تصدّرت وزارة الداخلية وضباطها بطولة المشهد الانتخابي، مع بدء جولة الإعادة للمرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب في الداخل، اليوم، وكأنها تعوّض استمرار العزوف النسبي عن المشاركة، رغم استمرار محاولات استمالة الناخبين بالأموال، بحسب مشاهدات وإفادات عدد من المصادر.
وتشمل هذه الجولة 20 دائرة انتخابية في سبع محافظات، 19 منها سبق أن ألغتها الهيئة الوطنية للانتخابات لـ«وجود عيوب جوهرية أثرت على نتيجتها»، حسبما اكتشفت، بعدما انتقد رئيس الجمهورية الأداء الانتخابي في المرحلة الأولى، ليعاد التصويت في تلك الدوائر بين 446 مرشحًا يتنافسون على 41 مقعدًا، إضافة إلى إجراء الإعادة العادية بدائرة إطسا بمحافظة الفيوم، بينما تحوز محافظتي سوهاج وقنا على اكثر من نصف الدوائر في الجولة الحالية.
وخلال اليوم، استمر عدد من الظواهر التي ميزّت المرحلة الثانية من الانتخابات، من غياب الدعاية الانتخابية في محيط اللجان، وخصوصًا «شوادر» أحزاب الموالاة التي توجِه الناخبين، والتي كان بطلها في المرحلة الأولى حزب مستقبل وطن.
ورغم ملاحظة وجود عدد من أنصار المرشحين متوارين عن الأنظار في الشوارع الجانبية، قُرب اللجان، في دائرة الرمل بالإسكندرية، رصدنا تواجدًا أمنيًا كثيفًا، بعضه من أفراد بزي مدني كانوا يستوقفون من يشتبهون في ارتكابه مخالفات انتخابية في محيط اللجان.
التواجد الأمني انعكس في إصدار وزارة الداخلية، منذ صباح اليوم وحتى كتابة التقرير، نحو 15 بيانًا عن توقيف مواطنين بسبب مخالفات انتخابية، مُعلنة إلقاء القبض على 29 مواطنًا من أنصار المرشحين، أغلبهم في محافظة البحيرة، بعضهم بسبب مخالفة الصمت الانتخابي، سواء بتوزيع كروت للمرشحين أو القيام بدعاية، والبعض تحت زعم حيازتهم مبالغ مالية بنية توزيعها على المواطنين لدفعهم لاختيار أحد المرشحين.
حرص «الداخلية» على إعلان ضبط العديد من المخالفات الانتخابية، حتى الدعائية البسيطة منها، يأتي استمرارًا لما قامت به في المرحلة الثانية من الانتخابات، عقب انتقاد رئيس الجمهورية للمشهد الانتخابي في المرحلة الأولى، والذي غيّر أداء الوزارة، كما غيّر أداء الهيئة الوطنية للانتخابات، والأداء الدعائي للأحزاب، ليتغير، حتى ولو شكليًا، مشهد الانتخابات التي كان مهندسها الأساسي هو قطاع الأمن الوطني، التابع بدوره لوزارة الداخلية.
أما ما لم يتغير بين المرحلتين واستمر اليوم، كان الإقبال الضعيف على التصويت، والذي انعكس في إعلان المدير التنفيذي لـ«الوطنية للانتخابات»، أحمد بنداري، عن سلاسة سير العملية الانتخابية في مختلف المحافظات، مع وجود كثافات محدودة في بعض اللجان الواقعة بمسقط رأس عدد من المرشحين، كما قال خلال مؤتمر صحفي عقده ظهر اليوم، أشار خلاله إلى تلقي شكاوى من عدد من وسائل الإعلام عن عدم السماح لهم بدخول عدد من اللجان الفرعية، ما تبعه توجيه لرؤساء اللجان بالتنسيق مع الأمن لضمان تمكين الصحفيين حاملي التصاريح من ممارسة عملهم دون تعطيل.
ووسط تغطية إعلامية اهتمت بالتأكيد على وجود إقبال كثيف في الدوائر، مثلما قالت قناة القاهرة الإخبارية، بدأ اليوم الانتخابي في سوهاج بمشاجرة بين أنصار مرشحين داخل إحدى اللجان، حسب الخبر الذي نشره موقع الشروق، قبل أن يحذفه لاحقًا.
وتعاد الانتخابات في سبع دوائر في سوهاج، هي كامل دوائر المحافظة باستثناء واحدة ألغت المحكمة الإدارية العليا الانتخابات فيها، ضمن 30 دائرة أبطلتها نتيجة طعون أحالتها لها «الوطنية للانتخابات»، عقب «فيتو» رئيس الجمهورية أمام انتهاكات المرحلة الأولى.
مرشح حزب العدل في دائرة مركز سوهاج، ميلاد صموئيل، قال إن جولة اليوم شهدت ابتعاد الدعاية الانتخابية عن اللجان، مع انخفاض حدتها عن الجولة الأولى، كما أشار إلى تراجع توزيع «كراتين» المواد التموينية على المواطنين، وإن قابل ذلك زيادة في توزيع الأموال لحثهم على التصويت حسبما قال، ما أرجعه إلى قلة عدد الناخبين، نتيجة شعور المواطنين بعدم الجدوى، «الناس بتقول لنا انتخبنا مرشحين ووعدونا قبل كده، ومفيش حاجة اتغيرت».
صموئيل أوضح أن حضور الناخبين في قرى دائرته كان أكبر من المدن، باعتبار أن القرى تتكون من ثلاث أو أربع عائلات ترتبط بعلاقات متشابكة، وغالبًا ما تجتمع القرية على مرشح واحد، لأن «فكرة أن النائب من قريتنا بتدي وجاهة اجتماعية»، بينما «المدينة واسعة، ملهاش هوية قبلية معينة».
المرشح المستقل في مركز أبو تشت بمحافظة قنا، خالد أبو نحول، تطرق بدوره لشراء أصوات الناخبين، المعروف بـ«المال السياسي»، الذي قال إنه لعب دورًا مؤثرًا جدًا في هذه الانتخابات، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، وإن أكد على قيام الأمن بدوره في هذه الجولة، لافتًا إلى أن الإقبال الضعيف ساعد الأمن في ذلك.
أبو نحول، وهو نائب عن حزب الشعب الجمهوري في المجلس الموشك على الانتهاء، أشار إلى أن ضعف الإقبال امتد إلى القرى التي يخرج منها عادة حشود للمقرات الانتخابية، ما قال إن سببه وجود أكثر من مرشح لكل قبيلة، ما يحرج الناخبين في دوائر الصعيد، باعتبار أن أغلبهم «نسايب وقرايب».
وعن التغيير الذي شهدته العملية الانتخابية بعد تدخل رئيس الجمهورية، قال أبو نحول إن استمرارها على نفس منوال التجاوزات الذي شهدته المرحلة الأولى، كان سيدخل مصر في مسار سيئ، معتبرًا أن تدخل الرئيس «فرمّل التجاوزات بشكل كبير، عشان على الأقل يبقى في برلمان يلبي حاجة الناس».
أما الكاتب الصحفي المتخصص في متابعة وتحليل الانتخابات، أكرم ألفي، فاعتبر أن تدخل الرئيس أدى لحالة من الجدل الإيجابي حول الانتخابات، وطرح مساحة مهمة لمناقشة قانون الانتخابات نفسه، وفكرة القائمة المطلقة، معتبرًا أن هذا التدخل وما تبعه من إلغاء «الوطنية للانتخابات» لبعض الدوائر، منح المجلس المقبل «قبلة الحياة».
----------------------------
نقلا عن "مدى مصر"






