يُؤكد اقتناصُه المركز الأول بالفرقة الأولي بدار العلوم من بين ثلّة من الطلاب، صاروا فيما بعد عباقرة الدار، ومحط رحال الباحثين، أنّ تفوقه لم يكن من فراغ، أو جاء خبط عشواء، بل كان عن جدارة واستحقاق، مصحوبين بجهد وعرق .
صار كلُّ فرد من هذه الثلّة المباركة نسيجَ وحده، وقصة يتحاكى بها الركبان !
فكان حماسةُ سيبويه الدار، وحامي لسانها من اللحن، ودرويش فصيحها وبليغها، وإليه فضلُ تحليق الدرس النقدي والبلاغي إلي آفاق عالية رحيبة، والجَليند قامع البدعة في مهدها، وناشر عقيدة أهل السنة والجماعة، ومدكور باني الأخلاق وناشر علمي القيم والجمال، ويأتي صاحبُنا مدارُ الحديث، وعمود خيمته، فيرسخ لعلمي التاريخ والحضارة، ويغوص في أعماق فلسفة التاريخ؛ ليخرج لآلئ ذلك العلم وأصدافه النفيسة، بل ويعلّمه للآخر؛ بفضل إتقانه للإنجليزية تماما كما يُتقن العربية.
تتعاقب سنواتُ الدراسة في الجامعة، ويشتدُ وطيس المنافسة بين هؤلاء الطلبة النوابغ، ليحوز كلُّ منهم المركز الأول مرة، دون أن يتركوا لعبد الرحمن سالم احتكار ذلك المركز وحده، ليُثبت حالُهم أنّ التفوقَ سجالٌ، وأن المعالي ليست منحا، بل هي وليدةُ الجهد والكفاح، وجميعهم كانوا أهلا لذلك .
كان العلاَّمة أ. د عبد الرحمن سالم رِبعة بين الرجال، فليس بالطويل ولا القصير، كما لم يكن بالبدين أو النحيل، وإن كان للنحالة أقرب، لكنّ ذلك الجسم حمل عقلا تصغر أمامه عقولُ العباقرة والمفكرين .
في قاعة الدرس كان شعارُ سالم الالتزام والنظام، اللذين لم يفرضهما علي طلابه قسرا، بل حرص عليهما الطلابُ تشبها بالأستاذ الذي كان فيهما آية وحُجّة.
كان التزام عبد الرحمن أمرا جِبليّا وليس تكلّفا، إذ كانت محاضرته مُحددة البدء والانتهاء، دون تقديم لحظة أو تأخيرها، وليس من قبيل المبالغة إن قلنا إننا كنا نضبط ساعاتنا علي موعد محاضرته !
بلغ التزامُه بالمحاضرة حدا عجيبا، إذ كان لا يصرفُه عنها صارفٌ من فرح أو ترح، وكان إيمانُه بحق الطالب في التعلم عقيدة وعهدا قطعه علي نفسه وأبى أن يخالفه ولو مرة .
لم يكن التزامُه أوحدَ محاسنه، بل صاحب التزامه نظامُه ودقتُه المتناهية، سواء في صياغة الفكرة، أو شرحها لطلابه، الذين اعتادوا أن يجلسوا أمامه وكأنّ علي رؤوسهم الطير؛ انبهارا بما يسمعون، وخوفا من أن تفوتهم كلمة، أو تهرب عن أسماعهم لفظة من ألفاظه، التي كانت أشبه بسبائك من ذهب يتنافسُ عليها المشترون.
كانت قاعةُ المحاضرة مكانا للدرس والتعلم، وبجانب ذلك كانت ورشة تدريب وإلقاء، إذ كان سالم ذا صوت رخيم واضح، ولغة فصيحة بيّنة، أهلته للعمل مُذيعا فترة من حياته، لم تدم طويلا لشغفه بالعمل الجامعي، وأزعم أنه لو استمر بالإذاعة لصار أحدَ نجومها الكبار .
أمَّا عن كُتب العلامة عبد الرحمن سالم فحدِّث ولا حرج، إذ كانت مُحددة الفكرة، دقيقة العبارة، سلسة الأسلوب، رصينة اللغة، زاخرة بالبلاغة، وكيف لا وهو ابن جلا وطلاع الثنايا !
سطرت يدُ العلامة سالم عدة كتب أثرتْ المكتبة العربية والإسلامية منها: "الرسول صلي الله عليه وسلم .. حياته وتطور الدولة الإسلامية في عصره"، و"التاريخ السياسي للمعتزلة"، و"النظام السياسي في الإسلام"، وغيرها من الكتب والأبحاث، التي اتسمت بالدقة والشمول، والوصول من أقصر طريق إلي قلب ووجدان القارئ .
لم تقل معرفة سالم بالإنجليزية عن معرفته بالعربية، لهذا اختير لتدريس التاريخ الإسلامي والحضارة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، فكانت قاعة الدرس أشبه بمحراب، يُخيم عليه صمتُ الحضور، ولا يُسمع فيه غيرُ صوت العلامة سالم، الذي كان يتسلل لا إلي الآذان، بل إلي القلوب والأفهام، فيصنع ما يصنع الماء بالأراضي العطشى .
لم يغب سالم – رغم حبه لعدم الظهور – عن المؤتمرات والمحافل التي تُعرّف بصحيح الاسلام، وتُثبتُ أنه دينُ الوسطية والاعتدال؛ إيمانا بأنّ ذلك واجبٌ ورسالة، فكان في حضوره نجما ساطعا، وقمرا مضيئا، يُبدد ظلام العتمة والجهل .
ولم يفته كذلك أن يُدلي بدلوه في الصحف السيارة، فكانت مقالاته ومشاركاته في التحقيقات الصحفية الجادة ضمانة رواج الصحيفة وانتشارها.
ولأنّ الكلامَ في فلسفة التاريخ يحتاج إلي عقل راجح؛ إذ إنه علمٌ لا يقف عند الحدث، بل يتطلع إلي ما وراءه من معني ومقصود، فإنّ محاضرات سالم في ذلك العلم، كانت بُغية الأساتذة قبل الطلاب، يتسابقُ عليها الجميع، ويحرص عليها الكل؛ ليحصّلوا منها الكثير والكثير .
لم تكن أخلاقه ـ حفظه الله ـ أقلّ من علمه، بل كان فيها آية أيضا، فكان دائما بسَّاما عند اللقاء، كريما في العطاء، طيب الحديث، حسن المعشر، وهو ما جعله محبوبا من الجميع، وأهلا لثناء كلّ من عرفه وعامله .
ولإلمامه بشتي فنون العربية، وموسوعية معرفته اختير وعن جدارة خبيرا بمجمع اللغة العربية؛ ليُسهم مع علماء مجمع الخالدين في سطوع شمس العربية وازدهار نجمها .
العلّامة عبد الرحمن سالم آيةٌ تُدرّس وقصةٌ تُحكى .
--------------------------------
بقلم: صبري الموجي
* مدير تحرير الأهرام