها.
ولا يتوقف طرح علي عطا عند حرية التعبير، بل يمتد إلى ما يصفه بـالمناخ غير العادل الذي يحيط بالكاتب من الناحية المادية. قائلًا إن المشهد الثقافي المصري يحتاج إلى بيئة تضمن للكاتب أبسط حقوقه الاقتصادية، سواء عبر دور فاعل للنقابات، أو من خلال إعادة النظر في عقود النشر.
ويشير عطا إلى أن كثيرًا من عقود النشر لا تزال مجحفة بحق الكاتب، ليس فقط في نسب التوزيع والمبيعات، بل حتى فيما يتعلق بالجوائز الأدبية، تشارك بعض دور النشر الكاتب في القيمة المادية للجائزة التي يحصل عليها، رغم أنها تُمنح أساسًا لجهده الإبداعي الفردي.
ويلفت إلى مفارقة لافتة في سوق النشر، تتمثل في أن عددًا من دور النشر يطلب من الكاتب أصلًا مقابلًا ماديًا لنشر عمله، ثم يتنصل بعد ذلك من دفع نسبته من المبيعات، رغم تواضع هذه النسب في الأساس. وفي بعض الحالات، لا تتضمن العقود أي نص واضح ينظم حقوق الكاتب المالية من المبيعات، ما يفتح الباب لمزيد من التجاوزات.
من وجهة نظر عطا، فإن الحديث عن جوائز أدبية مؤثرة في مصر لا يمكن فصله عن إصلاح المناخ الثقافي ككل، بدءًا من ضمان حرية التعبير، مرورًا بحماية الحقوق المادية للكاتب، وصولًا إلى بناء علاقة أكثر عدالة وشفافية بين المبدع والناشر.
فالجائزة، في النهاية، ليست مجرد مبلغ مالي أو احتفال سنوي، بل هي صورة لمنظومة ثقافية متكاملة، إن صلحت صلح أثرها، وإن اختلت فقدت معناها مهما بلغ حجمها.
د. عبدالرحمن الشرقاوي
الزخم الإعلامي
يرى د. عبدالرحمن الشرقاوي، الباحث في الأدب المقارن والترجمة، أن واحدة من أبرز أزمات الجوائز الأدبية في مصر تتمثل في غياب جائزة كبرى من حيث الاسم والقيمة والتوجه العربي، مشيرًا إلى أن معظم الجوائز المصرية الحالية تظل محصورة في الإطار المحلي، بإمكانات تمويل محدودة، وضعف واضح في الدعاية والتقديم وجذب الجمهور.
ويؤكد الشرقاوي أن المقارنة بين الجوائز المصرية ونظيراتها العربية لا يمكن فصلها عن حجم التمويل والزخم الإعلامي، موضحًا أن الجوائز الكبرى في العالم العربي تعتمد على تمويل ضخم للغاية، لا يقتصر على قيمة الجائزة نفسها، يمتد إلى حملات الدعاية والترويج، التي يُنفق عليها أحيانًا أكثر مما يُنفق على الجائزة ذاتها.
ويضرب الباحث مثالًا بجائزة الشيخ حمد للترجمة، مشيرًا إلى أنه التقى في جامعة أوساكا باليابان بمندوب رسمي عن الجائزة، حضر خصيصًا للتعريف بها وبشروطها وأهدافها. ويعتبر أن هذا النوع من الحضور الدولي المنظم هو ما يضمن للجوائز العربية الانتشار والرسوخ، ويجعلها معروفة في الأوساط الأكاديمية والثقافية العالمية، وهو ما تفتقده الجوائز المصرية إلى حد كبير.
وحول الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، يرى الشرقاوي أنها لم تُنشأ في فراغ، بل جاءت امتدادًا لنموذج عالمي قائم بالفعل، وهو “البوكر” البريطانية، معتبرًا أنها نوع من الاستنساخ الثقافي لنموذج ناجح، ما منحها منذ البداية قوة رمزية وزخمًا دوليًا، ساعدا على ترسيخ حضورها في المشهد الأدبي العربي.
