15 - 07 - 2024

د.عيد صالح وإعادة صياغة الحيَاةِ شِعرًا

د.عيد صالح وإعادة صياغة الحيَاةِ شِعرًا

عندما يموتُ الشِّعرُ فينا تنتَهِي الحَيَاةُ...!

يعتقدُ بعضُ النُّقَّادِ أنَّ الشّعرَ قد ماتَ، وحلَّمَحلَّهُ السَّردُ، بل طَرَدَهُ من دُنيَا الفُنُونِ والإبدَاعِ...!

والحقيقةُ أنَّ الشِّعرَ هو روحُ الفنونِ وعصبُها؛ فشعريَّة ديستوفيسكيّ أعزّ ما يملكهُ سردهُ، ولولا شعريَّة محفوظ ما بقي فنُّه في القِمَّة، وثمَّة ساردون كثيرون، يملكون موضوعات مدهشة، ومفاجآت مثيرة، وأحداثًا تكتم الأنفاس اللاهثة، ولكنّهم لا يملكون  شعريَّة اللغة السّرديَّة؛ لذا 

كثيرا ما وصف فنانون ونبلاء، وشحاذون  أيضا بالرهبان؛ إن صدقًا، وإن كذبًا..!

وكثيرا ما كتب عن شاعر إن الشعر يكتبه، وقلما صدقوا...! 

ولكننا في حالة  د. عيد صالح نتوقَّف صادقينَ أمام حالةٍ من الرَّهبانيَّةِ الفنيَّة، تشبه حالة الجذبِ عندَ المتصوّفة؛ فالرَّجل يلخِّصُ تجربةَ الحياة وفلسفتَها في قصيدةٍ، تكفيكَ عن الشِّعر كلِّه؛ فَنًّا، وكثافةً، وسردًا فلسفيًّا، وتجريدًا، وسموًّا عقليًّا ووجدانيًّا، وروحيًّا منقطع النظير...!. 

يسمو به عزوف عن الشُّهرة، وزهد في الصُّفوف الأولى التي احتلتها أنصاف المواهب وأرباعهم لغياب النقد الحقيقِيّ، وسيطرة نوعين من النقد؛ أحدهما أكاديميّ جافٍ وغامضٌ، وثانيهما إنشائيٌّ فوضويٌّ ساذجٌ! 

تبغتك كثافة ثقافة عيد صالح التي يضفِّرها بتجارب إنسانيَّة امتزجت بخلاياه النفسيَّة، واحتفظ بطاقاتها الوجدانية المرهونة بزمنيتها كما هي.

فأحيانًا يردُّك إلى أولى لحظاتِ مراهقتك في تفتُّح مسامّك ورغباتك الطَّازجة على العالم، وأوهامك اللَّذيذة عن عالم البناتِ والنِّساء الممتزجة بمشاعرِ حُبٍّ عُذري مستتر، ينازعك مع أحلام تحقّقك المختمرة بأحلام الوطنِ والجيلِ وكلّ السِّياقاتِ الضَّامَّة...!

وقد ينقلكَ إلى مراحل الشَّيخُوخة التي تتجاوز فيها فكرة الزّمن، وتعبُّ من نهْرِ الحكمةِ، وينابيعِ الحُبِّ المستحيلِ، وخُلاصَةِ المعرفةِ الإنسانيَّةِ.

يغلبُ على كلِّ قصائدِه التَّسريد التَّصويريّ الذي يسرقك من كلك لتنشغلَ بكَ في عالم قصيدتهِ التي تصيرُ قصيدتَك، وتجربتَك، وألمَك! وأملَك، في جرأةٍ تهابُها، وتُقدِّرها، ومعجمٍ طيّع شُحِنَتْ كلُّ ألفاظِهِ بكلِّ ما ذكرتُهُ آنفًا.

