02 - 01 - 2026

مؤشرات | قصة حقيقية.. رسالة الموت والحرمان من صديقي الغزاوي

مؤشرات | قصة حقيقية.. رسالة الموت والحرمان من صديقي الغزاوي

وأنا أقلب في بريدي الإلكتروني، وصفحاتي على "السوشيال ميديا" وجدت رسالة من صديق لي يعيش تحت نيران وحصار قوات الاحتلال في غزة، يبدو أنها كانت رداً على رسالة منى للسؤال عنه حاله، وأولاده، وأحفاده، وزوجته المصابة خلال حرب الإبادة الصهيونية.

وجاء بالرسالة كلمات بين الأمل والألم، "حياك الله أخي محمود وبارك الله فيك وأشكرك على السؤال عن أحوالنا الحمد لله نحن بخير صحيح"، وتلك رسالة تطمين عامة، وجاء الجزء الثاني منها مشفوعاً بحالة تحمل الأمل ولكن يبدو فيها القلق، وقال "البيت وضعه سيئ لكن يبقى أفضل من الخيمة".

وما أعلمه تفصيلا عن صديقي، فقد كافح لسنوات طويلة في بلاد الخليج، بحثاً عن لقمة العيش وحياة كريمة في وطنه، وبلده غزة، وسهر الأيام والليالي بين العمل الحكومي في التدريس معلماً للغة الإنجليزية، وفي المساء عمل في كثير من الأنشطة لتحسين دخله، على أمل أن يني بيتاً يظله هو وزوجته وأولاه، مع رصيد يكفل له حياة بسيطة كريمة.

وعندما قرر العودة إلى غزة في العقد الأول من القرن الحالي، حاول بعض الأصدقاء إثناءه عن القرار واستكمال المسيرة حتى سن التقاعد، إلا أصر على رأيه ليعود للوطن الذي ظل محروما منها لثلاثة عقود وربما أكثر، بل رفض فكرة أن يأتي بأولاده ليعملوا في الخليج، إلا أنه كان يرى أن ذلك غربة، ربما لا تنتهي، وإن كانت مكتوبة على أهل فلسطين المحتلة، أو شبه المحتلة.

وعاد صديقي إلى غزة، وبالفعل بنى بيتا صغيرا، تحيط به حديقة، وعمل كل ما أراد فيه، وزرع كل ما تمناه، وعشر سنوات كانت حصاد الحلم، الذي طال، وكان سعيداً سعادة غامرة بكل شيء، وكثيرا ما كان يرسل للأصدقاء صوراً لبيته وحديقته، ويشير إلى هذا ما كان يتحدث عنه، والسعادة كانت عنوان لكل من يتلقى رسائل صديقنا الغزاوي.

ومرت السنين، حتى جاءت الحرب الإسرائيلية والتي امتدت عامين، وأول الكوارث التي نالت من صديقي، إصابة زوجته بشظايا قنبلة إسرائيلية، لتنال من جهازها العصبي، وعلى مدى عام ونصف العام ينتقل بها من مكان إلى مكان بحثاً عن علاج، ومأوى جديد في ظل مطاردات صهيونية للمدنيين، وإجبارهم على الخروج، أو قل الهروب، والتهجير القسري من مكان إلى مكان داخل قطاع غزة، ورفض صديقي كل المحاولات الرامية إلى التهجير الاختياري أو قل الإجباري لخارج فلسطين، فكل ما لديه ذهب في البيت، أو مع رياح نار حرب الدمار والتدمير والقتل والقنص.

وفي لحظة معينة، وخلال الهدنة الأولى من الحرب، وتبادل الأسرى قبل نحو عام، عاد صديقي إلى بيته، ولكن كانت المفاجأة، فقد عاثت قوات الاحتلال فساداُ في البيت، ونالت منه الكثير، ودمرت أجزاء منه، ونهبت محتوياته، ليصبح أشبه بالأطلال، لتنهمر الدموع من عينيه، وعيون زوجته، التي عاشت سنوات الحرمان خلال سنوات غربة زوجها، من أجل هذا البيت، وانهمرت دموع الشباب من الأولاد، والأحفاد الصغار.

ولكن ما الحل، إنه الثمن من قوات احتلال طاغية، وجبروت عدو معتد ومغتصب، وطامع في كل شيء ليستولي جنود القوات المحتلة، على كل ما تراه عيونهم الطامعة، على كل ما تراه باعتباره جقا لهم، حنى كراسات الأطفال في المدارس، وتلك الدمية واللعبة التي جلبها الجد والأب، ليتركوا الغرف والبيوت، وهي تبكي على حقوق أصحابها.

