15 - 07 - 2024

مؤشرات | الوزير السياسي ذهب مع الريح.. ورسائل واجبة للحكومة

مؤشرات | الوزير السياسي ذهب مع الريح.. ورسائل واجبة للحكومة

سيطر التشكيل الوزاري الجديد على حوارات كل الناس في الشارع والمواصلات العامة والخاصة، وفي المستشفيات والعيادات الطبية وفي مقارات المصالح الحكومية والبنكية، وعلى صفحات التواصل الإجتماعي والتي تحولت إلى إعلام خاص يخوض في معلومات وتقييمات عن الوزراء الجدد والمحافظين ونوابهم، بخلاف أن التغيير الوزاري (الكبير) والذي شمل 23 حقيبة وزارية، نال أكثر من 75% من أخبار المواقع الصحفية والإعلامية الإلكترونية على مدى يوم إعلان التغيير والأيام السابقة واللاحقة.

وبعيدًا عن كل الأحاديث عن أصل وفصل وشهادات وخبرات عدد من الوزراء، يبدو أن بهذا التغيير نستطيع القول -المؤكد -أن فكرة الوزير السياسي أصبحت جزءًا من التاريخ وذهبت مع الريح، وعلى مدى الساعات الماضية، إنهمكت في البحث عن السير الذاتية لغالبية الوزراء الجدد، وحتى القدامي منهم، للتعرف على إنتماءاتهم وفكرهم السياسي، والإنحيازات السياسية والإجتماعية لهم من خلال دراسات وأبحاث، ونشاط عام إجتماعي أو غيره.

للأسف النتائج جاءت مخيبة للآمال، فأول النتائج أن غاليبة الوزراء لا توجد عنهم معلومات كثيرة، ويكاد سجلهم المعلوماتي المتاح عنهم يكون ضئيلا، بل عن البعض شبه منعدم، وبالتالي فهم يبدأون عملهم العام والسياسي كمناصب وزارية من الصفر، وكل كلمة منهم ستحدد مواقفهم، وكل كلمة مع الأخرى والتالية لها هي التي ستحدد تكوين الرؤية التي ستترسخ عنهم في أذهان جمهور الناس عامة وخاصة.

أستطيع القول أن سجل الوزراء السياسي منعدم أو شبه منعدم، فغالبيتهم لا يوجد ما يشير إلى مواقفهم السياسية وإنحيازاتهم، سواء كان هذا الإنحياز لتيار سياسي، أو أيدولوجي، أو فكر سياسي وإقتصادي محدد، أو حتى إنحياز فئوي، والصورة التي خرجت بها أنهم من العاملين في القطاعات التي سيديرونها، أو الأقرب لها، وليس بالضرورة التخصص الدقيق.

ولا شك أن مفهوم الوزير السياسي إلى زوال مؤكد، وأعتقد أن هذا يرجع لأسباب كثيرة، أهمها حالة تهميش الحياة السياسية في مصر خلال السنوات الماضية ليس من بعد 25 يناير و30 يونيو فقط، بل قبل ذلك أيضا وإن زاد واتسع في السنوات الأخيرة.

وأتصور أن من بين الأسباب هو غياب فكرة الحزب الحاكم بمفهومه العام والخاص، نظرًا لإختلاف آلية تعيين الحكومة حاليا، بالرغم من القول ان هناك حزب كبير في الحياة السياسية المصرية، وهذا صحيح، ولكنه ليس حزبا حاكما، بل هو حزب مؤيد للرئيس والحكومة، ويسعى ليكون حزب الرئيس، وهذا لا يخفي على أحد.

صحيح أن المادة 146 من الدستور تنص على "يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء، بـ تشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب، فإذا لم تحصل حكومته علي ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال ثلاثين يوماً علي الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية رئيسا لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب، فاذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال ثلاثين يوماً، يُعد المجلس منحلاً ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس نواب جديد خلال ستين يوماً من تاريخ صدور قرار الحل". ... إلا أن هذا مازال غير مٌفعل حتى الآن.ً

وبخلاف ذلك ومن وجهة نظري أن تشكيل الوزارات في مصر لم يعد يخضع لحوار بين رئيس الوزراء المكلف والقطاعات السياسية في البلاد، أو مع اصحاب الفكر والرؤي، بل يخضع الحوار حول التشكيل على تقارير أمنية عن مرشحين من دائرة ضيقة جدا، أغلبيتهم من دائرة الإستشارات أو قل مستشاري رئيس الوزراء، دون أدني مشاركة من خبراء وناس لها في السياسة والعمل العام، وبالتالي تأتي الترشيحات بهذا الشكل الذي تم الإنتهاء إليه والإعلان عنه.

ولا يعني كلامي هذا تقليلا أو إستهانة بأصحاب المناصب الجديدة، فهذا أمر سيخضع في تقييمه  لمجريات العمل والإنجاز على الأرض، وما سيقدمه كل وزير في مجال وزارته، وإنعكاسات ذلك على الناس من جمهور الشعب العام، وسيتكشف هذا مع الوقت، وأرى أنه سيتضح من تقييم تصريحات ومواقف الوزراء في أول ثلاثة أشهر.

ومما أستطيع قوله أن فكرة "الوزير التكنوقراط"  في تشكيل الحكومة عليها خلاف حاليًا وفقًا للنتائج على أرض الواقع، وأعتقد أن أحدًا لا يستيطع وصف التشكيل الوزاري بأنه تجسيد لمفهوم التكنوقراطية، والذي يستند إلى مفهوم إختيار أعضاء الحكومة وفقًا لخبرات في مجالات محددة حسب مهام كل وظيفة.

وطالما نحن أمام هذا الواقع، ورغم إختلافي مع دمج بعض الوزرات، مثل الصناعة مع النقل أملا في إنقاذ الصناعة من عثراتها، والهجرة مع الخارجية (رغم اتباع دول أخرى هذا النهج)،  أتصور أنه من المهم أن يكون التدخل في إدارة الوزراء لمهامهم محدود للغاية جدا، ويجب تجنب فكرة (إدارة المدير) العليا، حتى نترك الحرية لكل وزير في وضع رؤاه وتنفيذها، للوقوف على أدائه ومحاسبته وفق النتائج على الأرض.

وفي الجانب الآخر، فمن المهم أن تنفتح الحكومة على الإعلام والبرلمان، بإعتبارهما أدوات رقابية بين الحكومة والشعب، وأن تقبل الحكومة بالنقد البناء، والذي غرضه الأساسي تقييم وتقويم الأداء والرقي به، من أجل جمهور الناس.

والمعارضة مهمة في التقييم، والتعامل معها من جانب الحكومة كشريك في الوطن، لأن التعامل معها على أنها عدو ورأي غير مرغوب فيه يعني الفشل في الإدارة، وضيق صدر غير مفهوم ، وفي الوقت نفسه من المهم أن تنفتح فيه الحكومة على المعارضة بقنوات مختلفة، عليها أن تتعامل مع البرلمان بمفهوم الشراكة، لا مفهوم (سيبهم يتسلوا".

وادعوا الله أن تكون الرسالة واضحة لمصلحة الوطن والمواطن.
-------------------------------
بقلم: محمود الحضري

مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات | مواردنا لخدمة الديون .. فكفى إستدانة