- المرأة التي صنعت مني شاعرا .. أمي فاطمة قنديل وجدتي"ست ابوها" كان لهما أثر بالغ
- عبد الرحمن المريض غير عبدالرحمن الشاعر .. ونجيب محفوظ مات يوم عجز عن لقائنا
شهد العام المنقضي ذكرى الخال عبد الرحمن الأبنودي العاشرة، وهي رقم دائري كان ينبغي الإحتفاء به، والبحث عن الجانب الإنساني في شخصيته الفريدة، وهو ما نقدمه على هذه المساحة بالإفراج عن الحوار الأخير الذي رحل الخال قبل أن يراجع عناوينه..
لعل هذا الحوار مع شاعر السيرة الهلالية ومئات الأغنيات التي تتردد على ألسنة محبيه وتسكن القلوب، كان هو الحوار الأخير‘ فعلى مدى ثلاثة أيام كنا نتحدث في موعد نهاري ثابت ـ الحادية عشرة صباحا ـ ووعدني بأن يمدني بصور نادرة لطفولته وشبابه، كان من المفترض أن تصلني من الاسماعيلية ـ حيث اختار أن يعيش على ضفاف شاطئ قناة السويس، صباح يوم الأحد، وفي الموعد تماما أبلغتني السيدة زوجته الاعلامية الكبيرة نهال كمال باعتذار عبد الرحمن الذي دخل المستشفى للتو، وبعد 48 ساعة توقف هاتفه عن الرنين.. فقد مات عبد الرحمن..
ومع (الخال) ـ كما كان يحب من أصدقاءه أن ينادوه ـ كان الحوار متعة ما بعدها متعة؛ فهو يتكلم شعرا، ويهمس غناء، إضافة إلى لهجة رجال (أبنود) في صعيد مصر، التي تجعل من الحكي "قعدة سمر" على أضواء النار الكاشفة.. وأنا لم أكن أنادي أستاذي وصديقي وأخي الكبير باللقب الذي يحبه "الخال" بل أناديه بـ "عبد الرحمن".. معه كنت أشعر بأنني مقرب، أتأمله حين تلمع إبتسامته صانعة "نغزتين" مع نهرين صغيرين على وجنتيه السمراوتين، كاشفة عن أسنان مضيئة بعد أن تخلى غن عادة التدخين الكريهة، وأوصاني في حوارنا الأخير بالإقلاع عنها، وعينين ثاقبتين كعيون صقر مدرب على إكتشاف الرياء.. ينغم الخال أثناء حديثه بقصيدته المهداة إلى عمته "يامنة"، فيعلو صوته وينخفض كخبير في الإلقاء.. يبهرك بحكاويه الريفية.. ويأسرك بنوادر الذكريات مع أصحاب الأسماء الرنانة.. تحت تأثير كل هذا السحر، تجرأت فتكلمت في حضرته كثيرا رغم حاجز الخجل ، كان ينصت إلي جيدا، تتسع إيتسامته كأب فرح بالتحاور مع إبنه..
* قلت له وكنا نظن أن المرض قد رحل: مالك يا خال..الف سلام..طمنا على صحتك؟
- قال بطمأنينة واضحة: الحمد لله..أنا بخير، وان كنت لازلت أتردد على المركز الطبي العالمي لعمل كشف دوري.. "بيبصوا وأرّوح" جالولي إني بتحسن. وأن كله تمام والحمد لله..
* قلت له" هل أخذ المرض شيئا منك؟
- قال: طبعا أخذ مني المرض أشياء، ولكن كن على ثقة انني رافض لهذا المرض الذي زارني منذ سنوات ولا يريد أن يغادرني بسبب التدخين الشره الذي كنت عليه، لعنة الله على الدخان، ولكن عبد الرحمن "خالك" ليس هو عبد الرحمن المريض الذي كنت تطمئن عليه من وقت لآخر في فترة وجودي بالمستشفى، أنا لست هو ذلك المريض، هو في حاله وأنا في حالي، وليس لي أية صلة به إلا الحقنة وكبسولة الدواء، ولهذا أنا أفصل تماما بين الحين والحين وأنفي بصوت عال اية صلة لي بهذا المرض، وفي الوقت نفسه أؤكد لنفسي بأن عبدالرحمن الابنودي المريض هو شخص آخرغير عبد الرحمن الشاعر ذو المهام الذي أخذ على عاتقه مهمة توصيل الكلمة إلى أهله وناسه في القرى والنجوع في الصعيد وفي الحضر، بمعني انني احاول وقد نجحت في ألا يؤثر المرض علي انتاجي ومسيرتي في "جول" الشعر والجصايد (القصائد).

