02 - 01 - 2026

من النقد الأكاديمي للطعن الإلحادي.. كيف صُنعت سردية وهمية للطعن في سفر إشعياء؟

من النقد الأكاديمي للطعن الإلحادي.. كيف صُنعت سردية وهمية للطعن في سفر إشعياء؟

تابعت ظهور مقطع جديد للإعلامية هند الضاوي يتناول سفر إشعياء النبي، إلا أن ما ورد في الطرح الأخير تجاوز حدود النقاش الإعلامي إلى خلط أكاديمي جسيم.

فالقول بإن «سفر إشعياء كُتب في القرن الخامس عشر الميلادي» حتي لو نسب الي باحثين مجهولين، يعد إدعاء مضللا لا أصل له في الدراسات الأكاديمية الجادة، ولم يتبنَّه أي اتجاه معروف في تاريخ النص الكتابي، فالمعروف بحثيًا ليس القرن الخامس عشر الميلادي، بل نقاشات نقدية تدور داخل الإطار الزمني القديم قبل الميلاد حول زمن تدوين بعض أجزاء السفر، وهي نقاشات افتراضية أكاديمية وليست أوراقًا بحثية قاطعة ولا تمس أصل السفر أو وحيه.

و بالرجوع إلى مصدر هذا الطرح تبيّن أنه مأخوذ عن صفحة غير أكاديمية على الإنترنت تعود لشخص يُدعى bandoli، وهو يقدّم نفسه صراحة في إطار نقدي إلحادِي، يصف الإيمان بالله بأنه فكرة طفولية، ويسخر من مفهوم الإله، وينفي أي تدخل إلهي في التاريخ، ويهاجم فكرة الوحي من الأساس، وبالتالي فإن الاستناد إلى هذا المصدر لا يمثل بحثًا علميًا ولا إجماعًا أكاديميًا ولا حتى اتجاهًا معروفًا في الدراسات الكتابية.

الخطورة الحقيقية فيما طُرح تكمن في الخلط المنهجي بين تاريخ المخطوطة وتاريخ تأليف النص، فوجود مخطوطة تعود إلى القرن الخامس عشر لا يعني بحال من الأحوال أن النص أُلّف في ذلك القرن، وهو خلط بدائي لا يليق بأي طرح إعلامي، خاصة أن مخطوطات قمران قبل الميلاد تحتوي على سفر إشعياء كاملًا وتنقض هذا الادعاء من أساسه، كما أن الطعن في سفر إشعياء بهذا الشكل ليس ردًا على توظيف سياسي يهودي للنصوص، بل هو طعن مباشر في نبوات مجيء السيد المسيح، وبالتالي يمس جوهر الإيمان المسيحي ويشكك في عقيدة الخلاص والتجسد، ولا علاقة له بالسياسة من قريب أو بعيد.

ومن الحقائق العلمية الثابتة أن الكتاب المقدس هو أكثر نص قديم موثّق مخطوطيًا في تاريخ البشرية، إذ لدينا أكثر من 5800 مخطوطة يونانية، وآلاف المخطوطات باللاتينية والسريانية والقبطية، وأقربها زمنًا لا يفصلها عن الأصل سوى ما بين 30 إلى 60 سنة مثل مخطوطة P52. و لذلك مخطوطات قمران تحتوي سفر إشعياء كاملا بلا أي علامة فصل أو تزوير و تعود للقرن الثاني قبل الميلاد و هذا يدمر حجة "التحرير المتأخر"

ولا توجد عقيدة مسيحية واحدة تعتمد على نص مشكوك فيه، فهذا المصدر الإلحادي يتبني فكرة أخري أن أسفار موسي كتبها كهنة يهود مجهولون بين 900–100 ق.م، و هي نظرية افتراضية ليست حقيقة مثبتة تراجعت بشدة منذ التسعينات، و نفس هذا الموقع يدعي الاقتباس من الأساطير السومرية، فالتشابه في بعض الألفاظ لا يعني النسخ بل إعادة تفسير وحيّي داخل سياق ثقافي معروف، فإن كذبه «تجميع العهد القديم في القرن 15» مردود عليها أيضا بقانون العهد القديم اليهودي، حيث اكتمل قبل الميلاد و الترجمة السبعينية تمت القرن الثالث قبل الميلاد، والكنيسة الأولى استخدمت نفس الأسفار، اما الطباعة فقط تمت في القرن 15، و مغالطة اخري ساذجة داخل هذا الموقع، يتعلق بكتابة «الأسفار باليونانية إذن ليست رسولية»، و مردود عليه أنه في فلسطين القرن الأول، كان هناك ثلاث الآرامية و العبرية و اليونانية، و في سفر أعمال الرسل، كان بطرس يخاطب الجمهور، فإن نسبة الأناجيل للرسل أقدم من أي قانون كنسي، كما يدعي ان «موعظة الجبل والقيامة عبارة عن إضافات لحقت بالنص الاصلي»، و هذا أيضا تزوير لأن موعظة الجبل موجودة في أقدم مخطوطات إنجيل متى، و القيامة تعود إلى سنتين الي خمس سنوات بعد الصلب، أي  قبل أي "تحرير كنسي"، فإن هذا الطرح الفج يعتمد علي تجميع انتقائي متحيز و يعتمد على نظريات قديمة و خلطها بتعميمات خاطئة مع إسقاطات معاصرة على عالم قديم.

