29 - 11 - 2025

السعودية والصهيونية (1 من 6) | ملك السعودية يرفض خطة رئيس أمريكا!

السعودية والصهيونية (1 من 6) | ملك السعودية يرفض خطة رئيس أمريكا!

هل يفعلها جلالة الملك سلمان؟ ...آو يقوم بذلك ولي عهده سمو الأمير محمد بن سلمان ؟ ..

ولكن هنا ما لم يفعل أحد منهما بعد، وإنما فعلها الجد جلالة الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود قبل ثمانين عاماً ! ..حين قال للرئيس الأمريكي روزفلت بشكل قاطع : " أن العرب سيختارون الموت على أن يتنازلوا عن أرضهم لليهود " .

ولكن دعونا في البداية نرتحل عبر فيافي وصحاري الزمن، كي نمسك ببعض العلامات علي الطريق.. وحيث أن الرحلة أطول وأشق من تناولها في مقال واحد (وهي علي كل حال جزء مختصر من كتاب لي – تحت الطبع – بعنوان : " كيف لم يتفاوض العرب ؟! "  ، فأنني سوف أتناولها علي حلقات متتالية : الأولي بعنوان : " ملك السعودية يرفض خطة رئيس أمريكا " ، واختتمتها في الحلقة الأخيرة بهذه الفقرة : " شهدت منطقة الشرق الأوسط قبل ثمانين عاماً ، ملكاً  ثاقب الرؤية امتلك الشرف والكرامة والجرأة علي أن يقف بكل قوة ضد أكاذيب السرطان الصهيوني، ولولا تكالب صهاينة الغرب وعلي رآسهم تشرشل، وتخاذل ساسة العرب وبعض نخبهم، لأمكن لرؤية هذا الملك العظيم أن تنقذ المنطقة من تلك الدماء التي سالت والأرواح التي أزهقت من الجميع : "مسلمين ومسيحيين ويهود".

كانت الحرب العالمية الثانية قد أوشكت علي إغلاق  أبوابها، وبدأت شعوب العالم تلملم جراح تلك المواجهات الدموية التي امتدت عبر قارات الدنيا، وفي الشرق الأوسط كانت المنطقة العربية تلتقط أنفاسها، وإن كانت جراحها أقل كثيراً من مناطق أخري مثل الحال في أوروبا وآسيا، ولكن لم تعلم آنذاك أنه قد كتب عليها أن تحمل أثراً من آثار تلك الحرب، سيؤدي فيما بعد إلي حروب لا تقل دموية .

عندما انتهت الحرب العالمية الثانية ، كانت هناك ثلاث دول عربية فقط مستقلة، وهي مصر (وإن كان استقلالا إسميا)، والسعودية، والعراق، وأصبح الأن معروفاً أنه في عام 1941، رفض روزفلت نصيحة وزارة الخارجية بتقديم مساعدات مالية للسعودية ضمن برنامج الإعارة والتأجير (Lend-Lease) قائلاً: "هذا أبعد قليلًا عن نطاق اهتمامنا!"

لكن الحرب غيّرت كل ذلك بين ليلة وضحاها.

وطبقاً للوثائق البريطانية (البرقية رقم ٤/٧٧/١ أ / من أوراق رئيس الوزراء) ، قام تشرشل بزيارة الرئيس الأمريكي روزفلت علي متن المدمرة الأمريكية " كوينسي Quincy  التي كانت راسية في منطقة البحيرات المرة بقناة السويس في مصر، وكانت تلك هي المرة الأولي بعد أسبوع واحد فقط من عودتهما من مؤتمر يالطا الشهير، وقد جاءت هذه المقابلة مباشرة بعد  ساعات من انتهاء روزفلت من مقابلة العاهل السعودي عبد العزيز ابن سعود، وقد قال تشرشل أنه كان من أوصي العاهل السعودي بإجراء هذه المقابلة مع الرئيس الأمريكي، ولم يخف تشرشل قلقه من تسلل أمريكا إلي مناطق النفوذ البريطانية في منطقة الخليج العربي الذي كانت أرضه حبلي بالذهب الأسود، وقود التطور والرخاء الذي يحلم به، ومع ذلك فقد نجح الرئيس روزفلت خلال ساعات التقي فيها مع العاهل السعودي المؤسس للملكة العربية السعودية، من أن يحقق السبق علي الداهية البريطاني العجوز ونستون تشرشل.

وتُروى قصة هذا الإنجاز المذهل في الدبلوماسية والتكيف الثقافي أساسًا من خلال شهادات ثلاثة مشاركين رئيسيين (ضمن أخرين) ، وهم :

• ويليام أ. إيدي في سرد قصير بعنوان "F.D.R Meets ibn Saud" نُشر عام 1954؛

• مقال عام 1976 بعنوان "Mission to Mecca: The Cruise of the Murphy" للقبطان الأميركي جون س. كيتينغ، قائد سرب المدمرات السابع عشر، والذي كان على متن السفينة.

• وذكريات ويليام م. ريجدون في "White House Sailor"، وهو مساعد روزفلت البحري في ذلك الوقت.

ولكن كان ويليام أ. إيدي الشخصية المحورية في التحضيرات، فقد وُلد في لبنان ويتقن العربية بطلاقة. وبفضل ثقته وصداقة الملك التي كسبها خلال أشهره الأولى كممثل أمريكي في جدة، أصبح إدي الوسيط الثقافي بين الجانبين.

لقد أقامت الولايات المتحدة علاقات دبلوماسية مع المملكة العربية السعودية منذ عام 1939، ولكن لم يكن هناك أي دبلوماسي أمريكي مقيم في المملكة؛ بل كانت السعودية ضمن مسؤوليات الوزير المفوض الأمريكي لدى مصر، الذي كان يعيش في القاهرة ونادرًا ما كان يغامر بالدخول إلى شبه الجزيرة العربية.

