في ظل موجات التغريب العاتية المستمرة والمتلاحقة وفي ظل المحاولات الحثيثة لطمس معالم هويتنا الإسلامية ، أو بمعنى أدق ما تبقى من هويتنا، وفي ظل ما يسمى الحداثة والمعاصرة التي وللأسف الشديد فهمت فهما خاطئا من بعض المنسوبين لحضارتنا الإسلامية، فراحوا يرددون ويقلدون تقليدا أعمى للغرب- على الرغم أن القرآن الكريم جاءت آياته صريحة في مسألة التقليد الأعمى يقول تعالى (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون)
لكن للأسف الشديد المقلدون المغتربون عن هويتهم وبيئتهم الفكرية الإسلامية ملة واحدة ، راحوا يقلدون دون روية وتفكير فوقعت الواقعة، ارتمينا فى أحضان الغرب الأوروبي، فأصبح كل منتوج يقدمونه لنا هو الصواب وهو الأدق ورحنا نقلده تقليدا أعمى.
لا أقول أننا لا نأخذ من الغرب، فالفكر الإنساني سلسلة متصلة الحلقات، لكن نأخذ ما يتوافق معنا ونرفض الطالح الذي سيفسد علينا ديننا ويدمر قيمنا الخلقية.
نحن لا نرفض المدنية الحديثة لكن بضوابط نضعها نحن، لا أحد يمليها علينا ، ضوابط تتواءم وتتوافق مع قيمنا ومعتقداتنا وشرائعنا السماوية.
فلا عبث بثوابتنا ، لا إهدار لهويتنا.
نعم نحن لا نرفض الثورة المعلوماتية والذكاء الاصطناعي والتقدم التكنولوجي، نحن لا نرفض ما هو جديد ، وما هو مواكب لعصرنا، فلا يعقل أن ننغلق على ذواتنا بحجة المحافظة على تراثنا وهويتنا، لكن الحفاظ عليها لا يكون إلا من خلال نشر فكرنا الإسلام في ربوع العالمين ومحاورة الآخر.
وعرض بضاعتنا أمام عقله كما نطالبه أن يعرض بضاعته علينا عبر حوار فكري بناء.
وبعدما ضقنا ذرعا، وبعدما غلب على البحوث والرسائل العلمية القص واللصق، وأصابنا الملل، وراح الفتور والإحباط يتسلل إلى قلوبنا
وبعدما كادت الأبصار أن تزيغ والقلوب تبلغ الحناجر إذ يقيض الله لنا من يقول نحن على حق، وهويتنا الإسلامية لا يمكن أن تهوي بها الريح في بئر سحيق.
وإذ بكتابات جادة تعيد إلينا ثقتنا في أنفسنا.
تحقيق المخطوطات، كنا وسط فوضى البحوث التي ملأت أرفف المكتبات، كنا قد فقدنا الأمل أو قاب قوسين أو أدنى، لكن الله رحمته التي وسعت كل شئ، قالت كلمتها، نحن على حق ، إياكم واليأس.
لكن السؤال الذي لا يزال يطرح نفسه
كيف يتسنى لنا المحافظة على هويتنا الفكرية الإسلامية .؟!
تكمن الإجابة في ما يلي، وهذه اجتهادات شخصية وقد أكون مصيبا أو مخطئا.
فإنه لن تتحقق هذه المحافظة إلا من خلال المحافظة على تراثنا الإسلامي، لكن كيف يتسنى لنا المحافظة على تراثنا الفكري الإسلامي؟!
من خلال هذه الآليات .
أولها: دعونا نتفق على أمر مهم ألا وهو ألا نترك تراثنا موضوعا على الارفف تأكله القرضة والأكلة، ويعلوه التراب، ولا نتركه هملا، كل ما نفعله نزيد به مكتباتنا ونتغنى بمجد الأسلاف.
ثانيها: نمد أيدينا إليه ونغوص في بطونه من أجل استخراج درره ومكنونانته، بمعنى نستخرج هذه النفائس من أجل توظيفها لخدمة واقعنا المعيش، فما أحوجنا الآن إلى هذا التراث الذي إذا ما وظف توظيفا صحيحا ستحدث انتفاضة وصحوة فكرية كبرى تفيد أمتنا الإسلامية وتضعها في مكانها الحقيقي.
ثالثها: توظيف هذا الإرث الثقافي الكبير تكون عبر غربلة هذا الموروث واستخراج ما بداخله بما يتواءم ويتوافق مع لغة العصر، بشكل أدق مواءمة هذا الموروث مع العصر دونما إفراط أو تفريط بما يحقق الانطلاق إلى صحوة فكرية كبرى . نقاوم من خلالها سلاسل التغريب المتعددة، ونقاوم الاتجاهات المعادية لفكرنا الإسلامي والتي تحاول بسط هيمنتها عليه.
رابعها: تشجيع الدارسين وتوجيههم إلى هذا التراث ولا سيما إلى تحقيق المخطوطات وتوفير الإمكانيات اللازمة لتحقيق هذا المأرب، من خلال رفع القيود عن هذه المخطوطات والسماح للدارسين بالاطلاع عليها وتصويرها، بما لا يؤدي إلى إفسادها وإهلاكها وعدم المغالاة في أسعار طباعتها وتصويرها.
خامسها: نتمنى، وهذه مناشدة للمجلس الأعلى للجامعات، ووزارة التعليم العالي، فكما تهتمون بإنشاء جامعات معاصرة تواكب العصر، نتمنى أن تسعوا في إنشاء وحدات ذات طابع خاص يكون عملها الاهتمام بالمخطوطات كمركز المخطوطات بدار علوم المنيا.
كما أتمنى في كل جامعة من جامعات مصر عمل دبلومة في تحقيق التراث وتحذو حذو دار علوم المنيا، وآداب القاهرة تشرف عليها لجان مختصة من كبار المحققين فى الجامعات المصرية ومجمع البحوث الإسلامية والمراكز البحثية.
إن الذي يقدم على تحقيق مخطوط تراثي أحسبه دارسا جادا مقدما.
ضرورة ملحة أن تكون لديه القدرة على مطابقة اللوحات مع بعضها البعض.
ضرورة ملحة أن يكون ضليعا في قواعد اللغة العربية.
ضرورة ملحة أن يكون ملما بمنهجيات التحقيقات وضوابطه.
ومن ثم فضرورة ملحة أن يكون على علم ودراية بهذا الأمر، ففضلا عن اجتهاداته للشخصية وموهبته البحثية، ضرورة أن ننمي هذه الأمور ونصقلها بالدراسة.
سادسها: فكما نعقد مؤتمرات تتعلق بالعلوم المستحدثة كالذكاء الاصطناعي والرقمنة، لابد من عقد الندوات والمؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية التي نناقش فيها كيف نرتقي بتراثنا الإسلامي، كما أنصح ونحن مقدمون في مصرنا على تفعيل لوائح جديدة في جامعاتنا المصرية أن نضع مقررا يحمل عنوان تحقيق التراث.
إن هذه الآليات ليست عصية التحقق إذا ما أخذت مأخذ الجد، فإذا ما نفذت سيخرج تراثنا من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل، سينتقل من على الأرفف إلى واقع نحياه، ينظم حياتنا.
--------------------------
بقلم: د. عادل القليعي
* أستاذ الفلسفة بآداب حلوان
مقال د. عادل القليعي من المشهد الأسبوعية






