في هذا المقال أفتح نافذة على تجربتي الروائية في (كُردستان… ومن منا لا يعشقها؟)، متتبعًا المسافة الدقيقة بين العمل الصحفي والخيال الأدبي، وبين التوثيق والسرد الإنساني.
انا هنا لا أقدّم قراءة نقدية للرواية، فهي مهمة الآخرين، وإنما أكشف عن دوافع كتابتها، وخياراتها السردية، وكيف تحوّلت الوقائع الميدانية والذاكرة الكُردية إلى نص روائي يسعى لطرح أسئلة الهوية، والانتماء، ومعنى الاسم الذي ما زال يبحث عن وطن.
(كُردستان… ومن منا لا يعشقها؟) هو عنوان روايتي التي صدرت قبل أسابيع عن دار سمارت مايند للنشر والتوزيع، عنوانٌ أثار – ولا يزال – أسئلة كثيرة:
هل العشق هنا لامرأة اسمها كُردستان؟ أم لقضية؟ لتاريخٍ وأرضٍ وجغرافيا مثقلة بالكثير من الآلام والآمال؟
بالنسبة لي، كان العنوان مفتاحًا للحكاية!
من الانتظار الطويل إلى لحظة التوقيع، سعادتي بلحظة أول حفل توقيع للرواية في أربيل، بحضور نخبة من أساتذة الجامعات، والكتّاب، والأدباء، والإعلاميين.
كانت تلك لحظة انتظرتها طويلًا، منذ عام 2018، مباشرة بعد صدور روايتي السابقة (هروب نحو القمة)، فهذه الرواية احتاجت مني ثماني سنوات من العمل المتواصل، والبحث، والكتابة، والتردد، والمراجعة… حتى خرجت أخيرًا إلى القارئ.

لماذا كتبتُ هذه الرواية؟
لأن هناك حكايات لا يستطيع الصحفي أن يرويها… لكن الروائي يستطيع. خلال عشرين عامًا من العمل الميداني في قناة الجزيرة، كنت أكتب التقارير، وأوثّق الوقائع كما هي.
لكن كان هناك دائمًا شيء لا يصل إلى الشاشة:
الروح… المشاعر… الفواصل الصغيرة بين الحقيقة والإنسان… المسافة بين الجرح والكلمة.
هذه الرواية جاءت لتملأ تلك المسافة.
أحداث واقعية… ولكن
وُجّهت انتقادات لروايتي السابقة بأنها تقريرية واقعية بحتة، وقد تُوجَّه الانتقادات نفسها لهذه الرواية أيضًا.
وأقول هنا بوضوح:
لا يوجد في (كُردستان… ومن منا لا يعشقها) حدثٌ اختلقته من العدم. كل ما ورد فيها وقع فعلًا:
رأيته بنفسي، أو وثّقته في الأرشيف، أو عشته بين الناس، والجبال، والمخيمات.
لكن…
هل تستطيع الحقيقة وحدها أن تمشي إلى القارئ بلا جسد؟ أحيانًا تحتاج الحقيقة إلى عينين تنظران، وإلى قلبٍ ينبض داخل النص، وهنا وُلدت شخصية بطلة الرواية:
كُردستان البريطانية.

لماذا كُردستان بريطانية؟
لأني أردت – للمرة الأولى – أن ترى عينٌ غربية ما نراه نحن.
أن أدخل القارئ العربي إلى الحكاية عبر مرآة أخرى:
مرآة غريبة، حائرة، مندهشة، لكنها صادقة.
كُردستان البريطانية ليست شخصية خيالية بالمعنى التقليدي، بل حاملة لكل الأحداث الحقيقية، ولكل المفارقات، ولكل الأسئلة التي لم نجرؤ على طرحها. هي في الحقيقة صوتٌ آخر لما يحدث داخلنا.
واخترتُ أن تكون بريطانية تحديدًا بعد اطلاعي على عشرات المراجع التاريخية، لمؤرخين وكتّاب أمريكيين وبريطانيين وفرنسيين، يشير معظمهم بوضوح إلى الدور المحوري لبريطانيا العظمى في حرمان الكُرد من حقوقهم، وفي تشظي كردستان، وإدخالها في مأزق تاريخي لا يزال مفتوحًا حتى اليوم.
أردتُ أن تأتي كُردستان البريطانية للبحث عن معنى اسمها، وأن تنظر بعين بريطانية إلى معاناة شعبٍ يعيش التمزق منذ أكثر من مئة وخمسين عامًا.
المؤنفل العائد… الحقيقة داخل الخيال
شخصية عامر – المؤنفل العائد الباحث عن أصله – هي قصة حقيقية، مأخوذة من بين مئات القصص التي كُشفت بعد الأنفال.
لكنني أسقطتها على شخصية روائية لأسباب ثلاثة:
- لحماية بعض التفاصيل الإنسانية الحساسة،
- لتمثيل آلاف المفقودين العائدين الباحثين عن هوياتهم،
- ولإعطاء القارئ فرصة ليعيش التجربة، لا ليقرأها فقط.
إنه المزج بين الوثيقة والوجدان… بين المأساة والحكاية.