إستراحة
"عدى النهار والمغربية جاية
تتخفى ورا ضهر الشجر
وعشان نتوه في السكة
شالت من ليالينا القمر".
* لكني لا أزال أراك حزينا يا خال؟
ـ أبدا..لكن تستطيع أن تقول "متأملا" بعد تجربة كادت تدفع بي إلى النهاية ولكنها لم تغير رؤيتي للحياة، ومازلت أجد الضحكة حين أطلبها، يعني مثلا تراني قد ابتسمت حين قلت لي: مالك؛ فقد تذكرت هذا الموقف الذي أحكيه لك في "نكتة":
واحد "جابل"ـ قابل ـ صاحبه منزعجا من ملامح التعب على وجهه.. جال له "مالك"، جال له ماليش، جال له "لما مالكش مالك؟" ههههههه (أخيرا الأبنودي يبتسم)
.. وعودة الى سؤالك عن الحالة الصحية، أقول لك أنني بخير ولا يوجد ما يزعج أحبائي الذين انهالت مكالماتهم على المستشفى الذي أعالج فيه، فقط ما كان يزعجني أني بأخذ أدوية قوية .. تسبب لي رعشة في اليدين، ولذلك بطلتها..
هذه الرعشة سببت لي إزعاجا كبيرا، مثلا كتبت حاجة وكنت فاكر إنها أجمل خط في الدنيا، لما شفتها دلوقتي لقيتها نكش فراخ، أنا معرفتش "أقرأ" شعري.. وأنا المعروف عني حسن الخط، لأني تربية "فقهاء" أنا وأمل دنقل ورجاء النقاش، أباءنا كانوا مدرسين لغة عربية، الخط اللي نزل به القرآن الكريم، أين حصة الخط.. إسأل ورد عليه!
* فاطنة جنديل
ـ نشأت في أحضان والدتي "فاطنة جنديل" - فاطمة قنديل - تلك الفلاحة البسيطة، التي تحمل تاريخ مصر القديم على كتفيها، وحضارة وادي النيل داخلها، ورغم أنها كانت «أُمية» لا تعرف القراءة والكتابة، فإنها علمتني معنى الحياة، وقد تعلمت منها ووالدتها «ست أبوها» الكثير.. أمي كانت المُلهم والمعلم الأول في حياتي، علمتني كل شيء شفاهة، حتى عشقت عالمها النابع من حضارة مصر العظيمة.
فاطنة جنديل " قنديل" "ضمنا الوالد إليه في المدينة مرة أخرى، ولكني لم أغادر منزل "فاطنة جنديل" ومحبتي لها، كل ذكريات أمي كانت في القرية تضاف إلى تجربتي مع ست أبوها، وكان لها أسلوب ساخر في القص للحكايات، وكثير من الأغنيات لي مستوحاة من حكايات فاطنة جنديل في فيلم "عرق البلح" نقلتها كما هي، وكانت تقيم ليالي للإنشاد الصوفي، وهكذا.. وسعت من خيالي ومداركي، أيضا أنا مدين لها بفكرة الخيال والتي مهما حاولت التسابق معها في الخيال لا أستطيع، الخيال عندها يتجاوزني بمرحل كثيرة.
فاطمة قنديل كانت سجلا لكل أشعار القرية وطقوسها.

إستراحة
"أحلف بسمــاها وبترابها
أحـلف بدروبها وأبوابها
أحلف بالقمح وبالمصنع
أحلف بالمدنة وبالمــدفع
باولادي بأيــامي الجاية
ما تغيب الشمس العربية
طـول ما انا عايش فوق الدنيا"
الأب الشاعر
* وما دمت ذكرت فاطنة فلابد أنك مدين لوالدك أيضا؟
- طبعا.. والدي الشيخ محمود الأبنودي، رجل ذو خلفية بدوية، كان يعمل وأعمامي في طاحونة يملكها رجل قبطي، وكان فقيرا، إلا أن شغفه بالعلم جعله يتهرب من العمل، ليذهب إلى كتاب الشيخ علي الكريتي، الذي استقى منه العديد من فروع العلم حتى أصبح من أهم شعراء الصعيد وله ألفية على غرار ألفية ابن مالك في النحو، كما أنه قام بتأليف بردة على نهج بردة البوصيري، وهو رجل الدين الأول في محافظة "جنا" ـ قنا ـ عشت معه طفولة أبناء الفلاحين البسطاء ، وحياة ناس القرية الفقيراء، إذ عملت في جمع محصول القطن، لذا فأنا أعيش في دنيا الفقراء.. وعالمهم دائم المعاناة والرضا بالمجسوم ـ المقسوم ـ.
