24 - 06 - 2024

حسين قدري .. الصحفى الرحالة

حسين قدري .. الصحفى الرحالة

تعرفت على الأستاذ حسين قدري قبل عشر سنوات من رحيله عندما هاتفته بعد أن قرأت كتابا له عن حوارته مع أعلام الفكر، وقد صدر عن كتاب الجمهورية، وعندما سمعت صوته لم يختلف عما تخيلته عنه، وتبسط معي في الحديث، ثم ذهبت لمقابلته في عمارته القابعة في عمارة برج رمسيس حيث يسكن في الدور الحادي عشر، ودخلت إلى دوحته.. شقته أنيقة.. كل شيء فيه مرتب ونظيف، ودلفت إلى "الروف" وشاهدت شوارع القاهرة وهي تمتاز بتخطيط هندسي فريد كأنني أرى باريس، وجلست إليه ليحكي لي عن ذكرياته في عالم الصحافة والفن والفكر والرحلات التي قام بها، حيث زار معظم دول العالم من شرقه إلى غربه، وذكرياته في مدينة لندن (عاصمة الضباب) التي فضلها إقامة وكان له معها حكايات وحكايات، وكتب عنها العديد من الكتب..

كان الأستاذ حسين قدري يمتلك طريقة عبقرية في الحكي.. يطعمه بالنكتة.. فهو ابن نكتة، وتكررت اللقاءات بيننا على مدار هذه السنوات، وكنت عندما أزور القاهرة كنت أختم الزيارة بمقابلته قبل أن أغادر إلى محطة القطار التي تبعد قليلاً عن مسكنه قافلاً إلى بلدتي المنيا عروس الصعيد..

 وكنت اتصل به باستمرار فيمزح معي قائلاً: "الملكة إليزابيث تسأل عنك باستمرار وتقول أريد أن أقابل أبوالحسن الجمّال.. هي مهووسة بك!!".. وخلال هذه اللقاءات والاتصالات عرفت منه أسراراً وحكايات أسفت على عدم تدوينها؛ فهي كنز لا ينضب، يطعمها بالعبارات الظريفة والنكت؛ وكم أسفت على عدم وجود دراسات أكاديمية عن هذا الرجل صاحب الإنتاج الضخم من كتب الرحلات والذكريات والحوارات، وكنت أصارحه بهذا فلا يغضب.. فأنا لم اضبطه يوماً عابساً أو غاضباً، بل كان يحيا في سعادة غامرة... يعني عاش حياته (بالطول والعرض) واستغل كل دقيقة من دقائق الحياة في الاستمتاع بالحياة.

ما كان يدور بخلد حسين قدري أن يعمل يوماً ما في مجال الصحافة، فقد كان يتمنى أن يصبح طياراً يحلق في سماء مصر كالنسر، نظراً لنشأته الأولى في مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية التي ولد فيها فى الأول من يناير 1934، وكان يوجد في هذه المدينة مطار حربي أنشأته بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، والذي تحول إلى مقر للكلية الجوية بعد ذلك - وازداد ولعاً وهو يشاهد مناظر الطائرات الذاهبة والآيبة ومشاهد الإقلاع، فعبر عن رغبته هذه فى إحدى موضوعات الإنشاء أثناء دراسته بالمرحلة الابتدائية، وتمنى في هذا الموضوع أن يكون طياراً يدافع عن سماء مصر، وكان له أخ يكبره بأعوام تخرج في كلية الزراعة فعمل مهندساً زراعياً، فلم تقتنع والدته التي كان يحبها كثيراً بهندسة الزراعة، ولذا طلبت منه الإجتهاد في دراسته لكي يلتحق بكلية الهندسة ويعمل مهندساً مدنياً، فالتحق بكلية الهندسة جامعة القاهرة وأحرز فيها أعلى الدرجات، وعمل مهندساً مدة أربعة أعوام. 

وفي هذا يقول بضمير الغائب كالأستاذ الدكتور طه حسين في كتابه الأيام: "تخرج عام 1954، وعمل مهندساً أربع سنوات.. ويقول عن نفسه أنه لو كان قد استمر في العمل في الهندسة لكان قد حصل على جائزة الدولة التقديرية كأخيب مهندس في مصر، ويمكن في العالم.. حتى توفيت أمه التي كان يحبها كثيراً ويحترمها كثيراً ولم يكن ليعصي لها أمراً، ولو كانت قد طلبت منه أن يحمل جبل المقطم على كتفه وينقله من القاهرة إلى أسوان لفعله دون تردد.. ولم تكن أمه تريده أن يتحول من مهندس إلى صحفي.. وفي اليوم التالي لوفاتها طلق الهندسة بالثلاثة وأصبح صحفياً محترفاً".

الطريق إلى بلاط صاحبة الجلالة.. جاء بالصدفة:

    كانت بداية تعلقه بالصحافة في مجلة أطفال اسمها مجلة "البلبل" وهو تلميذ صغير عمره 12 سنة، وكتب فيها صفحة بعنوان "الركن الثقافي" وكانت كلها ترجمات عن مجلات الأطفال الانجليزية، واستمر ذلك طيلة مرحلة دراسته في المرحلة الثانوية.. ثم كانت البداية الحقيقية كصحفي محترف في عام 1958، في مجلة "التحرير" وفي هذه البداية قصة، فقد ذهب حسين قدري ذات يوم لزيارة صديقه القديم نبيل عصمت الكاتب الصحفى بجريدة الجمهورية، وأثناء جلوسه معه فى مكتبه تجاذبا معاً أطراف الحديث في كل شيء.. في السياسة والفن وأحوال المجتمع.. وكان قدري يغلف كلامه بالسخرية التي تثير الضحك، وأعجب به نبيل عصمت، وقال له: "أنت خامة صحفية طيبة"، وذهب به إلى الأستاذ عبدالعزيز صادق رئيس تحرير مجلة "التحرير" التي كانت تصدر عن دار التحرير للطباعة والنشر، فاختبره واعتمده، وسهل له المرور في بلاط صاحبة الجلالة، وكان لهذا الرجل فضل كبير على كبار نجوم الصحافة والأخذ بأيديهم في بداياتهم، من أمثال: مفيد فوزي، وحمدي قنديل، ومحمد العزبي، ومحمود سالم، وعبدالقادر حميدة، وعلى شلش، وكمال النجمي، وعميد الإمام، وضياء الدين بيبرس، ورسامي الكاريكاتير: حجازي، وصلاح الليثي، وفايز فريد. 

عمل حسين قدري في مجلة "التحرير" محرراً لصفحة الفن، والتقى بالعشرات من نجوم الفن، يجرى معهم الحوارات، ووطد الصلة بهم، ثم انتقل للعمل في مجلة "الإذاعة" فقط، لأن التليفزيون لم يكن قد أنشيء  بعد، وكانت تضم خمسة من المحررين وهم: محمد جلال، وزينب حسين، وصلاح المراكبي، والأنسة سامية حمام، وحسين قدرى. وقد شكل مع سامية حمام ثنائياً صحفياً فريداً، وكانا أغزر المحررين إنتاجاً، وخلال العمل والإندماج غزا "كيوبيد" الحب قلبيهما، وصارا لا يستغنيان عن بعضهما البعض، وعرف القاصي والداني بقصة الحب الذي أوشك أن يتوج بالزواج، وكان رئيس التحرير حلمى سلام (الكاتب الصحفى الشهير) لا يسمح بقيام مثل هذه العلاقات بين المحررين، فاحتجا على هذه الصرامة وقدما استقالتهما من مجلة "الإذاعة" التي كان مقرها حينئذ في دار الشعب بشارع القصر العيني، وكانت تجاورها مجلة "التعاون الجديد" التي كان يرأس تحريرها محمد صبيح عبدالقادر.. هذا الرجل ذو التاريخ الناصع المجيد، وصاحب الدراسات التاريخية الشهيرة، وعند خروجهما من باب مجلة الإذاعة التقيا الأستاذ صبيح الذي عرض عليهما العمل بمجلة "التعاون الجديد"، ثم تزوجا بعد شهرين.

وبعد فترة رجع حسين قدري وسامية حمام للعمل سوياً مرة أخرى بمجلة "الإذاعة والتليفزيون" بعد خروج حلمى سلام، وظلا بالمجلة فترة طويلة حتى تولت سامية منصب نائب رئيس تحرير المجلة، أما حسين قدري فقد عمل مراسلاً للإذاعة بأمريكا، ثم بريطانيا التي استقر بها ليقدم منها برنامجه الشهير "حسين قدرى يحييكم من لندن" أسبوعياً الذي استمر 16 سنة، ثم حصل على الجنسية البريطانية سنة 1983 مع احتفاظه بالجنسية المصرية.

عمل حسين قدري بالعديد من الصحف والمجلات العربية التي كانت بدأت  تصدر في لندن بشكل مكثف في أواخر السبعينيات:  نائب رئيس تحرير جريدة "العرب" اليومية، ومدير التحقيقات الصحفية في جريدة "المنار" الأسبوعية، ومحرر صفحات الفن في مجلة "الدستور" الأسبوعية، ومدير تحرير مجلة "الحوادث" الأسبوعية، كما كان المحرر الأول لجريدة "المسلمون" الأسبوعية، ومراسل مجلة "الحياة السياحية" في لندن، وكانت المجلة تصدر من باريس،  وكان يكتب في مجلة "الشرق الأوسط" الأسبوعية في لندن.. ومازال يتردد بين لندن والقاهرة يثرى حياتنا بآثاره في عالم الرحلات والقصة والذكريات الصحفية والسياسية والعاطفة، مثل: "رحلة إلى جزيرة كناريا"، و"مذكرات شاب مصري يغسل الأطباق في لندن"، و"راكبان على سفينة"، و"هو والذين كانوا معه"، و"هروب إلى الفضاء" (رواية)، و"مغامرات خالد" (قصص أطفال)، و"مذكرات سائح مصرى فى مصر"، و"يوميات سفينة مجنونة"، و"حكايات أوربية"، و"حكايات لندنية"، و"حكايات مهاجر فى لندن"، و"حكايات صحفية"، وغيرها ...

وكان حسين قدري عضواً بنقابة الصحفيين المصريين، واتحاد كتاب مصر، وعضو نقابة الصحفيين الانجليز، وعضو اتحاد الصحفيين العرب، والاتحاد الدولي للصحفيين. 

وبعد عمر طويل قضاه في بلاط صاحبة الجلالة توفي حسين قدري في العاصمة البريطانية لندن فجر يوم الأثنين 10 يونيو 2019، ودفن بعد أسبوع في مقابر المسلمين بلندن.
------------------------------

بقلم: أبوالحسن الجمال * 
*كاتب ومؤرخ مصري 

المراجع:
اعتمدنا في هذا المقال على كتابات حسين قدري وأهمها: -"حكايات صحفية".
-عبد الفتاح فرج "رحيل الكاتب حسين قدري" جريدة الشرق الأوسط العدد (14806) 12 يونيو 2019.






اعلان