ويربط الشرقاوي تراجع الدور المصري في ملف الجوائز الأدبية بتراجع عام أصاب المشهد الثقافي، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى تجارب سابقة تؤكد أن القيمة المادية ليست العامل الحاسم دائمًا. ويستشهد بـجائزة الرواية العربية التي كانت تُمنح في القاهرة، وأثارت جدلًا واسعًا في إحدى دوراتها بعد رفض الروائي صنع الله إبراهيم لها، ثم قبول الروائي الطيب صالح لها في العام التالي.
ويؤكد أن تلك الجائزة، رغم أنها لم تكن الأعلى ماديًا، نجحت في أن تكون جائزة موجهة للعرب، وقادرة على جذب جمهور عربي مثقف، وجمعه حول القاهرة، بما منحها تأثيرًا ثقافيًا حقيقيًا.
ويخلص الشرقاوي إلى أن استعادة الدور المصري في مجال الجوائز الأدبية لا تتطلب فقط زيادة القيمة المالية، بل تحتاج إلى اسم كبير، وتوجه عربي واضح، وتمويل مستدام، ودعاية احترافية عابرة للحدود، تعيد لمصر قدرتها على جمع المثقفين العرب حولها، كما فعلت في مراحل سابقة من تاريخها الثقافي.
أمل سالم
مقاربة غير تقليدية
يدعو الشاعر والناقد أمل سالم إلى مقاربة غير تقليدية عند مناقشة أزمة الجوائز الأدبية في مصر، متسائلًا عما إذا كان من الممكن فصل التحولات العميقة التي أصابت الثقافة المصرية عن غياب جائزة مصرية مؤسِّسة ذات رؤية واضحة وتأثير ممتد. ومن وجهة نظره، فإن الفصل بين الأمرين غير ممكن، لأن ما تشهده الجوائز ليس سوى صورة لأزمة أوسع في البنية الثقافية نفسها.
يكشف سالم أن الثقافة المصرية في النصف الأول من القرن العشرين كانت ثقافة إنتاج حقيقي على مستويات متعددة، بدءًا من التأليف، الذي شهد آنذاك ظهور عدد كبير من الكتب والأطروحات المؤسسة، مرورًا بازدهار الكتابة الأدبية بكل أشكالها، سواء في الإبداع أو النقد أو الدراسة، إلى جانب الفكر في تمحوراته المختلفة، واتساع الاهتمام بمختلف المعارف الإنسانية من سياسة واقتصاد وتاريخ وغيرها.
ويؤكد سالم أن الترجمة شكّلت أحد أعمدة هذه المرحلة، حيث خرّجت مصر أعدادًا كبيرة من المترجمين الموثوقين الذين نقلوا منجز الحضارة الغربية إلى العربية، وأسهموا في بناء وعي ثقافي عربي حديث. كما شهد النشر الجاد ازدهارًا ملحوظًا، سواء على مستوى الكتب أو المجلات الثقافية، التي لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الذائقة العامة.
ويستحضر في هذا السياق تجارب مجلات رائدة مثل مجلات عبدالله النديم من “التبكيت والتنكيت” إلى “الأستاذ”، إلى جانب مجلات كبرى مثل الرسالة والثقافة، وغيرها من المنابر التي أسست لحراك فكري وأدبي عميق. ولم يكن هذا الزخم معزولًا عن الفنون الأخرى، إذ شهد المسرح ازدهارًا حقيقيًا، وقدّمت السينما أعمالًا هادفة ذات قيمة فنية وفكرية.
في المقابل، يشير أمل سالم إلى أن الثقافة المصرية في الوقت الراهن تعاني من اختلالات واضحة، حيث باتت في كثير من مظاهرها ثقافة انتحال وارتباك ومقايضة. فالتأليف، بحسب وصفه، تحوّل في حالات عديدة إلى حرفة بلا ثقافة، وكتابة تفتقر إلى الوعي اللغوي والأدوات المعرفية، مع اندفاع نحو النشر لا يصاحبه تأهيل حقيقي.
ويرى أن سعي بعض الكُتّاب إلى الكتابة من أجل الجوائز أسهم في تفاقم الأزمة، إذ وقعوا في فخ التجهيل والمزايدة، وتبنّي أفكار غريبة أو رؤى موجّهة دون قناعة فكرية، مقابل المال أو الشهرة، أو كليهما.