ست أبوها
هناك عدة عوامل ساهمت في تكون شخصيتي: ثقافة والدي وهي ثقافة نابعة من الجزيرة العربية، وعالم أمي الخاص.. عالم الغناوي والحكايات.. وعالم جدتي "ست أبوها" بخياله وأساطيره.. وحياة الفقراء، جميعها شكلت «عجينة» نادرة الوجود في حياة شخص آخر، وإن كنت أذكر دور جدتي "ست أبوها" لما له من أثر في تشكيل الدراما في خيالي، "ست أبوها" والدة فاطنة جنديل ـ قنديل ـ، عشت معها فترة طويلة في بيتها الرهيب الذي أكتب عنه دائما مثل قصيدة"حراجي الجط ـ القط ـ، وهو بيت محكوم بتضاريسه التي أتقن تنظيمها الحاج "جنديل" فهو الذي بنى هذا البيت وحفر البئر وزرع النخل وهندسه هندسة رائعة فيها طابع البيوت العريقة، وجعل فيه كل ما لا يبعث الحرارة، لأن الأجواء حارة وملتهبة في الصعيد، حيث استعمل جذوع النخيل والجريد.. لا زلت أتذكرالدخول من الباب المهيب إلى الديوان والصوبة.
ست أبوها تعلمت كل الطقوس الشعبية الواردة إلينا من الفراعنة، فنحن لم نكن نقضي اليوم بالمعنى المعروف، ولا يقسم اليوم في الصعيد بالغذاء والعشاء....
بل يُقسم بانتقال الشمس من مطرح إلى مطرح، ويُقسم بكم الطقوس التي تمارسها، ست أبوها كانت كأنها ساحرة من الزمن القديم من حيث فهمها لطبيعة الأشياء وادارتها لحياة المحيطين بها.
وكل عمل، وكل غراب ينعق وكل هُدهُد يطير، كل هذا له تأثيراته الخاصة لدى ست أبوها، أتذكرها وهي تحدثني، والمشي من ورائها في الصحراء وأنا أرعى الغنم.
حين ينعق الغراب" آآآء..آآآء" فترد عليه": خير – خير..خير..إنها ترى الخير في كل شئ من حولها..تتفاءل معه وبه.

إستراحة
"اسمك عدوية يا صبية.. ورموشك شط..
وأنا طول عمري غريب في الميه.. بتشال واتحط..
يا ام الخدود العنابي.. يا أم العيون السنجابي
يا مركبي وبحرك داري.. يا حجاب حشيلوا في غيابي..
مدي إيديك خديني.. خديني.."
نحن نعيش (24) ساعة مع طقوس أشبه بالأساطير، أنت تعلم أن الطقوس غامضة وسحرية وأقرب إلى الشعر، في ديواني الأول الكثير من هذه الأساطير.
أنا محظوظ لأني في الفترة التي وعيت فيها للحياة كانت إلى جواري هذه السيدة العظيمة، كان أبي قد سافر إلى المدينة ليعمل أستاذاً للغة العربية، وتولى كثيرا من المناصب في التعليم، أتاح لي أن أظل مع المرأتين جدتي وأمي وأعتبر نفسي أكثر إخوتي حظاً، لأن هذه الفترة قضيتها معها إلى جوار هذا العالم السحري المصري جدا، الفرعوني، فنحن لا يجب أن نسكب الماء الساخن على الأرض، لأنه يؤذي الملائكة هذا حادث السبب فيه أنهن كلما حفرن باطن الأرض كن يجدن تلك "المساخيط " فكن يؤمن بأن هناك عالم غيبي.