أما الحكومة السعودية، والتي كانت تتكوّن من الملك وعددٍ قليل من أبنائه المقرّبين ومستشاريه الموثوقين، فلم يكن لها ممثل في واشنطن؛ وعندما كان عبد العزيز يرغب في التعامل مع الولايات المتحدة، كان يفعل ذلك عبر شركة النفط ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا، المعروفة في السعودية باسم كاسوك (CASOC).

وفي عام 1944 تغيّر الاسم إلى شركة الزيت العربية الأمريكية – أرامكو (Aramco).

لم تُعيّن وزارة الخارجية الأمريكية أول مبعوث مقيم لها في جدّة إلا في أبريل 1942، وكان ضابطاً محترفاً يُدعى جيمس موس، وفي ذلك الوقت كانت السعودية تعيش مفارقة عجيبة: فقد كانت أكثر عزلة وفقراً من أي وقت مضى، لأن اندلاع الحرب أوقف صادراتها النفطية بعد ستة أشهر فقط من بدايتها عام 1939، كما تم إيقاف معظم حركة الحجاج إلى مكة، وهي ما كان يمثّل المصدر الرئيسي لإيرادات المملكة.

ومع استمرار الحرب، بدأت السعودية تعاني من نقص حاد في الغذاء، وأصبحت شركة كاسوك (CASOC) تضغط على واشنطن لتقديم المساعدة خشية أن يسحب الملك الامتياز ويمنحه للبريطانيين.

أثمرت توسلات شركة النفط في فبراير 1943. فبناءً على توصية هارولد إيكس، وزير الداخلية والمسؤول عن شؤون النفط في زمن الحرب، أعلن روزفلت أن السعودية ضرورية للدفاع عن الولايات المتحدة، وبالتالي مؤهلة للحصول على المساعدات المالية.

وكما كتب الصحفي البريطاني ديفيد هولدن في تاريخه للمملكة العربية السعودية:

"لقد بدأ الاستيلاء الأمريكي العظيم."

سرعان ما تضاعفت الاتصالات الرسمية بين الولايات المتحدة والسعودية، وعلى مستويات متزايدة الارتفاع. ففي يوليو، أرسل روزفلت المقدم هارولد ب. هوسكنز، وهو عميل استخبارات يتحدث العربية، ليسأل الملك ما إذا كان سيجتمع مع حاييم وايزمان أو غيره من القادة الصهاينة لمناقشة محنة اليهود ومستقبل فلسطين.

وقد لقي هوسكنز استقبالاً شخصياً طيباً، لكنه لم يحقق أي تقدّم مع الملك، الذي كان مناهضاً للصهيونية بشكل راسخ، وأخبره أنه لن يجري مثل هذه المحادثات بنفسه، ولن يخول غيره بإجرائها.

لكن القضية لم يكن ممكناً تجاهلها أو تمني زوالها؛ فاليهود الناجون من المحرقة في أوروبا، العالقون وفي حالة صدمة، كانوا يطالبون بإعادة توطينهم، وقد عززت محنتهم تصميم الصهاينة في الولايات المتحدة على إنشاء دولة يهودية في فلسطين.

في أغسطس، وجّه وزير الخارجية كورديل هَل تعليماته إلى موس بأن يطلب من الملك الإذن للولايات المتحدة بفتح قنصلية في الظهران، تلك المستوطنة الصغيرة التي يسكنها الأمريكيون قرب حقول النفط على ساحل الخليج. وقد مُنح الإذن في العام التالي.

وفي الوقت نفسه تقريباً، رُفع مستوى البعثة الأمريكية في جدة إلى مفوّضية (legation)، وتم استبدال موس بمسؤول أعلى رتبة، وهو بطل حرب من مشاة البحرية الأمريكية يُدعى ويليام أ. إدي - شخصية لافتة كان يرتدي زيّ المارينز طوال فترة عمله ممثلاً لوزارة الخارجية في السعودية.

وقد أصبح العقيد إدي شخصية محورية في جمع الرئيس والملك معاً لإنجاح اللقاء بينهما.

في سبتمبر 1943، دُعي اثنان من أبناء عبد العزيز، الأمير فيصل والأمير خالد - اللذان أصبحا لاحقاً ملكين - إلى واشنطن، وقد لاقيا معاملة حسنة. أقام نائب الرئيس هاري ترومان مأدبة عشاء لهما في البيت الأبيض. وأقاما في دار بلير (Blair House)، دار الضيافة الرسمي للحكومة، ووُفّر لهما قطار خاص في رحلة سياحية إلى الساحل الغربي.

وعند عودتهما إلى الوطن، قدّما تقريراً إيجابياً لوالدهما، وأخبراه أيضاً بأنهما سمعا أن الرئيس روزفلت يحب جمع الطوابع. وقد منح ذلك الملك منفذاً للتواصل المباشر مع الرئيس؛ فأرسل إليه مجموعة من الطوابع السعودية، وكانت نادرة في الغرب آنذاك.

وفي 10 فبراير 1944، أرسل روزفلت إلى الملك رسالة يشكره فيها على الطوابع. وأعرب عن أسفه لأنه لم يتمكن من لقاء الملك خلال رحلته الأخيرة إلى القاهرة وطهران - وهي الرحلة التي حلق خلالها فوق جزء من الأراضي السعودية، وهناك خطرت له فكرة جلب الريّ والزراعة إلى صحاري المنطقة الواسعة.
----------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق


مقالات اخرى للكاتب

السعودية والصهيونية (1 من 6) | ملك السعودية يرفض خطة رئيس أمريكا!