ولا يعفي سالم دور النشر من المسئولية، معتبرًا أن ضعف آليات الفرز والاختيار أسهم في تمييع المنتج الثقافي المصري، وأضعف حضوره لصالح منتجات ثقافية أخرى، ما انعكس سلبًا على صورة المشهد الثقافي العام، وعلى قدرة الثقافة المصرية على التأثير بوصفها قوة ناعمة.
ويطرح تساؤلًا استنكاريًا: «هل يُعقل بعد ذلك أن نناقش حال القوى الناعمة المصرية بمعزل عن هذه التحولات؟»، مؤكدًا أن أي نقاش حول الجوائز يظل ناقصًا إذا لم يُدرج ضمن سياق أوسع لإصلاح الثقافة ذاتها.
ويختتم الشاعر والناقد أمل سالم طرحه بالتأكيد على أن الضمير الثقافي الجمعي يفرض تبنّي نهج غير تقليدي لاستعادة القوة الثقافية والفكرية لمصر، نهج لا يقوم على مقارنة التجربة المصرية بتجارب دول أخرى أو التعليق عليها، لكنه ينطلق من فهم الثقافة باعتبارها استثمارًا في الإنسانية.
ويشدد على أن الطريق يبدأ من العمل الجاد والمستقل، كلٌ في مجاله، مستعينًا بتشبيه دال: «ليحمل كل فأسه ويذهب إلى حقله، فالشجرة الطيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها». في هذا الإطار، تصبح الجائزة الثقافية المنشودة نتيجة طبيعية لمشروع ثقافي متكامل، لا غاية في حد ذاتها.
سعيد شحاتة
حقائق غائبة
يرى الشاعر سعيد شحاتة أن النقاش الدائر حول غياب جائزة مصرية كبرى لا ينبغي أن يتجاهل حقيقة أساسية، مفادها أن مصر تمتلك بالفعل جائزة لم تنل منها أي جائزة عربية أخرى، وهي “اسم مصر” ذاته.
ويؤكد شحاتة أن كل كاتب أو باحث أو مفكر عربي يسعى، بشكل أو بآخر، إلى نيل هذه الجائزة المعنوية، سواء عبر التكريم من مؤسسة مصرية، أو المشاركة في فعالية ثقافية تقام في مصر، أو النشر ضمن سلسلة مصرية، معتبرًا أن هذا السعي يعكس الثقل الرمزي والثقافي لمصر في الوعي العربي.
من هذا المنطلق، يرى شحاتة أن مصر لم تفشل في امتلاك جائزة ذات قيمة معنوية كبيرة، بل على العكس، فقد رسخت عبر تاريخها الطويل إيمانًا بأن قيمة الجائزة تُقاس بتأثيرها المعنوي لا بحجم مكافأتها المالية. ويشير إلى أن شهادة تقدير صادرة عن مؤسسة ثقافية مصرية قد تمثل في كثير من الأحيان جائزة عظيمة في حد ذاتها.
ويضيف أن غياب جائزة مالية تضاهي بعض الجوائز العربية السخية ليس عيبًا ولا دليل عجز، بل هو جزء من تقليد ثقافي يرى في الاعتراف الرمزي قيمة لا تقل شأنًا عن المال.
ويلفت شحاتة إلى أن المشهد الثقافي المصري لا يخلو من جوائز ذات قيمة مادية ومعنوية معتبرة، في مقدمتها جائزة ساويرس الثقافية، التي تُعد من أبرز الجوائز الخاصة ذات التمويل الجيد، إلى جانب جائزة نجيب محفوظ التي يمنحها معرض القاهرة الدولي للكتاب والمخصصة للرواية.
كما يشير إلى جوائز أخرى مثل جائزة طه حسين وجائزة فؤاد حداد وجائزة أحمد شوقي التي تقدمها النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، مؤكدًا أنها جوائز كبيرة يتقدم لها أسماء بارزة من داخل مصر وخارجها، وتحظى بثقل واحترام في الوسط الثقافي.
ورغم ذلك، يرى شحاتة أن التحدي الحقيقي يتمثل في الحاجة إلى مزيد من الجوائز الداعمة للشباب، ومزيد من التكريمات المصحوبة بدعم مادي حقيقي، مشددًا على أن الكاتب المصري في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من الدعم، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
كما يدعو إلى إطلاق جائزة كبرى في المسرح، تُدار باحترافية وتجرد، وتفتح أبوابها أمام جميع ألوان الكتابة المسرحية العربية، معتبرًا أن مصر، بتاريخها المسرحي وريادتها الفنية، تستحق جائزة من هذا النوع.
وينهي سعيد شحاتة رؤيته بالتأكيد على أن أي جائزة مصرية، مهما كانت قيمتها المادية، تظل ذات ثقل ومكانة عربية ودولية، مستندة إلى التاريخ الثقافي لمصر ودورها المركزي في تشكيل الوعي العربي.
علي قطب
طرح غير دقيق
يؤكد الروائي علي قطب الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية في دورتها الأخيرة أن اسم مصر، كلما تردّد، ظل وسيظل مجازًا للفن الرفيع في مختلف مجالات الإبداع، من الأدب إلى الفنون والفكر والثقافة. فمن هذه الأرض، كما يقول، نبتت أسماء سامقة شكّلت وجدان الإبداع العربي، وقدّمت أعمالًا مؤسسة ما زالت حاضرة في الذاكرة الجمعية العربية، وتشهد على الدور الريادي لمصر في بناء الوعي الثقافي.
ويؤكد قطب أن ما يروّجه البعض من أن مصر خرجت من مضمار المنافسة، خاصة فيما يتعلق بإطلاق جوائز كبرى في الآداب والفنون، هو طرح غير دقيق. فالدولة المصرية، ممثلة في وزارة الثقافة، تطلق عددًا من الجوائز المهمة، مثل جائزة النيل والجوائز التقديرية وجوائز التفوق والجوائز التشجيعية، وإن كانت مخصصة في الأساس للمبدعين المصريين.
ويشير علي قطب إلى أن المشهد لا يقتصر على جوائز الوزارة فقط، بل يمتد إلى الجوائز التي ترعاها الهيئات الثقافية المختلفة، مثل المجلس الأعلى للثقافة والهيئة العامة لقصور الثقافة ومعرض القاهرة الدولي للكتاب، إضافة إلى الجوائز التي تطلقها بعض المؤسسات الأهلية.
كما يستحضر تجربة مؤتمرات الرواية التي عُقدت على مدار دورات عدة، والتي كانت تخصص جائزة كبرى تُمنح لمبدع عربي أسهم بعطائه في مجالي الرواية والقصة القصيرة، معتبرًا أن هذه المبادرات تؤكد حجم العناية التي توليها الدولة المصرية للإبداع والمبدعين، وأن تأثيرها ليس محدودًا كما يروّج البعض.
وحول فكرة إطلاق جائزة مصرية كبرى ذات قيمة مالية مرتفعة، يرى قطب أن الجوائز التي تعتمد على القيمة المادية بطبيعة الحال تحقق مردودًا واسعًا وزخمًا إعلاميًا كبيرًا، خاصة في ظل المتابعة المحلية والإقليمية التي تحظى بها. ويؤكد أن المصريين حاضرون بقوة في هذه الجوائز، سواء على مستوى المنافسة أو التحكيم، ما يعكس مكانتهم في المشهد الثقافي العربي.
ويطرح علي قطب تصورًا عمليًا لتطوير منظومة الجوائز، يتمثل في إطلاق سلسلة من الجوائز ترعاها الدولة المصرية، على أن تعتمد على رعاة ثقافيين يسهمون في رفع قيمتها المادية، بما يؤسس لمشروع إبداعي مستدام، ينطلق من أسس راسخة، ويضيف إلى البناء الثقافي القائم بالفعل.
ويرى أن الثقافة المصرية تمثل رصيدًا أساسيًا في تكوين أي مبدع عربي، ما يمنح أي جائزة تحمل اسم مصر وزنًا وتأثيرًا تلقائيًا.
ويختتم علي قطب حديثه بالتأكيد على أن البدايات تبدو قريبة، مشيرًا إلى ما تقوم به الدولة المصرية مؤخرًا من اهتمام متزايد بهذا الملف، وآخره الإعلان عن إطلاق جائزة كبرى تحمل اسم الأديب العالمي نجيب محفوظ، من المقرر الإعلان عنها في شهر يناير المقبل، بالتزامن مع انعقاد معرض القاهرة الدولي للكتاب.
---------------------------------
تحقيق: د. عبدالكريم الحجراوي
لماذا فشلت مصر في صناعة جائزة أدبية عربية كبرى - صحيفة المشهد - العدد 343