وكثيرٌ من قصائدهِ برزخيَّة تقفُ بك بين عالمينِ منفصلينِ ومتماهيينِ في الوقتِ نفسهِ، يفصلُ ويصلُ بحرفِيَّةِ جرَّاحٍ ماهر ينقلُ جزءًا خفيًّا ليرتقَ جزءًا مرئِيًّا.. إنَّها تجارب مشحونة بكل خبراتك المعلنة والكامنة في تواضع الحكماء العباقرة الذين يغيرون العالم وهم مشغولون برعاية طفل جائع...! 

تحيَّةٌ طيّبةٌ إلى وجهك الحلو الذي أراه بقلبي دائمًا، وإن بخلتْ عليَّ الأيَّامُ برأْي العينِ.

ملحوظةٌ مهمَّةٌ : لك أنْ تخالفني كلَ المخالفَةِ.. ولكنْ بعدَ أن تقرأَ بعضَ تجارب  دعيد صالح:

قَصيدة(1):

صَخرَةُ سيزيف:

لا تَنظُرْ إلَيَّ هَكَذَا 

فأنَا لمْ أسقطْ منَ المريخ 

ولَمْ أخرُجْ منْ جدَثِ التاريخ

رُبَّمَا أبدو شاحب الوجه 

وعيناي كلِيلَتَانِ

وقدْ فَقَدتُ بعضَ وزنِي 

لا تَعْبَأ ْبثرثرتي 

عَنِ الطَّقْسِ والموتِ العبثي

فَثَمَّةَ مَن يموتُ ولا يعرفُهُ أَحَد

وحَيثُ يزدردُ الوقتُ بَشَرًا نَجَوا بأَنفُسِهِم

مِن قَيظِ أَيلُول

لشَوَاطئ تعج بالحياة 

هَرَبًا منَ الحَيَاة

وحَيثُ رُفِعَتِ الرَّاياتُ السَّوداء 

لغَضَبِ البَحْرِ

فَثَمَّةَ مَنْ جَرفتْهُ موجَةٌ جائِعَة

رُبَّمَا كانَ يجرِّبَ العومَ لأَوَّلِ مرَّة

لَيْسَتِ النَّداهَة أو ما شَابَه

مِن خُزعبلَاتٍ نُبَرِّر بها غباءنا

رُبَّمَا لعبَ أجدادُنا في جِيناتِنا

كَي يَتَوالَى هُروبُنا 

ونَحنُ نبترِدُ علَى رمالٍ زاحِفَة 

ونَصرخُ في أبنائِنَا 

ألَّا يكرِّرُوا أخطاءَنا 

التي ورثناها عَنْ آبائِنَا

الذينَ قذفُوا بِنَا

ذَاتَ أَمَاسٍ ملُولَة

في خِضَمِ الحيَاة 

***

قصيدة(2) 

(نوستالجيا)

هَكَذَا مرَّ العُمْرُ سريعًا

كَحُلمِ يقظَةٍ

كبَرقٍ خَاطِفٍ

كذُبابَةٍ طائرةٍ

لا تَقبضُ عليها 

مَهْما أَغلَقْتَ عَينيكَ وَفَتحتَهُما 

هَكَذَا فَجْأَةً

وَجَدْتُ نَفْسِي وَحِيدًا 

بَينَ خَرَائِبِي 

ورُكَامِ أَنْقاضِي 

أفتِّشُ عن كُرّاساتِ حُبِّنَا 

وَورْدَاتِ أَهْدَيْتِنِيهَا

كنتُ أبثُّها أشوَاِقي 

كُلَّما غَلَبَنِي الحَنينُ

الحَنينُ الذي كانَ يُراِفقُنِي 

كملَاكٍ يَرعَى حُبَّنَا 

ويَعبثُ بشعرهِ الذي طالَتْهُ يدُ الزَّمن 

وتَقصَّفَتْ قوادِمُه

وأصبحَ مثلِي كهلًا 

لكِنَّهُ ظلَّ مُخْلصًا

لوِحْدَتي القاسِيَةِ

وعذابي المقيم

***

قصيدة(3) 