ويطرح سؤال جوهري في هذا السياق: لماذا يتم استهداف سفر إشعياء النبي تحديدًا بدل تقديم قراءة صحيحة للنص بحسب المفهوم المسيحي غير المُسيَّس؟ ، فلعل الإجابة تكشف علاقة واضحة بين الهجوم على السفر وبين حضوره المركزي داخل خطاب ما يُعرف بالصهيونية المسيحية، حيث يعتمد التيار البروتستانتي أي الإنجيلي الصهيوني بدرجة كبيرة على سفر إشعياء ضمن مجموعة من النصوص النبوية التي تُفسَّر تفسيرًا حرفيًا أو شبه حرفي باعتبارها وعودًا إلهية بعودة اليهود إلى الأرض وازدهار صهيون أو أورشليم في “الأيام الأخيرة”. داخل هذا الخطاب يتم توظيف إشعياء جنبًا إلى جنب مع أسفار أخرى مثل حزقيال وزكريا، بوصفها نصوصًا تُقدَّم على أن لها تحقق تاريخي وسياسي مباشر في العصر الحديث، وليست كنصوص نبوية ذات أفق روحي ولاهوتي أوسع.

ومن أكثر النصوص التي يُستشهد بها في هذا السياق إشعياء 66:8 في قراءة “ولادة أمة في يوم واحد”، ونصوص جمع المنفيين مثل إشعياء 11:12، إلى جانب مقاطع ما يُسمّى بمجد صهيون في الإصحاحات 60 إلى 62، والتي تُقرأ انتقائيًا كوعود مستقبلية مرتبطة بالقدس وصهيون بمعناها الجغرافي والسياسي. لكن هذه القراءة ليست، لا تاريخيًا ولا لاهوتيًا، قراءة مسيحية جامعة، إذ إن تيارات مسيحية واسعة، بما فيها تيارات بروتستانتية غير صهيونية، ترفض هذا التفسير وتعتبره إسقاطًا سياسيًا على النص الكتابي أو استخدامًا انتقائيًا يخدم أجندة أيديولوجية معاصرة، لا مقاصد السفر الأصلية، بالتالي فالعلاقة بين إشعياء والصهيونية المسيحية هي علاقة تفسيرية سياسية تخص اتجاهًا بعينه، وليست التعبير الوحيد ولا السائد عن كيفية قراءة سفر إشعياء داخل المسيحية.

والأهم أن هذا الاستخدام السياسي للنص يفترض أصلًا أن السفر قديم ونبوي وموحى به، لأن الاستشهاد به قائم على اعتباره نصًا سابقًا على الأحداث، وهو ما يكشف التناقض الجوهري في الطرح الإعلامي الذي يهاجم السفر بادعاءات تأليف متأخر، مثل الزعم بكتابته في القرن الخامس عشر، إذ لا علاقة منطقية أو علمية بين نقد التفسير السياسي للنص وبين الطعن في تاريخ السفر نفسه، بل إن الخلط بين الأمرين لا يخدم إلا تفريغ النص من قيمته النبوية واللاهوتية بدل تفكيك القراءة المسيَّسة له قراءة نقدية صحيحة.

فإن ما حدث يُعد سقطة مهنية كبرى وتشويهًا للبحث الديني في الإعلام المصري، ويستوجب اعتذارًا واضحًا وصريحًا، خاصة عندما يُقدَّم البرنامج باعتباره برنامجًا سياديًا، إذ لا يليق أن يُستند إلى مصادر إلحادِيّة طاعنة في الإيمان بدل تفكيك الادعاءات تاريخيًا وزمنيًا بشكل علمي مسؤول.

وأؤكد في الختام، وبصفتي باحثة حقوقية، أن هذا الرد هو تصويب علمي بحت، ولا علاقة له بأي حملات مصطنعة أو توظيف خارجي من ايدي كوهين الذي شن حمله لجان موسعة فيما يتعلق بالتيار البروتستانتي الصهيوني، و أستنكرتُ صراحة أي محاولات من هذا النوع.
---------------------------
بقلم: جورجيت شرقاوي


مقالات اخرى للكاتب

عام مميز بالأنشطة في مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية