29 - 11 - 2025

العدالة لا تُجزَّأ… ولم يعد أمام الدولة إلا إلغاء المرحلة الأولى كاملة

العدالة لا تُجزَّأ… ولم يعد أمام الدولة إلا إلغاء المرحلة الأولى كاملة

المشهد الانتخابي في المرحلة الثانية كان كاشفًا، لا لأنه أظهر تطوّرًا في الانضباط أو حسن التنظيم أو إلغاء السيطرة والسطوة على الشارع المصرى من قبل أحزاب النفوذ والمال ، بل لأنه وضع الدولة أمام حقيقة مُرة: ما جرى في المرحلة الأولى لم يكن انتخابًا بمعناه الحقيقي، ولا يمكن اعتباره تعبيرًا عن إرادة شعبية صافية.

الهيئة الوطنية للانتخابات أعلنت بالفعل إلغاء نتائج 19 دائرة بسبب مخالفات جسيمة، بعضها يتعلق بالدعاية أمام اللجان، وبعضها بغياب محاضر الفرز أو تضاربها، وبعضها بخلل في عملية التصويت ذاتها. وهي تجاوزات اعترفت بها الدولة رسميًا، ولم تعد مجالًا للتأويل أو الإنكار.

لكن السؤال الجوهري الآن: إذا كانت المخالفات قد بلغت هذا الحجم في 19 دائرة - فكيف نطمئن أن بقية الدوائر سليمة؟ وهل يمكن حقًا تقسيم العدالة إلى "مناطق"؟ دوائر تُعاد وأخرى تُترك؟ هذا ليس مجرد خلل إداري، بل خلل في مبدأ المساواة ذاته.

إلغاء جزئي… عدالة ناقصة

الإعادة في عدد محدود من الدوائر تبدو في ظاهرها خطوة تصحيحية، لكنها في حقيقتها ترسيخ لعدم تكافؤ الفرص. فمرشح في دائرة أُعيدت انتخاباتها يأخذ فرصة جديدة في بيئة منضبطة، بينما مرشح آخر خسر في المرحلة الأولى - ربما بالظروف نفسها - يُقال له: “تحمَّل النتيجة”. أي منطق سياسي أو قانوني يقبل ذلك؟ وأي دستور يرضى بأن تُوزَّع العدالة على فئات، وتُحجب عن أخرى؟

تدخل الرئيس… بداية الطريق وليس نهايته

توجيه الرئيس للهيئة الوطنية للانتخابات بإعادة أي دائرة ثبت فيها الخلل كان خطوة إيجابية، تُحسَب له في سياق حماية العملية الانتخابية. لكن هذا التوجيه نفسه يفرض سؤالًا أشد وضوحًا: إذا كان الهدف هو العدالة الكاملة — فهل تتحقق بإعادة بعضها دون البعض الآخر؟

حتى اللحظة، لا تستطيع أي جهة جزمًا القول إن المرحلة الأولى كانت خالية من التجاوزات في بقية الدوائر. وبالتالي فإن الإلغاء الكامل يصبح ضرورة سياسية وأخلاقية، وليس مجرد خيار إداري.

برلمان يولد مشوّهًا… إن لم تُصحَّح المسار

قبول نتائج المرحلة الأولى كما هي يهدد البرلمان القادم بثلاثة أمراض خطيرة:

1 ـ شرعية منقوصة

لا يمكن لبرلمان أن يعتمد على نتائج اعترفت الدولة نفسها بأنها مشوبة في بعض مناطقها.

2 ـ تمثيل غير عادل

دوائر تُعاد، ودوائر لا تُعاد، ما يعني اختلاف الظروف، وبالتالي اختلاف فرص الفوز.

3 ـ انقسام سياسي طويل الأمد

سيشعر جزء من الشارع بأنه تعرّض لظلم صريح، وأن المنافسة لم تكن نظيفة، وهذا يفتح الباب لجدل لن ينتهي.

القرار العادل الوحيد

من أجل نزاهة المشهد، ومن أجل تعظيم الثقة في المؤسسات، ومن أجل أن يأتي البرلمان القادم ممثلًا لإرادة الناس - لا إرادة الخطأ ولا إرادة الفوضى - فإن القرار العادل والوحيد هو: إلغاء المرحلة الأولى من الانتخابات بالكامل، وإعادتها تحت نفس ظروف المرحلة الثانية من حيث الانضباط والرقابة والمساواة.

هذا ليس موقفًا سياسيًا، بل موقف قانوني وأخلاقي.

وهو قبل كل شيء: حق كل مواطن شارك في المرحلة الأولى.

العدالة لا تُجزَّأ، وصوت المصري لا يقل قيمة في دائرة عن أخرى.

إن إعادة الانتخابات كاملة ليس دليل ضعف، بل دليل قوة دولة تحترم نفسها وتحترم شعبها، وتصر على أن يكون البرلمان القادم شرعيًا بلا شبهة، نزيهًا بلا خدش، ومولودًا من إرادة المصريين لا من ثغرات العملية الانتخابية.
-----------------------------
بقلم: عز الدين الهواري

مقالات اخرى للكاتب

مصر بين فجور التزوير وسيناريو الانهيار.. حين يصل العبث ذروته