من هنا جاءت كلمات عبارة صديقي "البيت وضعه سيئ لكن يبقى أفضل من الخيمة"، والتي تٌجسد بالصوت والصورة ما فعله "اليهود" – كما يقول الغزاويون عن قوات الاحتلال - في البيت ومحتوياته، والمزرعة، إلا أن الوضع المأساوي للمقيمين في الخيام، هو الأكثر سوءًا، ليظل البيت أكثر أماناً وستراً بالرغم من وضعه أفضل، إلى أن ينجلي هذا الظلم.

ورسالة صديقي تحمل جزءًا أخر من المآسي التي يعشها سكان قطاع غزة رغم وقف الحرب في ظل الانتهاكات التي ترتكبها قوات الكيان المحتل، والخروقات اليومية، والقيود المفروضة على دخول المساعدات، فقد تضمنت الرسالة 11 كلمة عن أزمة الوقود، وهو أحد شرايين الحياة للسكان في ظل برد قارس، وندرة شديدة في مقومات الحياة وقال "منذ اسبوعين حصلنا على 8 كيلو غاز بعد انتظار لستة أشهر".

ووضعت صورة تخيلية أمامي لأسر وأطفال يعيشون منذ أشهر بلا مأوى، ولا وقود، وحتماُ بل أبسط المأكل والمشرب، وبعد هذا الانتظار الطويل، جاءت الهدية المنقذة، سلندر غاز حجمه 8 كيلو جرامات، .. والسؤال كيف سيستخدمونه، وما هي أولويات الاستخدام، ووضعت العديد من التصورات والسيناريوهات لاستخدام هذا الكمية المحدودة من الغاز، ولكنها كلها مؤلمة وكارثية، وتؤكد أن العالم منفصل تماماً عن مأساة يعيش تحت سطوة عدو لا يعشق سوى الموت، وصرخات الجوعى وصياح الأطفال، بل يستمتع بذلك.

ومأساة الوقود كبيرة في غزة، فالأرقام الرسمية تقول :"إن المكتب إسرائيل سمحت قبل أيام بدخول 104 شاحنات من غاز الطهي إلى القطاع من أصل 660 مقررة منذ بدء وقف إطلاق النار، وهي كمية تمثل 16% فقط من الكمية المتفق عليها، ما يتسبب في معاناة إنسانية حادة تمس الاحتياجات اليومية لأكثر من مليوني مواطن في القطاع.

وتؤكد الجهات المعنية أن النقص الحاد في غاز الطهي يؤثر بشكل مباشر على المنازل والمستشفيات والمخابز والمطابخ الجماعية، في وقت تقتصر فيه حصة الأسرة الواحدة على 8 كيلوجرامات فقط خلال كل دورة توزيع، مع السماح بالاستفادة مرة واحدة فقط.

الأرقام الرسمية، تقول "حصلت 252 ألف أسرة فقط على حصتها من غاز الطهي من أصل 470 ألف أسرة مستهدفة، ما يعني أن أكثر من 218 ألف أسرة ما زالت محرومة من هذه المادة الأساسية، مما يزيد من الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة، والتي تفاقمت نتيجة القيود المفروضة على دخول المساعدات والإمدادات الأساسية.

وقصص المآسي التي تتضمنها رسالة صديقي، تحمل أزمات أخرى، فختم رسالته بهذه العبارة "اسعار الخضار أصبحت معقولة والدجاج موجود ولكن من النوع بتاع حديقة الحيوان وبسعر 50 شيكل للكيلو".

صحيح أن صديقي الغزاوي يرى بارقة أمل في معقولية أسعار الخضار، ولكن الجزء الثاني من الرسالة، يشير إلى جنون أسعار الدواجن، رغم سوء حالته، فسعر الكيلو وصل 50 شيكلاً، أي حوالي 15.5 دولار، وتلك مأساة كبيرة، لمجرد أن يفكر غزاوي في تناول وجبة دواجن سيئة.

والسلام ختام من المحرومين من الحياة ومجرد التفكير في مجرد وجبة قوت.
------------------------------
بقلم: محمود الحضري


مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات | المواطن بين سعادة الحكومة وصندوق النقد