وكذلك "دق الهون" يمكن أن يكسر الرؤوس، وخذ من هذا آلاف التفاصيل التي حاصرتني من كل جانب، كما شجعتني على رعي الغنم، كنت أخرج في الصباح، معظمهم كان راعي غنم، كما أن الوقت والطبيعة، وتغير الفصول والألوان وأنواع المحاصيل، كل ذلك في تغيير يومي يجعلك تفكر في الكون.
نحن كأطفال كلنا نلعب، في وقت كانوا يحاصروننا بالغناء، أن لكل عمل هناك غناؤه، النورج له غناء، الساقية لها غناء، الشادوف له غناء، نقل المحاصيل له غناء.. وكانت جدتي موسوعة مسموعة وملحنة لكل أغاني "أبنود" المتوارثة، فأفادتني"ست أبوها" كما لم تفدني امرأة أخرى.
علمتني الطبيعة وعلمتني أن أختلط بالأطفال.. والكثير والكثير من الخبرات كانت هي صاحبة الفضل فيه على تكويني وصقل خبراتي وتأملاتي.
وبالتالي إكتشفت أنني أحفظ كم من الغناء لم يخطر على بالي أن أحفظه، كل طفل يكبر على الغناء لابد وأن يغني هذه الأغنيات. لا عمل آخر لها غير ذلك..هذه هي ست أبوها.
لذلك يندهش البعض حينما أقول أنه ما من أحد تمكن من التأثير في فنيا وأدبيا سوى أبي وأمي وجدتي والمعلم الفاضل؛ هذا لأني تربية مدرسة الفلاح المصري الصعيدي،.. انهم محبرتي التي لا ينفد مدادها ولا ينتهي أبدا، إذ حينما احتاج لأن اكون عبد الرحمن أغمس قلمي في هذه المحبرة..

إستراحة
"ولفلفيني السنين.. خديني..
والله صورتك بتنفع تزين الجرانين..
في ايديا المزامير.. وف قلبي المسامير..
الدنيا غربتني.. وانا الشاب الأمير..
رمشك خطفني من أصحابي.. وأنا واد صياد..
لفيت بلاد وبلاد.. وبلاد
اتاريكي ساكنه الناحية دي.. يا سلام يا ولاد.."
نهال كمال
وتحتل الزوجة نهال كمال مكانة شديدة التميز بين النساء اللائي لهن بصمة واضحة لا تخطئها العين في حياتي، وهي شديدة الاختلاف عن النساء السابقات، بدأ تعارفي بها عندما كانت تستعين بي في القراءة، قراءة الأعمال الشعرية، وحضرت لي كثير من الأمسيات، وتعجبت لأن التربية مختلفة والعوالم مختلفة جدا بيننا، حينها كنت انفصلت عن زوجتي السابقة، وظلت علاقتي بهذه المثقفة وكنت قد سافرت إلى أبنود قلت لها أن أمي سوف تحضر إلى القاهرة، وسألتها إن كنت تحب أن تراها، سألت أمي عن أحوالها، وفاجأتني هي بأن اقترحت علي أن أتزوج"نهال" بعد انفصالي عن زوجتي السابقة. وكان حبها لما أقوله من أشعار السبب الرئيسي وراء زواجنا.. بالاضافة طبعا إلي رأي أمي، هي أيضا ابنتي، آه.. صحيح ابنتي.. وكانت عندما قابلتها لأول مرة لحم أخضر، وهي أم رائعة لآية ونور.. يعشقونها عشقا.. وهي أول قارئ وأول ناقد لي.. وتراها أحيانا تعارضني في بعض المواقف.. منحتني الهدوء والسكينة، وساعدتني على إنجاز مشروعات إبداعية ضخمة، فأنجزت دواويني الكبيرة "الموت علي الأسفلت" و"الاستعمار العربي"، كما اكتشفت في الفترة ذاتها عالم النثر، فأصدرت 3 كتب من "أيامنا الحلوة" اضافة إلي "آخر الليل"، إضافة إلى 3 مجلدات ضخمة من السيرة الهلالية..ويحسب لها أنها تدير أسرتها بكفاءة واقتدار.

إستراحة
"ابنك يقولك يا بطل هاتلي نهار
ابنك يقولك يا بطل هاتلي انتصار
ابنك يقول إنا حواليا ال 100 مليون العربية"
الزواج والإنجاب
والرجل في الصعيد من الممكن أن يتزوج وينجب وهو كبير، قالت لي.. البنت" جوهر" ـ أي جوهرة ـ ثم صمتت للحظة أضافت بعدها: خدها يا حبيبي..
