02 - 01 - 2026

تايوان بين مطرقة الانقسام الداخلي وسندان التسليح الأمريكي.. لاي تشينغ-ده تحت الضغط وواشنطن تدير اللعبة

تايوان بين مطرقة الانقسام الداخلي وسندان التسليح الأمريكي.. لاي تشينغ-ده تحت الضغط وواشنطن تدير اللعبة

في وقتٍ يتصاعد فيه الاحتقان السياسي داخل تايوان، تتشابك الأزمات الداخلية مع التحركات الأمريكية المتسارعة على خط التسليح والتغلغل العسكري، ما يضع حكومة لاي تشينغ-ده في قلب معادلة معقّدة، تتداخل فيها الحسابات الحزبية المحلية مع الاستراتيجية الأمريكية الأوسع في مواجهة الصين.

يرى محللون أن إقدام الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم على ما وُصف بـ«تحطيم قواعد اللعبة» كان ينبغي أن يُواجَه بردٍّ سياسي أكثر حسمًا من قبل حزب الكومينتانغ وحزب الشعب التايواني، يتمثل في «قلب الطاولة» عبر طرح حجب الثقة لإسقاط الحكومة. 

ويؤكد هؤلاء أن إسقاط الجهاز التنفيذي كان من شأنه أن يقيّد قدرة لاي تشينغ-ده على حل «الهيئة التشريعية»، إلا أن لجوء حزبي المعارضة إلى مسار عزلٍ يعلم الجميع مسبقًا صعوبة نجاحه، يُعد خيارًا متوسطًا يفتقر إلى التأثير السياسي الفعّال.

وجاءت هذه التطورات على خلفية الأزمة التي فجّرها الجدل حول مشروع تعديل بعض مواد «قانون توزيع الإيرادات والنفقات المالية»، حيث تجنّب كل من حزب الكومينتانغ (المعسكر الأزرق) وحزب الشعب التايواني (المعسكر الأبيض) خيار التصعيد الكامل وصولًا إلى إسقاط الحكومة، واكتفيا برفع مستوى المواجهة درجة واحدة، عبر توجيه الاستهداف السياسي مباشرة إلى لاي تشينغ-ده.

وفي 19 ديسمبر، أعلن الحزبان بدء إجراءات عزل لاي تشينغ-ده داخل «الهيئة التشريعية». وتزامن ذلك مع إطلاق ناشطين مدنيين عريضة إلكترونية لعزله، تجاوز عدد الموقّعين عليها 6 ملايين شخص خلال أقل من 24 ساعة. 

ورغم أن هذه العريضة لا تحمل صفة الإلزام القانوني، فإنها تعكس، من زاوية واحدة على الأقل، حجم الغضب الشعبي والمزاج العام تجاه السلطة الحاكمة.

ومع ذلك، تبقى فرص نجاح عزل لاي تشينغ-ده عبر المسار القانوني محدودة للغاية. فوفقًا للوائح المعمول بها في تايوان، يتطلب بدء إجراءات العزل موافقة نصف أعضاء «الهيئة التشريعية» على الأقل، وهو ما يمكن لحزبي الكومينتانغ وحزب الشعب التايواني تحقيقه، إلا أن المرحلة الحاسمة التالية تشترط موافقة ثلثي الأعضاء (76 مقعدًا) لإقرار القرار النهائي، وهو ما لا تمتلكه قوى المعارضة من حيث التمثيل البرلماني.

ثم تأتي المرحلة الثالثة، التي تستوجب إحالة القرار إلى «المحكمة الدستورية» للمراجعة، حيث يجب أن يشارك في المداولة عشرة قضاة على الأقل، وأن يوافق ثلثاهم أو أكثر لتأكيد العزل. غير أن هيئة «القضاة الكبار» تضم حاليًا ثمانية أعضاء فقط، وغالبيتهم محسوبون على توجهات سياسية قريبة من المعسكر الأخضر، فضلًا عن الشكوك المحيطة بإمكانية انعقاد الجلسة أصلًا، أو صدور حكم لصالح العزل حتى لو انعقدت.

ويشبّه محللون هذا الوضع بامتلاك المعارضة «سلاحًا لا يتجاوز مداه 200 متر، في حين يقف لاي تشينغ-ده على مسافة 600 متر»، ما يجعل معركة العزل أقرب إلى مواجهة إعلامية وسياسية تهدف إلى كشف صورة لاي تشينغ-ده أمام الرأي العام، ورفع الحضور الشعبي لحزبي الكومينتانغ والشعب التايواني، أكثر من كونها مسارًا حقيقيًا لإسقاطه.

