29 - 11 - 2025

مصر بين فجور التزوير وسيناريو الانهيار.. حين يصل العبث ذروته

مصر بين فجور التزوير وسيناريو الانهيار.. حين يصل العبث ذروته

لم يكن المشهد السياسي في مصر يومًا مجرد تنافس على مقاعد، أو صراع على سلطة، بل كان مرآة دقيقة لعمق المجتمع وميزان قواه. واليوم، يبدو أن مصر تتجه - مرة أخرى - نحو لحظة فارقة؛ لحظة يتقاطع فيها الفجور السياسي مع الفساد الإداري، ويبلغ فيها التزوير حدًّا لم تعرفه الحياة البرلمانية إلا في أسوأ تجاربها. كأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه، ولكن بنسخة أكثر خشونة، وأكثر استخفافًا بوعي الناس وحقائق الواقع.

إن ما يجري في كواليس انتخابات 2025 ليس مجرد خلل عابر، بل إعادة صياغة كاملة لمشهد الدولة، وكأن هناك من يصرّ على دفع مصر إلى مرحلة ثالثة من الانهيار، مرحلة قد لا يبقى بعدها شيء يمكن إصلاحه.

فالتزوير اليوم لم يعد “تدخلات” كما كان يقال في السابق، بل صار مشروعًا متكاملاً له أدواته ولجانه وواجهاته، يُدار بجرأة تُدهش حتى الذين اعتادوا قراءة المشهد من الداخل. مشروع لا يخجل، ولا يخفي نفسه، ولا يكتفي بالتحكم في النتائج، بل يفرض على الناس رواية جاهزة، ويطالبهم بالتصفيق لها.

إن هذا فجور سياسي يتناغم مع فجور اقتصادي تجاوز كل خطوط العدالة، و فجور إعلامي لا وظيفة له إلا التطبيل، و فجور ثقافي في دراما تحولت إلى بوق مبتذل يطعن في وعي الناس ويدوس فوق ذوقهم. أصبحت مصر - لأول مرة - مباحة لكل من يكرهها، مباحة في اقتصادها، في إعلامها، في فنها، وفي مستقبلها.

والمفارقة الموجعة أن الدولة العميقة، بكل ما تملكه من خبرات وتجارب وسوابق، لم تتعلم شيئًا من التاريخ. لا من تجارب العالم، ولا من تجارب مصر ذاتها. فالكل يعرف أن الأنظمة التي تبني شرعيتها على التزوير تحمل بذور فنائها داخل صناديقها نفسها. وأن الدول التي تتسامح مع الفساد تتحول - ببطء ولكن بثبات - إلى دول في مهب الريح.

لقد مررنا بمشهد مشابه في انتخابات مجلس الشعب عام 2010. يومها بدا التزوير وقحًا، شامخًا، كأنه منتصر لا يُهزم. وحين ظنّ أصحابه أنهم أحكموا السيطرة، كانت الموجة الكبرى قد بدأت تتجمع على الشاطئ، قبل أن تضرب المشهد كله وتطيح بما ظنّوه ثابتًا إلى الأبد.

اليوم، نرى السيناريو يُعاد - ربما بأكثر عنفًا - في لحظة لا تحتمل العبث.

فإذا جاء برلمان 2025 بهذا الشكل، فسيكون - بلا مبالغة - أول برلمان في تاريخ مصر يأتي بالتزوير الكامل والفساد المطلق، برلمانًا بلا شرعية أخلاقية أو سياسية، ولكنه مُكلّف بوضع تشريعات وقوانين ستسري على شعب لم يختَر ممثليه، وعلى دولة فقدت الحد الأدنى من التوازن بين السلطة والضمير.

إن البرلمان هو عقل الدولة، فإذا جاء مزورًا، صار العقل فاسدًا، وإذا صار العقل فاسدًا، أصبح الجسد كله مريضًا. وعندئذٍ، لن يكون هناك ما يوقف الانحدار؛ لأن الدولة التي تفقد شرعية مؤسساتها، تفقد قدرتها على الاستمرار.

إن مصر - بكل ثقلها ومكانتها وتاريخها - تستحق أفضل من هذا المشهد.

لكن الطريق إلى الخلاص يبدأ دائمًا بلحظة إدراك… إدراك أن ما نراه ليس كما يراه القائمون على مهرجانات الفساد، وأن الشعب - مهما أرهقوه - لا ينسى، والتاريخ - مهما تأخر - لا يرحم.

إن النهاية لا تأتي فجأة… بل تأتي عندما يكتمل مشهد الفجور، وعندما تنضج كل عناصر الانفجار.

وللأسف… يبدو أن هذا الاكتمال يقترب.
-------------------------
بقلم: عز الدين الهوارى


مقالات اخرى للكاتب

مصر بين فجور التزوير وسيناريو الانهيار.. حين يصل العبث ذروته