حين دخلتُ الرواية باسمي الحقيقي
كانت هذه أصعب نقطة في العمل كله.
هل ارشح لدوري فی الروایة للضمير المتكلم، او المخاطب، او الغائب؟ لأحد تلك الشخصيات الثلاث، أو اختار اسما لي غير اسمي، ولمؤسسة اخرى غير المؤسسة التي كنت فيها، ربما للتمويه.
وجدت بان ذلك ستكون حيلة التف بها عن القاريء، لكنني مهما فعلت فلم استطيع التخفي فكل ما يسند الى الشخص الآخر فسيعرفه القاريء بانه عمل انا قمت به وشاهد عليه، ولنفس المؤسسة التي كنت اعمل لها (الجزيرة)
فترة طويلة من التردد: هل أدخل باسمي الصريح؟ هل أسمح لنفسي أن أكون انا الرواي وأن اكون شخصية رئيسية في الرواية في الوقت نفسه؟ هل سأتحمّل أن أواجه شخصيات صنعتُها بيدي، فتجادلني، وتناقضني، وربما تستفزّني؟
في النهاية، قررت أن أنزل إلى ساحة المعركة باسمي الحقيقي. أن أواجه المشكلة من داخل الرواية، لا من خارجها.
فالكاتب – في لحظة ما – اصبح جزءًا من العالم الذي صنعه، كما يصبح الإنسان جزءًا من بيته، ومكتبته، وأحلامه.
الرواية أيضًا بيت… وقد بنيته حجرًا حجرًا، وحملتُ حجارته، وشيّدت جدرانه، ووضعت سقفه بيدي.

الرواية بوصفها عالمًا كاملًا
بنيتُ عالم هذه الرواية من:
- الأماكن التي زرتها، والمخاطر التي عشتها، والجبال التي صعدتها، والحدود التي عبرتها، والتفاصيل الصغيرة التي خبّأتها الذاكرة.
(كُردستان… ومن منا لا يعشقها)
ليست خيالًا صرفًا، ولا وثيقة صحفية، بل جسرٌ بينهما. جسرٌ صنعته من عشرين عامًا من العمل الميداني، ومن آلاف الكيلومترات، ومن مئات القصص التي لم تجد فرصة لتُروى.
عن لحظات العشق
كان هروبًا من المثالية إلى إنسانية الإنسان. تذكيرًا بأن الشخصيات – حتى الرمزية منها – هي بشر: يخافون، يحلمون، يخطئون، ويحبّون.
وكُردستان البريطانية كانت رمزًا… لوطنٍ نبحث عنه، ولاسمٍ نحاول فهم معناه منذ قرنٍ ونصف، فكان لابد ان يكون للعشق مساحة معها رغم انه العشق الذي لا يشبهه عشق آخر.

لماذا باللغە العربیة ؟
لأن القارئ العربي يستحق أن يرى الحكاية من داخلها، لا من نشرات الأخبار، ولا من زوايا السياسة الضيقة.
أردتها رواية تقول للقارئ العربي:
لماذا نبحث عن أنفسنا؟ ولماذا لا تزال الذاكرة مفتوحة؟ ولماذا تبقى كلمة «كُردستان» أكبر من كونها جغرافيا، وأعمق من مجرد الحلم، وأطول من الزمن أو التاريخ؟
أردتها رواية تُعرّف العرب بنا… بقضايانا، بأوجاعنا، وبأجمل ما فينا.
أخيرا فإن هذه الرواية ليست مجرد عن فتاة بريطانية جاءت تبحث عن معنى اسمها،
ولا عن صحفي عاش الأحداث من قلبها، ولا عن مؤنفل واحد خرج من بين ركام الموت.
هذه الرواية – ببساطة – عن شعبٍ كامل يبحث عن معنى اسمه.
محاولة لرواية مئة وخمسين عامًا بصوتٍ واحد، وبلغة واحدة، وفي كتاب واحد.
ولذلك، حين نسأل:
كُردستان… ومن منا لا يعشقها؟
فنحن لا نسأل عن شخصية خيالية، ولا عن وطن لا عنوان له حتى الآن، بل عن شيء يسكن داخلنا جميعًا. وأتمنى أن يرى القارئ نفسه جزءًا من هذه الرواية، كما عشتُها… ولا أزال أعيشها…
أن يجد نفسه جزءًا من هذه الحكاية.
-------------------------
بقلم: أحمد الزاويتي
* مدير شبكة تليفزيون كردستان