في موازاة هذا المشهد الداخلي المضطرب، ألقت الولايات المتحدة بثقلها لدعم لاي تشينغ-ده عبر ورقة تسليح ضخمة.

 ففي 17 ديسمبر، أعلنت وكالة التعاون الأمني الدفاعي التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية (DSCA) عن الموافقة على أكبر صفقة سلاح أمريكية لتايوان حتى الآن، بقيمة إجمالية تُقدّر بنحو 11.1 مليار دولار، تعتمد في معظمها على أنظمة أمريكية الصنع.

ولم يتوقف الدعم الأمريكي عند هذا الحد، إذ أقر مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع «قانون تفويض الدفاع للسنة المالية 2026»، الذي يخصص ما يصل إلى مليار دولار لدعم ما يسمى «مبادرة التعاون الأمني مع تايوان». 

ويمنح هذا القانون الجيش الأمريكي صلاحيات مواصلة تدريب القوات التايوانية على العمليات القتالية الفعلية، إلى جانب تشجيع الجانبين على تطوير برامج مشتركة للأنظمة غير المأهولة والأنظمة المضادة لها، مع التركيز على التطوير والإنتاج المشتركين.

ويرى محللون أن واشنطن تتعامل مع تايوان وفق ما يُعرف بـ«استراتيجية القنفذ»، أي تحويل الجزيرة إلى كيان عسكري شديد التسليح، لكنه محدود الحركة، بحيث يسهل التحكم به من الخلف. 

ووفق هذه القراءة، فإن ما يُقدَّم لتايوان على أنه «مساعدات» أو «دعم أمني» ليس سوى طُعم يدفع حكومة الحزب الديمقراطي التقدمي إلى ضخ المزيد من الأموال في شراء أسلحة أمريكية، كثير منها تقليدي أو متقادم.

وفي هذا السياق، قال اللواء المتقاعد في الجيش التايواني، لي تشنغ-جيه، إن «المعدات التي يتم شراؤها لا تتضمن أسلحة جديدة أو نوعية، فمعظمها موجود مسبقًا، وما يجري هو مجرد استمرار في الشراء»، مشيرًا إلى أنه «لم يتم حتى الآن تسلّم أسلحة أو معدات متقدمة من النوع غير المأهول».

ورغم هذا، أعلنت حكومة لاي تشينغ-ده التزامها بزيادة كبيرة في ميزانية الدفاع، حيث أكدت المتحدثة باسم «الرئاسة» التايوانية، قوه يا-هوي، أن ميزانية الدفاع ستتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي وفق معايير حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العام المقبل، مع توقعات بارتفاعها إلى 5% قبل عام 2030.

وشددت على أن تايوان ستواصل تعزيز «قدرة المجتمع بأسره على الدفاع» وإظهار عزمها على حماية نفسها والحفاظ على السلام عبر القوة والجاهزية العملية.

غير أن هذا الاندفاع التايواني يقابله تأخير شديد في تسليم الأسلحة الأمريكية، إذ تشير التقديرات إلى أن قيمة صفقات السلاح التي وافقت عليها واشنطن ولم تُسلَّم بعد تجاوزت 20 مليار دولار. 

وفي هذا الصدد، قال اللواء المتقاعد لي تشنغ-جيه إن «كل هذه الأموال صُرفت فقط لتغذية بعض تجار السلاح أو الوسطاء العسكريين».

وانعكست هذه التطورات على الرأي العام التايواني، حيث انتقدت وسائل الإعلام المحلية بشدة الدور الأمريكي، معتبرة أن واشنطن تستغل تايوان اقتصاديًا عبر صفقات السلاح لتلبية مصالح مجمع الصناعات العسكرية الأمريكي، وفي الوقت نفسه تسعى لتحويل الجزيرة إلى «برميل بارود» و«مستودع ذخيرة» في مواجهة الصين.

ويرى مراقبون أن تعاون حكومة لاي تشينغ-ده «بلا حدود» مع الاستراتيجية الأمريكية قد يجعل تايوان في نهاية المطاف الخاسر الأكبر، بينما يتحمّل الشعب التايواني العبء السياسي والاقتصادي والأمني لهذه السياسات، في ظل انقسام داخلي متزايد وتوتر إقليمي لا يبدو أن نهايته قريبة.