نقلت لنهال رغبة أمي التي تلتقي مع اعجابي الشديد وانبهاري بها، غابت نهال أسبوع ثم حدثتني، لم أكن أستطيع الاتصال بها (عندها أخ عضلات)، بعد أسبوع اتكلمت ولفينا ودورنا حول أمي فقلت لها هي عايزاني أتجوزك..
جالتلي: ليه لأ.. الحب يغفر ويغني عن كل شىء .. لم ننظر إلى فارق السن. وقد كان..وأصريت أن أرى العائلة فردا فردا، الأخوال والأعمام واستأذنتهم جميعاً، وحماتي رحمها الله وقفت معي وقفة لا أنساها، وأنجبت بعد عام واحد "آية" تعمل في MBC ، و"نور" في العام الأخير، في الجامعة الأمريكية تدرس الاقتصاد والعلوم السياسية..
الشاعرة الصغيرة
’آية تحفظ أشعاري.. وتلقيها بشكل يدعو إلى الفخر بها والاعجاب بإحساسها العالي.
المرأة المصرية لا يغلبها غلاب، ليس فقط الأم ولكنها صانعة الأجيال، وحين ننظر إلى العلاقة بينها وبين الوالد فاطمة جنديل، فاطمة تكسب لأنها هي التي ربت، ويعتقدون في الصعيد أننا أبناء أبائنا وأننا اكتسبنا الخشونة منهم، والحقيقة أننا لانرى آباءنا إلا نادرا ولا نأكل معهم إلا نادراً، هم يحتفظون بمسافة بينهم وبين أبناءهم.
فيما الأم الإفراط في المحبة، وتعطيك اللقمة من فهما وقلبها [تحت جلودهن بحر من الرقة والحنان].

رحيل الأشقاء:
إخوتي كلهم تعلموا، ورحلوا جميعاً، آخرهم كانت "فاطنة" التي رحلت هذا العام، وعبدالفتاح "مدير تعليم جنوب القاهرة" "جلال" كان مفتش في تعليم الغردقة والبحر الأحمر، كمال كان يعمل في جامعة الرياض.
* ظللت مخلصا في صداقتك لأستاذنا نجيب محفوظ.. فمتي بدأت الصداقة بينكما.. وهل تأثرت به؟
- الأستاذ نجيب له تأثير كبيرعلى جيلنا كله، وأعجبنا بجديته والتزامه وصدقه وتواضعه الذي ليس له مثيل، وسط "الطواويس" التي كنا نراها، وحينما جئت الي القاهرة في أوائل الستينيات.. كان عمنا الكبير يعقد ندواته في مقهى أوبرا.. ومكانه كان أمام دار الأوبرا القديمة، كنا نذهب إليه منبهرين بقامته العالية، كان ذلك ايام كتابته "اللص والكلاب" و"الطريق" و"السراب"، وجدته إنسانا مهذبا جدا، على الرغم من وجود بعض الحاضرين الذين كانوا يناقشونه في خفة، وكنت كثيرا ما ألتزم الصمت، ثم انتقل الأستاذ بهذه الندوات إلي مقهي ريش، في حين كنت افضل احد المقاهي الأخري التي كانت تقدم لنا الفول والطعمية وهي قهوة "إزافتش" في ميدان التحرير وكان صاحبها مواطن يوغوسلافي، كانت قهوة ريش تمثل رفاهية، وسرعان ما انتقل نجيب محفوظ بندوته إلي مقهي "علي بابا" ثم انتقل إلي "كازينو قصر النيل" بجوار مبني مجلس قيادة الثورة، وسرعان ما بدأت علاقة صداقة حميمية بيني وبينه، وكان يقرأ أشعاري الجديدة وكان يشيد بها ويثني عليها، إلا أن ذلك لا يمنع من بعض الانتقادات أحيانا، ودائما كان معنا صديقنا الاديب الكبير يوسف القعيد وبقية الحرافيش.
* ما هي ملاحظاتك على الأستاذ نجيب محفوظ في أيامه الأخيرة؟
ـ أهم ملاحظاتي أنه كان رافضا الاستسلام لوهن الشيخوخة.. ورحل في نفس الوقت الذي عرف فيه أنه لن يستطيع اللقاء بنا.