مرثية الخال ولد فاطمة قنديل:

إلَى عبدِ الرَّحمن الأبنودِي 

أيُّها العزيزُ الَّذي كانَ لنَا الطَّمْي والحِنْطَة

والتَّهجُّد فوقَ سجَّادَة الوَطَن

أيُّها الأبُ والعمُّ والخالُ والجارُ

يا باني السَّدِّ و"أبو الهَولِ" والهرَم الأكبَر

يا إخناتونُ ومينا وتحتمس

يا عاملَ التَّرحيلَة

و"بائعَ الفُلِّ والياسمين"

يا قابضًا خَيْزُرانَة التَّاريخ 

وحِكْمةَ النَّهْر

وقِلَادَة الرَّفْض والشُّمُوخ

يا عبدَ الرَّحمَن

قُمِ الآنَ

وامسحْ كما كنتَ عَلَى الشِّغَاف

واربتْ عَلَى الأكتَاف

واصدَحْ يا خالُ بالحَيَاة.

***

قصيدة(4)

 النَّجمَةُ الهاربَة:

أيتُها النَّجمةُ الهاربَة

والشِّهابُ الذي لا يُلوي علَى شَيء

وقَوس قُزَح الذي مزَّقَتْه ريحٌ هَوجَاءُ

والسَّماء التي تسقطُ خلْفَ التِّلَال

التِّلَال التي تشقُّ بطنَ سَحابةٍ هائِلَة،

وتعلّق أمعاءَها عَلَى شَجَرةٍ

" أصلُهَا ثابتٌ وفرعُها في السَّمَاءِ

أَيَّتُها الضَّغينَةُ المطلَّةُ مِن عَينِ بُومة،

وأنْتِ تَقْذِفينَ الشَّرَّ كزخَّات مِدفعٍ رشَّاشٍ،

وأَنْتِ تقصفينَ مَدرسةً وجامعًا وكاتدرائيَّةً،

وأنْتِ تُزَغردينَ في الجِنَازاتِ وسُرادِقاتِ العزَاءِ،

وتولولينَ في الأَفرَاحِ والأَعْيَادِ

أيتُها الضَّغينَةُ العَمْياءُ ...!!

ما الَّذي أَوْغرَ صَدرَ ذِئبٍ جائعٍ،

وأَطلَقَ الشِّياهَ والأَغنامَ ،

وَتَوَسَّدَ عَصاهُ ونامَ...؟؟

***

 أُهدي شِعر هذا الشَّاعر الكبير حقيقة إلى كلّ من جَافى الشّعرَ وجافاهُ  ليعيدَ علاقاتٍ جديدةً بشاعرٍ قادر على إعادةِ صياغةِ الواقع والخيال بلغة طيّعة تدين لخياله الجامح في تكثيف الزّمن الممتدّ في لحظة، وينفذ عبر كهوف النّفس ودهاليزها إلى أدقّ خلجاتنا وأزماتنا وآمالنا وأحلامنا المجهضة...!

 وأظنّ أنّ قدرات د.عيد صالح الفذَّة على التَّكثيف والسَّرد والتّوغّل إلى أعماق النّفس الإنسانية تعود إلى تجارب واسعة عريضة وعميقة بتجارب الحياة وأزماتها ومستويات الدّهشة فيها، مع ذكاء فذّ، وخيال محلق بلا حدود، وثقافة علميَّة وأدبيَّة ونقديَّة واسعة، مع قلب شاعر يسع العالم، ولا تسعه الكلمات....!
---------------------------------
بقلم: د. محمد سيد علي عبدالعال (محمد عمر)
* وكيل كلية الآداب للدّراسات العليا بآداب العريش.

مقالات اخرى للكاتب

إِشْكاليَّةُ العَلاقَةِ معَ الأبِ في الفنّ والحياةِ