أنا والسينما
السينما تعاملت فيها بالصدق..وأخلصت لما قدمته لها، وقد بدأت علاقتي بالسينما من خلال صداقتي، للمخرج حسين كمال، والملحن بليغ حمدي، والفنانة شادية، والفنان صلاح ذو الفقار..
ومما لا يعرفه الكثيرين أن حسين كمال قد استعان بي، لقراءة الخطابات في فيلم" البوسطجي" وقد ظهرت بصوتي في البوسطجي،، وعندما جاء فيلم "شىء من الخوف" قاللي أكتب الأغاني ، قريت الورق، قلت له أنه لا يصلح أن يكون فيلماً وكان لهم عام ونصف في التحضير له، "قفلت عليه باب أوضتي" ودون أن يعلم حسين كمال أعدت كتابة الفيلم بأغانيه في 3 ليالي ..
(هل أنت مندهش؟ هكذا سألني الخال.. وقبل أن أجيبه قال: "الطوق والأسورة" أيضا كتبته في 3 ليالي.. "لقمة وأكتب"!).
كتبته بأغانيه، إلا النهاية، صرخ حسين مناديا أبطال الفيلم: ياشادية يا محمود مرسي كل الورق اللي معاكوا فركش، عندي ورق جديد..الأبنودي غير الفيلم..
نسخ عشر نسخ لشادية محمود مرسي، قاللهم احفظوه..عند العرض الأول للفيلم المحيطين بالرئيس عبد الناصر نصحوه بمنعه، جالوله الفيلم ده عنا، فقال لهم الزعيم: لو احنا كدة يبقى نستحق الحرق (وهو مشهد الفينالة).
برضه قدمت "أغنية الموت" للسيدة فاتن حمامة، عن كتاب مسرح المجتمع لتوفيق الحكيم.
- الثالثة: خيري بشارة كتبت له فيلمه "الطوق والأسورة"، وأن كصعيدي أعرف أن كل قرية لها لهجتها..
- وفي التليفزيون: كانت لي تجربة عندما قدمت مسلسل وادي الملوك.
ورغم أنه الآن هو فاكهة السينما ، إلا أنني قلت لحسين كمال " ما تكتبوش اسمي عليه".

* (يامنة) أيضا لها صلة بالطفولة ؟
- عندما ينسحب النيل، إذا بارتفاع نصف متر من الأسماك والقرية كلها تاكل من سمك يامنه. وكان لها نخلة القرية متروكة للجميع، وعندما كنا نجوع وبلحها لا يزال أخضر، فنطلع النخلة، تنزلنا بالطوب، كنت متعلقا بها، وكل عيد أذهب إليها للزيارة..إلى أن فاجأني جريب: جاللي : مش عايز أجولك البقية في حياتك. رجعت القاهرة وعلى ترابيزة كتبت " يامنه"..
* قلت للخال: هيا ابكيني بمقطع من "يامنة"..انت تعلم كم تبكيني؟
- شفتك مرة في التلفزيون
ومرة .. وروني صورتك في الجورنان
قلت : كبر عبد الرحمان!!!!
أمال انا على كده مت بقى لي ميت حول
والله خايفة يا وليدي القعدة لتطول
مات الشيخ محمود
وماتت فاطنة ابْ قنديل
واتباع كرم ابْ غبان
وانا لسة حية..
وباين حاحيا كمان وكمان
عشت كتير
عشت لحد ماشفتك عجّزت يا عبد الرحمان
وقالولي قال خَلَّفت
وانت عجوز خلَّفت يا اخوي؟
وبنات..!!؟
أمال كنت بتعمل إيه
طيلة العمر اللي فات؟
دلوقت مافقت؟
وجايبهم دِلْوكْ تعمل بيهم إيه؟
على كلٍ. أهي ريحة من ريحتك ع الأرض.
* هل كتبت الشعر في ايه ونور؟
- أنا أعجز أني كتبهم. آية أو نور همه أصبحوا تجربة كبيرة – وحالة من النضج تدهشني.. البنات نعمة النعمات.. ياخال.
---------------------------------
حوار: طاهر البهي
من المشهد الأسبوعية
حوار الأبنودي من المشهد الأسبوعية - العدد 343






